“الغاز الجزائري”.. قوة تأثير فارقة في ملف الطاقة بأوروبا

أثبتت الأزمة الروسية الأوكْرانية وما أعْقبها من تداعياتٍ سِلبية على سوق الطاقة العالمِية، أن الأوان لم يحِن بعد للاستغناء عن موارِد الطاقةِ التقليدية، وأن حاجة الإنسان الملحة إلى الطاقة الأحفورية لا تزال قائمة، وربّما زادت حِدّتها اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.

ومن بين أهمّ هذه الموارد الطاقوية، “الغاز الطبيعي” الذي تحوّل بين لحظة وأخرى إلى قوّةٍ وثروةٍ فارقة في ترقيةِ اقتصاد البلدان المّصدرة لهذه المادة الحيوية، وقد تمكّنت الجزائر ـ هذا البلد العربي الغني بثرواته الباطنية ـ من تحقيق قفزة نوعية في هذا المجال، ما أتاح لها بلعب دورٍ محوري مع دول الاتحاد الأوروبي التي تسعى جاهدةً إلى حلٍ عاجل للخروج من مأزق نقص موارد الطاقة.

وعلى ضوء هذه المتغيرات الاستثنائية التي شهدها العالم مؤخرا، برزت الجزائر خلال 2022، كقوة اقتصادية قادرة على المساهمة في تعويض جزءٍ من الغاز الطبيعي الروسي المورد إليها، والذي تقلص بنسبة هامة، خاصةً بعد تفجير خطي نورد ستريم 1 و2.

قبلة الكبار

وبفضل موقعها الاستراتيجي وقربها من أوروبا، زيادةً على توفرها على خطوط أنابيب لا تملكها أي دولة عربية أخرى، وتوجيه معظم صادراتها من الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية بدل الآسيوية، تحوّلت الجزائر إلى قبلةٍ لقادة الدول الغربية، وخاصة إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة والبرتغال ومفوضية الاتحاد الأوروبي، بحثًا عن إمدادات نفطية إضافية تعوّض تدفقات الغاز الروسي وتجنب أوروبا الوقوع في فقر طاقوي.

مفوضة الطاقة الأوروبية كادري سيمسون، أكدت ـ يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022 ـ أهمية الجزائر بصفتها شريكًا إستراتيجيًا آمنًا وموثوقًا به من حيث إمدادات الطاقة للاتحاد الأوروبي، خاصة في مجال الغاز الطبيعي، وقد جاء ذلك خلال الاجتماع السنوي الرابع للحوار السياسي رفيع المستوى حول الطاقة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي الذي انعقد في الجزائر، برئاسة مشتركة لوزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب، والمفوضة الأوروبية كادري سيمسون.

وانعقد هذا الاجتماع في إطار تنفيذ مذكرة التفاهم بشأن الشراكة الإستراتيجية بين الطرفين في مجال الطاقة، الموقّعة بالجزائر عام 2013، والتي تهدف إلى تطوير وتعزيز العلاقات الطاقوية، مع احترام توازن المصالح بين الجانبين، وقد شهد الاجتماع بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي بين الجانبين في مجال الطاقة، خاصة تأمين إمدادات الغاز الجزائري إلى أوروبا.

رقم قياسي خلال 2022

وفي ظل زيادة الطلب العالمي على موارد الطاقة خلال 2022، تمكنت الجزائر من تحقيق رقم قياسي لصادراتها من الغاز الطبيعي.

وبتاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر 2022، كشف مسؤول بوزارة الطاقة والمناجم الجزائرية، بأن “بلاده حققت رقما قياسيا من حيث ارتفاع الصادرات من الغاز الطبيعي خلال 2022 يقدر بحوالي 56 مليار متر مكعب، وأن هذه الكمية مرشحة للارتفاع”.

وأكد المدير العام للاستشراف، بالوزارة، ميلود مجلد، في تصريح للإذاعة الجزائرية، أن “شركة «سوناطراك» أبرمت عدة عقود شراكة مع الأجانب في مجال تطوير المحروقات سنة 2022، وهو ما سيسمح من رفع إنتاج الجزائر من كميات البترول والغاز ما بين 2023 و2028”.

وارتفعت صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي خلال سنة 2022، نتيجة إبرام صفقات جديدة لبيع الغاز الطبيعي لأوروبا وزيادة حجم الاكتشافات في الفترة الماضية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، أفادت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوبك»، أن الجزائر احتلت المركز الأول عربيا من حيث الاكتشافات النفطية والغازية الجديدة خلال الأشهر الثمانية الأولى للعام 2022.

وأوضحت المنظمة في تقرير ورد في نشريتها الشهرية حينها، أن الجزائر سجلت منذ مطلع 2022 وإلى غاية نهاية أوت/ أغسطس 2022 سبع اكتشافات جديدة تشمل أربع اكتشافات نفطية وثلاثة اكتشافات غازية.

ويتعلق الأمر بالاكتشاف المحقق في حاسي الرمل والذي تتراوح تقديرات المصادر المكتشفة فيه بين 100 – 340 مليار متر مكعب، والاكتشاف المحقق في عين أميناس 2 عبر البئر «عين إكر جنوب غرب -1» التي أنتجت من مكمنين عند اختبارها بمعدل إجمالي بلغ 513 ألف متر مكعب في اليوم من الغاز، و43 متر مكعب في اليوم من المتكثفات.

