الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

العيدية.. من يد الأجداد إلى جيوب الأحفاد حكاية محبة تتوارثها الأجيال

Author
إيمان عبروس 17 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحافظ “العيدية” على مكانتها كأحد أبرز الطقوس الاجتماعية الراسخة في الجزائر، حيث تتجاوز كونها نقودًا تُمنح للأطفال لتتحول إلى رمز للكرم والمحبة وصلة الرحم، وإرث اجتماعي يعزز التماسك الأسري ويجسد روح التضامن المتوارثة بين الأجيال.

إنها لحظة انتظار العيدية التي يمنحها الكبار للصغار، لتتحول مع مرور الزمن إلى واحدة من أجمل العادات الاجتماعية المتجذرة في ثقافة الجزائريين. فالعيدية ليست مجرد مبلغ بسيط، بل تحمل معاني عميقة من الفرح والعطاء والتكافل، وتحتفي ببراءة الطفولة. وقيمتها الحقيقية تكمن في كونها عادة تنتقل بسلاسة بين الأجيال، لتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية المرتبطة بأجواء العيد.

ورغم تغير أنماط الحياة وتبدل الظروف الاقتصادية والاجتماعية، تظل العيدية حاضرة في البيوت الجزائرية بقوة؛ فالأشخاص الذين كانوا ينتظرونها بشغف في طفولتهم أصبحوا اليوم يمنحونها لأطفالهم وأحفادهم، معيدين بذلك إنتاج لحظة الفرح نفسها التي عاشوها في الماضي. وبين الأمس واليوم، تبقى العيدية أكثر من مجرد نقود؛ إنها رسالة محبة وطقس اجتماعي يرمز إلى دفء العلاقات العائلية وروح التضامن التي تميز المجتمع الجزائري.

العيدية.. تقليد اجتماعي متجذر في الذاكرة الجماعية

يُعدّ تقديم النقود للأطفال في عيد الفطر من أكثر العادات انتشارًا في الجزائر، حيث تكاد لا تخلو أي عائلة من هذا التقليد الذي يرافق احتفالات العيد منذ عقود طويلة. ومع مرور الزمن، تحول هذا السلوك البسيط إلى طقس اجتماعي راسخ ينتظره الأطفال بشوق كبير كل عام.

ففي صباح العيد، وبعد أداء صلاة العيد وتبادل التهاني، تبدأ لحظات توزيع العيدية؛ إذ يتجمع الأطفال حول الكبار، فيقدم لهم الآباء والأعمام والأخوال والجدات نقودًا رمزية تختلف قيمتها من عائلة إلى أخرى. وقد تكون ورقة نقدية صغيرة أو مبلغًا أكبر، لكن قيمتها المعنوية تبقى أكبر بكثير من قيمتها المادية.

ويرى كثيرون أن العيدية تعكس روح الفرح التي تميز هذه المناسبة الدينية، حيث تساهم في إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال وتشجعهم على المشاركة في أجواء العيد الاجتماعية، كما تعزز روابط القربى بين أفراد العائلة، إذ تصبح لحظة تقديم العيدية مناسبة للتقارب والاحتفاء بوجود الأطفال في العائلة.

من الطفولة إلى الأبوة.. دورة الفرح التي لا تنتهي

ما يميز عادة العيدية في المجتمع الجزائري أنها لا تتوقف عند حدود الطفولة، بل تتحول إلى تجربة متوارثة؛ فالطفل الذي كان ينتظر العيدية بفارغ الصبر يكبر ليصبح شابًا، ثم أبًا أو عمًا، ليجد نفسه في موقع من يمنح العيدية بدوره.

هذا التحول يعكس دورة اجتماعية جميلة، حيث يعيد الكبار إحياء ذكريات طفولتهم من خلال إسعاد الصغار. وغالبًا ما يسترجع الآباء والأمهات قصصهم مع العيدية في الماضي، حين كانت مبالغ بسيطة تكفي لشراء الحلوى أو الألعاب الصغيرة من الأسواق الشعبية.

ومع مرور السنوات، أصبحت العيدية تحمل بعدًا عاطفيًا خاصًا، لأنها تربط بين الأجيال المختلفة داخل الأسرة الواحدة؛ فحين تقدم الجدة العيدية لأحفادها، فإنها لا تمنحهم نقودًا فقط، بل تقدم لهم قطعة من تقاليد العائلة وذاكرتها.

العيدية والبعد التربوي.. درس مبكر في الكرم والعطاء

بعيدًا عن مظاهر الفرح، يرى كثير من المختصين في التربية أن العيدية تحمل أيضًا أبعادًا تربوية مهمة للأطفال، فهي تعزز لديهم مفهوم العطاء وتعلمهم قيمة المشاركة والامتنان.

فالطفل الذي يتلقى العيدية يشعر بأنه محل تقدير واهتمام من أفراد العائلة، وهو ما يعزز ثقته بنفسه وإحساسه بالانتماء. كما تمنحه هذه العادة فرصة للتعرف على قيمة المال وكيفية استخدامه، خاصة حين يقرر شراء شيء يحبه أو ادخار جزء من المبلغ.

وفي بعض العائلات، يشجع الآباء أبناءهم على تخصيص جزء من العيدية لمساعدة المحتاجين أو التبرع به، وهو ما يحول هذه العادة إلى فرصة تربوية لتعزيز روح التضامن والتكافل الاجتماعي لدى الأطفال.

