الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

بعد دخوله حيز التنفيذ منذ سنوات.. هل نجح قانون العقوبات في ردع الغش في الامتحانات؟

Author
بثينة صايفي 06 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع اقتراب موعد امتحان شهادة البكالوريا، يعود ملف الغش في الامتحانات إلى واجهة النقاش العام من جديد، بين ما هو مجتمعي وتربوي وقانوني، غير أن اللافت هذه السنة أن الجدل لم يعد يقتصر على التحضيرات الدراسية أو الجوانب النفسية المرتبطة بالامتحان، بل اتجه بشكل أوضح نحو قضية الغش بكل أشكاله، وسبل التصدي له وحماية مصداقية المنظومة التربوية.
وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 20-06 المعدّل والمتمّم لقانون العقوبات ليؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع هذه الظاهرة، من خلال مقاربة أكثر صرامة تقوم على الردع وتشديد العقوبات، بما يهدف إلى غلق كل المنافذ التي يمكن أن تُستغل للإخلال بنزاهة الامتحانات، سواء عبر التسريب أو المساعدة أو التلاعب بنتائج الاختبارات.

الغش في المنظومة القانونية الجزائرية.. من التجريم الديني إلى الحماية الدستورية الشاملة
وفي هذا السياق يرى أستاذ القانون الدستوري موسى بودهان أن ظاهرة الغش لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد سلوك فردي معزول، بل هي إشكالية بنيوية تمسّ أسس الثقة داخل المجتمع، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد والدولة ومؤسساتها، فالغش، بحسبه، ليس فقط فعلاً مرفوضا أخلاقيا ودينيا، بل هو أيضا سلوك مجرَّم بوضوح في المنظومة القانونية الجزائرية، نظرا لخطورته على مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص واستقرار المؤسسات.


وينطلق الأستاذ من البعد القيمي والديني للغش، باعتباره أحد أخطر الممارسات التي تهدم الثقة بين الأفراد، فالشريعة الإسلامية جاءت بموقف واضح وصارم من هذا الفعل، ويكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “من غشّنا فليس منا”، وهو حديث يعكس، حسب الطرح، خروج الغش عن منظومة القيم الإسلامية التي تقوم على الصدق والأمانة والنزاهة.
ولا يقتصر هذا الرفض على الإسلام فقط، بل إن مختلف الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية تُجمع على تجريم الغش أخلاقيا، باعتباره سلوكا يضرب أساس التعاملات الاجتماعية والاقتصادية، ويؤدي إلى اختلال ميزان الثقة داخل المجتمع، سواء في العلاقات اليومية أو في المعاملات الكبرى.

الغش في الدستور.. حماية الدولة والمجتمع من الانحرافات الخطيرة
على المستوى الدستوري، يوضح بودهان أن الدستور الجزائري لا يتعامل مع الغش كمسألة هامشية، بل يدرجه ضمن نطاق حماية الدولة ومؤسساتها ومقوماتها الاقتصادية والاجتماعية، فالدستور، بحسب هذا التصور، يكرّس التزام الدولة بمكافحة كل أشكال التلاعب والفساد، بما في ذلك الغش، والرشوة، والاختلاس، والتهريب، والتجارة غير المشروعة، والاستحواذ غير القانوني.
ومن هذا المنطلق، يتحوّل الغش من مجرد مخالفة فردية إلى تهديد مباشر للنظام العام الاقتصادي والاجتماعي، ما يمنحه بعدا دستوريا واضحا في إطار الحماية والردع، ويجعل مكافحته جزءًا من واجب الدولة في ضمان استقرار المجتمع وصون المال العام والخاص.
كما يشير الأستاذ إلى أن الغش ليس محصورا في نص قانوني واحد، بل هو موزع عبر منظومة تشريعية واسعة، في مقدمتها قانون العقوبات المعدّل والمتمّم، إلى جانب القوانين المتعلقة بحماية المستهلك وقمع الغش.
وتشمل هذه المنظومة مختلف أشكال الغش، سواء في المجال التجاري أو المالي أو الإداري أو الأكاديمي، ويؤكد المتحدث أن المشرّع الجزائري تعامل مع الظاهرة بمنطق شمولي، إدراكا منه لتعدد صورها وتطور وسائلها، خاصة مع دخول الوسائط الرقمية والاقتصاد المعاصر الذي أصبح أكثر تعقيدا.