أما الاكتشاف الثالث في الجزائر فتم عبر البئر «تامزاية – 3» في منطقة تاغي، التي أنتجت الغاز خلال اختبار تكوين من عصر الديفوني.

كما تحقق اكتشاف رابع للنفط عبر بئر «غرد أولاد جمعة غرب 1»، والتي أنتجت عند اختباره 1300 برميل في اليوم من النفط، علاوة على 51 ألف متر مكعب في اليوم من الغاز.

وفي تصريحات سابقة نشرت خلال يونيو/حزيران 2022، أكد مدير شركة سوناطراك الجزائرية، توفيق حكار، أن بلاده حققت 35 اكتشافًا جديدًا في قطاع النفط والغاز، منها 34 اكتشافًا بالمجهود الذاتي، بإجمالي احتياطي 307 ملايين طن، أو ما يعادل 2.2 مليار برميل من النفط المكافئ، خلال المدّة من 2020 إلى 2022.

معركة الاستكشاف والإنتاج

وفي جانفي/ كانون الثاني 20233، أكد المسؤول الجزائري ذاته، في حديث خصّ به مجلة «ميدل ايست ايكونوميك سورفاي» المختصة في المسائل الطاقوية، أن عملاق النفط الجزائري «سوناطراك» يعتزم استثمار أكثر من 30 مليار دولار في مجالي استكشاف وإنتاج المحروقات، لا سيما الغاز الطبيعي وذلك من أجل تحسين تموين السوق العالمية.

وأوضح حكار، أنه “في إطار المخطط الخماسي للاستثمار الخاص بسوناطراك (2023-2027)، المقدر بـ40 مليار دولار، سيتم تخصيص أكثر من 30 مليار دولار للاستكشاف والإنتاج بهدف الرفع من الإنتاج على المدى القصير والمتوسط وإعداد حافظة مشاريع مستقبلية لا سيما فيما يخص الغاز الطبيعي”، مضيفا أن “هذه الاستثمارات ستساعدنا على تحسين أمننا الطاقوي وتموين السوق العالمية بشكل موثوق”.

كما أكد الرئيس المدير العام لـ«سوناطراك» أن المجمع ينوي كذلك، في إطار المخطط الاستثماري، رصد أكثر من 7 مليار دولار لمشاريع التكرير والبتروكيمياء وتمييع الغاز وهي المشاريع التي ستمكن حسب حكار من “خلق القيمة المضافة في الجزائر وتعزيز قدراتنا في مجال التصدير”.

وأوضح في السياق ذاته، أنه سيتم تخصيص 1 مليار دولار لتمويل مشاريع في سياق مساهمة الشركة في الانتقال الطاقوي ويتعلق الأمر أساسا بمشاريع استرجاع الغاز المحروق على مستوى مواقع الإنتاج ومجمعات الغاز الطبيعي المميع ومشاريع الطاقة الشمسية بالصفائح الضوئية لتزويد مواقع الإنتاج وكذا المشاريع النموذجية لإنتاج ونقل الهيدروجين الأخضر.

وفي إطار سعيها للتوغل أكثر في سوق الطاقة الأوروبية، عمدت الجزائر إلى توسيع دائرة زبائنها، حيث استعادت الجزائر حصتها بالسوق السلوفينية التي كانت قد مونتها بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب نقل الغاز أنريكو ماتيي بين 1992 و2012.

وبتاريخ 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، وقعت الشركة البترولية الجزائرية «سوناطراك»، عقداً لشراء وبيع الغاز الطبيعي مع شركة «جيوبلن» السلوفينية لتزويد سلوفينيا بالغاز الطبيعي عبر خط أنابيب الغاز الذي يربط الجزائر بإيطاليا، وذلك لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من شهر يناير (كانون الثاني) 2023.

تجدر الإشارة، إلى أنه لا توجد أي منافسة غير بريئة من الغاز الجزائري للغاز الروسي بحكم العلاقات القوية التي تربط البلدين، حيث يوجد هناك تنسيق بين البلدين ضمن منتدى الدول المصدرة للغاز.

وكان السفير الروسي في الجزائر فاليريان شوفايف، قال في تصريحات صحافية سابقة، إن روسيا تتفهم رفع الجزائر إمدادات الغاز إلى أوروبا بعد توقف الإمدادات الروسية، مؤكداً أنها خطوة لا تزعج بلاده.

وحسب أرقام رسمية، فإن حجم إنتاج الغاز الطبيعي في الجزائر يبلغ نحو ستة ملايين و491 ألف قدم مكعب سنوياً منذ 2015، محتلةً بذلك المرتبة الخامسة في العالم، بينما يصل الاستهلاك الداخلي إلى نحو مليون و457 ألف قدم مكعب سنوياً اعتباراً من عام 2017، لتحتل المرتبة 26 عالمياً من حيث الاستهلاك بنسبة 1.1 في المئة من إجمالي الاستهلاك العالمي البالغ نحو 132 مليون قدم مكعب.