الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

العمليات الفردية في الضفة الغربية.. تحولات ميدانية متسارعة تُربك المنظومة الأمنية للاحتلال


في سياق تصاعد التوتر الميداني في الضفة الغربية، تواصل العمليات الفدائية الفردية فرض نفسها كأحد أبرز العناوين المقلقة للمنظومة الأمنية الصهيونية، خاصة بعد العملية التي وقعت قرب مستوطنة “كوخاف يائير” شمال قلقيلية مؤخرا، وأسفرت عن مقتل مستوطن وإصابة آخرين، وذلك بعد ساعات فقط من عملية دهس قرب مفرق مستوطنة “أفرات” جنوب بيت لحم، في تطور يعكس اتساع رقعة المواجهة وتعدد أشكالها.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني، مأمون أبو عامر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه العملية تعكس حالة احتقان متصاعدة في الضفة الغربية نتيجة تصاعد اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، مشيرا إلى أن هذا الواقع يدفع نحو ردود فعل فردية، في وقت تواجه فيه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية صعوبة متزايدة في رصد هذا النمط من العمليات.

ومن جهته، أكد مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين، ثائر أبو عطيوي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه العمليات تأتي في إطار الفعل ورد الفعل تجاه التصعيد المستمر في الضفة والقدس والحرب على غزة، معتبرا أنها تكشف استمرار فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في احتوائها رغم الإجراءات المشددة.

في هذا الصدد، أفاد مأمون أبو عامر، أن عملية إطلاق النار التي وقعت قرب مستوطنة “كوخاف يائير” الأحد الماضي، لا يمكن فصلها عن الواقع الميداني المتوتر الذي تعيشه الضفة الغربية منذ فترة طويلة، والذي ازداد تعقيدا خلال الأشهر الأخيرة بفعل تصاعد اعتداءات “جيش” الاحتلال والمستوطنين على المدن والقرى الفلسطينية.

تصاعد العمليات الفردية يُربك المنظومة الأمنية الصهيونية

وأشار محدثنا إلى أن الفلسطينيين في الضفة يواجهون بشكل يومي عمليات قتل وإطلاق نار واستهداف مباشر على الطرقات الرئيسية وفي الحواجز العسكرية، غالبا تحت ذرائع أمنية تتعلق بملاحقة مشتبه بهم أو منع هجمات محتملة.

وأوضح أن هذه السياسات الأمنية الإسرائيلية ترافقها اعتداءات متكررة ينفذها المستوطنون بحق السكان الفلسطينيين، تشمل إحراق الممتلكات والمنازل والمركبات، والاعتداء على المزارعين، وسرقة المواشي، ومحاولات الاستيلاء على الأراضي، فضلاً عن ممارسة ضغوط متواصلة على الأهالي لدفعهم إلى مغادرة مناطقهم، لاسيما في القرى والتجمعات الريفية القريبة من المستوطنات، ما خلق حالة متنامية من الاحتقان والغضب الشعبي داخل المجتمع الفلسطيني.

وأبرز الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني أن هذا الغضب لا ينعكس دائما في صورة تحركات جماهيرية واسعة، بسبب جملة من العوامل، من بينها الظروف الأمنية المعقدة التي تفرضها سلطات الاحتلال، والإجراءات العسكرية المشددة، إضافة إلى ضعف الأداء التنظيمي لبعض الأطر السياسية والمجتمعية، فضلا عن تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الضفة الغربية نتيجة انشغال الأنظار بملفات وأزمات أخرى في المنطقة.

وأكد محدثنا أن هذه الظروف مجتمعة تدفع بعض الشبان الفلسطينيين إلى البحث عن وسائل فردية للرد على اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، معتبرا أن عملية “كوخاف يائير” تندرج ضمن هذا السياق، بوصفها تعبيرا عن حالة الغضب المتراكمة في الشارع الفلسطيني، ورد فعل على ما يتعرض له الفلسطينيون من انتهاكات يومية.

وأبرز أبو عامر أن أهمية العملية لا تكمن فقط في نتائجها الميدانية، وإنما أيضا في طبيعة منفذيها، إذ شارك فيها شخصان أحدهما من الضفة الغربية والآخر من فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، وهو ما يعكس اتساع دائرة التفاعل مع الأحداث الجارية وتصاعد مشاعر الغضب تجاه السياسات الصهيونية.

وأوضح أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر بقلق خاص إلى هذا النوع من العمليات التي غالبا ما توصف بـ”الفردية” أو “الذئاب المنفردة”، لأنها تختلف عن العمليات المرتبطة بتنظيمات أو مجموعات معروفة يمكن تتبع تحركاتها أو مراقبة اتصالاتها.

وأضاف أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية راكمت على مدار سنوات طويلة خبرات واسعة في مجال الرصد والمتابعة الاستخباراتية، ما مكنها في كثير من الأحيان من إحباط عمليات قبل تنفيذها، إلا أن العمليات التي ينفذها أفراد أو مجموعات صغيرة ترتبط بعلاقات شخصية أو عائلية محدودة تظل أكثر صعوبة من حيث الكشف المسبق والمتابعة الأمنية.