الغش في الامتحانات والمسابقات.. حماية صارمة لنزاهة الشهادات
يولي المشرّع أهمية خاصة لنزاهة الامتحانات والمسابقات، حيث خصّص لها فصلا كاملا ضمن قانون العقوبات، يتضمن مواد دقيقة تجرّم مختلف أشكال الإخلال بسيرها.
وتشمل هذه الجرائم تسريب مواضيع الامتحانات أو أجوبتها قبل أو أثناء الاختبارات، سواء تعلق الأمر بالتعليم الابتدائي أو المتوسط أو الثانوي أو الجامعي، أو حتى المسابقات المهنية والوطنية، كما لا يقتصر التجريم على المترشحين فقط، بل يمتد إلى كل من يساهم أو يشارك أو يسهل هذه الأفعال، حيث يُعاقب الشريك بنفس عقوبة الفاعل الأصلي.
ويضيف الأستاذ أن القانون شدّد بشكل خاص على حالات استبدال المترشحين، حيث يُعاقب كل من يحل محل شخص آخر لاجتياز الامتحان أو يتيح ذلك، نظرا لما يشكله هذا السلوك من اعتداء مباشر على مبدأ الاستحقاق.
كما تصل العقوبات إلى الحبس والغرامة، وتُشدد في حال تورط أشخاص مكلفين بتنظيم الامتحانات أو الإشراف عليها، أو في حال استخدام الوسائل الإلكترونية والتكنولوجية الحديثة، لما لهذه الوسائل من قدرة على توسيع نطاق الجريمة وتعقيد كشفها.
وفي الحالات التي تؤدي فيها هذه الأفعال إلى إلغاء الامتحانات أو المسابقات كليا أو جزئيا، فإن العقوبات تصبح أكثر صرامة، وقد تصل إلى السجن المؤقت، وهو ما يعكس، حسب بودهان، إرادة تشريعية قوية في حماية مصداقية المنظومة التربوية.
كما يلفت بودهان إلى أن العقوبات لا تقتصر على الجانب الجزائي فقط، بل تمتد إلى عقوبات تكميلية تهدف إلى منع إعادة إنتاج نفس السلوك، وتشمل هذه العقوبات الحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية والعائلية، مثل حق الانتخاب أو الترشح، أو حمل الأوسمة، أو تولي بعض الوظائف العمومية.
كما يمكن أن تشمل المنع من ممارسة المهن المرتبطة بالتعليم أو الشهادة أو الخبرة أو الشهادة أمام القضاء، وهو ما يعكس حساسية هذه المجالات وعلاقتها المباشرة بالثقة العامة.
ويؤكد المتحدث أن هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى العقاب، بل أيضا إلى حماية المجتمع من إعادة تمكين مرتكبي هذه الأفعال من مواقع قد تسمح لهم بتكرارها.

الوسائل الحديثة والمصادرة.. تشديد الردع في العصر الرقمي
في ظل التطور التكنولوجي، شدد المشرّع، وفق بودهان، على التعامل مع الغش الإلكتروني بنفس درجة الخطورة التي يُعامل بها الغش التقليدي، بل وأكثر في بعض الحالات.
لذلك، يتيح القانون مصادرة الأجهزة والبرامج والوسائل المستخدمة في ارتكاب الجريمة، إلى جانب إمكانية غلق المواقع الإلكترونية أو المنصات التي استُعملت في عمليات الغش، ومنع الوصول إليها.
كما يمكن للمحكمة أن تأمر بغلق المحلات أو أماكن الاستغلال إذا ثبت استخدامها في تسهيل هذه الأفعال، إضافة إلى مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة، بما يعزز البعد الردعي للقانون، مشيرا إلى أن المسؤولية الجزائية لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تمتد أيضا إلى الأشخاص المعنويين، مثل الشركات والمؤسسات، إذا ثبت تورطها في أفعال الغش أو تسهيلها أو الاستفادة منها.
ويعكس هذا التوجه، بحسب المتحدث، تطورا في الفكر القانوني الجزائري نحو محاسبة جميع الفاعلين داخل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، دون استثناء.

حماية رموز الدولة.. من الشهادات إلى الأوسمة والذاكرة الوطنية
ويوضح بودهان أن نطاق الحماية القانونية يتوسع ليشمل رموز الدولة ومؤسساتها السيادية، مثل الأوسمة والشهادات التكريمية والنياشين، إضافة إلى الوثائق ذات الطابع التاريخي مثل شهادات المجاهد والشهيد.
مؤكدا أن هذا المجال لم يسلم بدوره من محاولات الغش والتزوير، ما دفع المشرّع إلى تشديد الحماية القانونية عليه، باعتباره جزءا من الذاكرة الوطنية والاعتراف الرسمي بالتضحيات.
كما تمتد الحماية إلى الأرشيف الوطني، باعتباره رصيدا تاريخيا وسياديا، لا يجوز العبث به أو التلاعب بمحتواه.

انتحال الصفة.. تهديد مباشر لهيبة الدولة
كما أشار بودهان، في ختام حديثه، إلى أن من أخطر صور الغش، ظاهرة انتحال الصفة، والتي تشمل ارتداء بزات عسكرية أو شبه عسكرية دون وجه حق، أو تقليد رتب تخص الجيش الوطني الشعبي أو مختلف الأسلاك النظامية مثل الشرطة والدرك والجمارك والحماية المدنية.
ويعتبر هذا الفعل مساسا مباشراً بهيبة الدولة، لأنه يقوم على استغلال رموز السلطة والثقة العامة، وقد يؤدي إلى نتائج خطيرة تمس الأمن والنظام العام، مشيرا إلى أن الغش، بكل تجلياته، لم يعد مجرد مخالفة بسيطة، بل أصبح ظاهرة مركبة تمسّ الدين والأخلاق والقانون والاقتصاد والمؤسسات، ورغم الصرامة التشريعية التي أقرّها قانون العقوبات والقوانين المكملة له، فإن مكافحة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتحقق عبر القانون وحده.
فالمعركة الحقيقية، بحسب بودهان، هي معركة وعي قبل أن تكون معركة نصوص، ومعركة قيم قبل أن تكون معركة عقوبات، ما يستدعي تضافر جهود الدولة والمجتمع والأسرة والمؤسسات التربوية والإعلامية من أجل ترسيخ ثقافة النزاهة وبناء بيئة اجتماعية ترفض الغش بكل أشكاله.