الأسواق تنتعش بفرحة الأطفال

مع انتشار عادة العيدية، تشهد الأسواق الجزائرية في أيام العيد حركة ملحوظة، خاصة في المحلات التي تبيع الألعاب والحلويات؛ فالأطفال غالبًا ما يخرجون مع عائلاتهم بعد تلقي العيدية لشراء ما يرغبون فيه، وهو ما يضفي على الأسواق أجواء احتفالية خاصة.

ففي الأزقة والأسواق الشعبية، يمكن رؤية الأطفال وهم يتجولون حاملين نقودهم الصغيرة، يتوقفون أمام واجهات المحلات لاختيار ألعابهم المفضلة أو شراء الحلوى، وتتحول هذه اللحظات إلى تجربة ممتعة تترك في ذاكرتهم ذكريات لا تُنسى.

ويشير بعض التجار إلى أن أيام العيد تعد من أكثر الفترات نشاطًا بالنسبة لهم، إذ يقبل الأطفال بكثافة على شراء الألعاب الصغيرة والمفرقعات والحلوى، مستخدمين العيدية التي حصلوا عليها من أفراد العائلة.

على الرغم من أن قيمة العيدية تختلف من عائلة إلى أخرى حسب الظروف المادية، فإن هذا الاختلاف لا يؤثر في جوهر العادة؛ فالأهم بالنسبة للأطفال ليس قيمة المبلغ بقدر ما هو الشعور بالاهتمام والفرح الذي يرافق لحظة تلقي العيدية.

ففي بعض الأسر قد تكون العيدية رمزية للغاية، لكنها تبقى كافية لإدخال البهجة إلى قلوب الأطفال، بينما في أسر أخرى قد تكون المبالغ أكبر، خاصة إذا كان الأطفال قلة أو إذا أراد الكبار إدخال فرحة إضافية عليهم. ومهما كانت القيمة، تبقى العيدية في نظر كثير من الجزائريين رمزًا للمحبة والاهتمام، وليست مجرد معاملة مالية.

العيدية بين الماضي والحاضر

شهدت عادة العيدية بعض التغيرات مع مرور الزمن، ففي الماضي كانت العيدية غالبًا عبارة عن قطع نقدية معدنية بسيطة، وكان الأطفال يفرحون بها كثيرًا لأنها تمنحهم فرصة لشراء الحلوى أو الألعاب الشعبية.

أما اليوم، فقد تغيرت أشكال العيدية وقيمتها في بعض الأحيان، حيث أصبحت تُقدَّم في شكل أوراق نقدية أو حتى تحويلات رقمية في بعض العائلات، ومع ذلك فإن جوهر العادة بقي كما هو: إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال في يوم العيد.

ويؤكد كثير من الجزائريين أن استمرار هذه العادة رغم التغيرات الاجتماعية يعكس تمسك المجتمع بقيمه وتقاليده، خاصة تلك التي تعزز الروابط العائلية وتمنح الأطفال لحظات سعادة لا تُنسى.

العيدية.. أكثر من مجرد نقود

لا يمكن فهم عادة العيدية في المجتمع الجزائري بمعزل عن قيم التضامن والدفء العائلي التي تميز هذا المجتمع. فالعيد في الجزائر ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو أيضًا فرصة لتجديد العلاقات الاجتماعية وتعزيز الروابط بين أفراد العائلة.

وفي هذا السياق، تأتي العيدية كرمز بسيط لكنه معبر عن هذه الروح الجماعية؛ فهي تعكس رغبة الكبار في مشاركة فرحة العيد مع الأطفال، وتؤكد أن الاحتفال الحقيقي لا يكتمل إلا بابتسامة طفل يشعر بأنه جزء من هذه اللحظة الجميلة.

حين يكبر الأطفال الذين تلقوا العيدية لسنوات طويلة، يدركون أن تلك النقود الصغيرة كانت في الواقع أكبر من مجرد مبلغ مالي، فقد كانت تحمل معها مشاعر الفرح والاهتمام والدفء العائلي.

ولهذا السبب، تبقى العيدية جزءًا من ذاكرة الطفولة لدى كثير من الجزائريين؛ فحين يتذكرون أيام العيد في صغرهم، غالبًا ما تعود إلى أذهانهم لحظة تلقي العيدية، والفرحة التي كانت ترافقها، والرحلات الصغيرة إلى الأسواق لشراء الألعاب والحلوى.

رغم أننا نعيش في زمن السرعة وتغير الكثير من العادات الاجتماعية، تظل العيدية واحدة من التقاليد الجميلة التي حافظ عليها الجزائريون جيلًا بعد جيل، فهي عادة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معاني عميقة تتعلق بالمحبة والتكافل والاحتفاء ببراءة الطفولة.

ولعل سر استمرار هذه العادة يكمن في قدرتها على خلق لحظة فرح مشتركة بين الكبار والصغار، لحظة يتذكر فيها الجميع أن العيد ليس فقط مناسبة دينية، بل هو أيضًا مناسبة إنسانية تعيد إحياء أجمل القيم الاجتماعية.

وهكذا، ستظل العيدية حاضرة في صباحات العيد، تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، حاملة معها رسالة بسيطة لكنها عميقة: ذاك أن الفرح الحقيقي يكمن في العطاء، وأن ابتسامة طفل قد تكون أجمل هدية يقدمها العيد للجميع.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