وأشار أبو عامر إلى أن أحد الجوانب التي أثارت اهتمام المؤسسة الأمنية الصهيونية في هذه العملية يتمثل في استخدام سلاح محلي الصنع، موضحا أن المنفذين لم يلجآ إلى شبكات تهريب أو جهات خارجية للحصول على السلاح، وهو ما يقلل من فرص رصد العملية قبل تنفيذها.

وأبرز المتحدث أن قنوات بيع وتهريب السلاح تخضع في كثير من الأحيان إلى مراقبة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل تصنيع السلاح محليا تحديا إضافيا أمام تلك الأجهزة.

وأضاف أن الاحتلال ينظر إلى هذه المسألة باعتبارها مؤشرا مقلقا، ليس فقط بسبب العملية الحالية، وإنما بسبب احتمال توسع هذه الظاهرة مستقبلا، خاصة إذا تمكنت مجموعات فلسطينية من تطوير قدراتها التسليحية أو الحصول على أسلحة أكثر تطورا.

وأوضح أن المخاوف الإسرائيلية تتزايد من إمكانية وصول أسلحة حديثة إلى الضفة الغربية، سواء عبر عمليات تهريب من خارج الحدود أو من خلال شبكات تجارة السلاح، لما تمتلكه هذه الأسلحة من قدرات قتالية أعلى مقارنة بالأسلحة المحلية الصنع.

ونوّه إلى أن الأسلحة الحديثة قادرة على إحداث تأثير أكبر في المواجهات الميدانية، لا سيما أنها تمتلك قدرة أعلى على اختراق المركبات المصفحة التي يعتمد عليها المستوطنون وقوات الاحتلال في تنقلاتهم داخل الضفة الغربية، وهو ما يفسر جانبا من القلق الذي أبدته المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية عقب العملية.

وأكد المتحدث أن العملية وجهت رسالة أمنية واضحة للاحتلال مفادها أن الإجراءات العسكرية المشددة، والحواجز، وعمليات المراقبة الواسعة، لم تتمكن من منع وقوع هجمات تستهدف المستوطنين، مشيرا إلى أن ذلك يسلط الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجهها المنظومة الأمنية الإسرائيلية في التعامل مع العمليات التي تُخطط وتُنفذ بسرية وعلى نطاق محدود.

خِتاماً، شدد أبو عامر على أن التداعيات السياسية والمعنوية للعملية قد تتجاوز نتائجها الميدانية المباشرة، إذ يمكن أن تسهم في رفع معنويات قطاعات من الشبان الفلسطينيين، وتحفيزهم على التفكير في تنفيذ عمليات مشابهة أو البحث عن وسائل جديدة لمواجهة الاحتلال.

اتساع دائرة الغضب الميداني من ممارسات الاحتلال

من جانبه، أفاد ثائر أبو عطيوي، مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين، أن العمليات الفردية الموجهة ضد الاحتلال الصهيوني، والتي ينفذها عادة أفراد لا تربطهم صلة تنظيمية مباشرة، تندرج في سياق الفعل ورد الفعل، وتأتي نتيجة التصعيد العسكري المتواصل في الضفة الغربية والقدس المحتلة، إلى جانب استمرار الحرب والعدوان الصهيوني على قطاع غزة لأكثر من عامين ونصف.

وأوضح أبو عطيوي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه العمليات النوعية ضد الاحتلال وقطعان المستوطنين تأتي أيضا، في إطار الرد على سياسات القتل والاعتقال والاقتحامات والمداهمات اليومية في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، فضلا عن استمرار سياسة الاستيطان والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين.

وأضاف المتحدث أن سياسة تقطيع أوصال الضفة الغربية من خلال إغلاق الطرق ونشر الحواجز العسكرية وبناء الجدار العازل، وما يرافقها من عزل جغرافي وأمني يهدف إلى حماية المستوطنين، تُعدّ مشاريع استعمارية فاشلة، مشيرا إلى أنه رغم هذه السياسات، فإن العمليات الفردية لم تتوقف وما زالت تُوقع خسائر في صفوف الاحتلال.

ونوّه أبو إلى أن تنفيذ هذه العمليات من قبل فلسطينيين من عرب 48 داخل الضفة الغربية والقدس المحتلة يعكس حالة تفاعل مستمرة مع تطورات الميدان، ويُعد نتيجة طبيعية لتواصل التصعيد العسكري الصهيوني.

وأكد أن استمرار هذه العمليات يبرز، فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية وعدم قدرتها على إحباطها رغم الإجراءات الأمنية المشددة، معتبرا أن نجاح بعضها في التنفيذ يعكس هشاشة تلك المنظومة.

في ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، شدد أبو عطيوي على أن هذه العمليات تأتي ردا طبيعيا على ممارسات الاحتلال، داعيا في الوقت ذاته حكومة الاحتلال إلى وقف التصعيد العسكري في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ووقف الحرب على قطاع غزة، والالتزام بالقرارات والمواثيق الدولية، بما يضمن تنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تنال حقوقها المشروعة.

 

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.