في إفريقيا، حيث تتشابك التحديات الأمنية مع إرث التاريخ والآمال التنموية، تتبوّأ الجزائر موقعا استراتيجيا فريدا، يجعلها أكثر من مجرد دولة فاعلة؛ فهي شريك أصيل يسعى لبناء القارة من الداخل، مستفيدا من تجربة تحرره الوطني لتشكيل رؤية متكاملة للأمن والسلم والتنمية. هذا الدور لا يُقاس فقط بالسياسات أو المبادرات الدبلوماسية، بل بالقدرة على تحويل الذاكرة التاريخية إلى أدوات عملية، تربط بين البُعدين الأمني والتنموي، وتُعزز التكامل القاري من خلال: مؤسسات، مشاريع، وشراكات ملموسة. وفي هذا السياق، تكشف تجربة الجزائر في الساحل الإفريقي وأدوارها داخل الاتحاد الإفريقي عن أنموذج متكامل يجمع بين: الوساطة، بناء القدرات، ومكافحة الإرهاب، بما يبيّن كيف أعاد بلد الشهداء توظيف تاريخه التحرري لبناء رؤية مؤسسة للاستقرار القاري.
تتجلى استراتيجة الجزائر في إفريقيا عبر دمج أبعاد الأمن والتنمية والدبلوماسية في رؤية متكاملة. فالجزائر لا تتعامل مع القارة بوصفها مجرد منطقة نفوذ، بل كمجتمع شريك له تحدياته وطاقاته. وتتركز أولوياتها على دعم الأمن القومي للدول الإفريقية عبر تعزيز القدرات المحلية، وتفعيل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، وبناء آليات تعاون إقليمي تسمح بالتصدي للتهديدات العابرة للحدود. ويشمل ذلك دعم مراكز البحوث الأمنية، وتبادل المعلومات، وتطوير قدرات الشرطة والجيش المحليين، بما يضمن حماية المجتمعات وتقليص الفراغات التي تستغلها الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة.
في الوقت نفسه، تسعى الجزائر إلى معالجة جذور الصراعات من خلال برامج تنموية شاملة، تشمل البنية التحتية، والتعليم، والطاقة، والاتصالات، وربط الأسواق الإفريقية بعضها ببعض. ويهدف هذا التوجه إلى خلق بيئة مستقرة اقتصاديا واجتماعيا، ما يقلل من احتمالات نشوء التطرف ويعزز قدرة الدول على حماية شعوبها. ويركز هذا النهج على إشراك الشباب والمرأة والمجتمعات المحلية في رسم حلول عملية، إذ تعتبر الجزائر أن القوة البشرية القادرة على الابتكار والتعاون تشكل العمود الفقري لأي استراتيجية ناجحة للاستقرار القاري.
وتبرز الوساطة السياسية كركيزة أساسية في الدور الجزائري، وهو دور نشط في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، والاعتماد على الحوار كأساس لإرساء السلام. ويعكس هذا المزيج بين الوساطة، ودعم القدرات، والتنمية، رؤية شاملة تؤكد أن الأمن المستدام لا يتحقق بالعمليات العسكرية وحدها، بل عبر معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي الصراعات.
علاوة على ذلك، تمنح الجزائر أولوية للتكامل القاري، إذ تربط بين مشاريع البنية التحتية، والسياسات الاقتصادية، والتعاون المؤسسي، لتخلق شبكة مترابطة من القدرات تدعم الاستقرار السياسي والاجتماعي. ويعكس الاستثمار في البنية التحتية، مثل شبكات الطرق والغاز والألياف البصرية، رؤية استراتيجية تدمج التنمية بالأمن، وتحول التعاون الإقليمي إلى رافعة لتعزيز قدرات القارة على مواجهة الأزمات داخليا ودوليا.
من هنا، يظهر الدور الجزائري كنموذج عملي لكيفية تحويل التجربة التاريخية والخبرة الوطنية إلى أدوات ملموسة لبناء الاستقرار في إفريقيا. فالجزائر لا تكتفي بدعم القارة سياسيا أو عسكريا، بل تخلق آليات للتنمية المستدامة، وتعزز الحوكمة الرشيدة، وتربط بين الأمن والاقتصاد، بما يجعلها شريكا فاعلا ومهندسا للاستقرار القاري.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح الباحث نميري عز الدين لـ"الأيام نيوز" أهمية خاصة، بوصفه خريطة مفاهيمية توضح كيف تنسجم الذاكرة التاريخية مع الأهداف الاستراتيجية للدولة. فحين يؤكد أن إفريقيا تشكل أولوية ثابتة في السياسة الخارجية الجزائرية، فهو لا يصف خيارا تكتيكيا، بل يستحضر امتدادا طبيعيا لرؤية تُحول تجربة التحرر الوطني إلى رافد دائم للقوة الإقليمية وللقدرة على التعامل مع تحديات القرن الحادي والعشرين.
وتستند هذه الرؤية إلى فهم عميق لطبيعة التحديات التي تواجه القارة اليوم: تفاقم التهديدات الأمنية، الجذور الاستعمارية للنزاعات، توسع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وانتقال موجات التطرف والإرهاب عبر مساحات مترابطة من السهول والصحاري والسواحل.
التحليل الذي يقدمه نميري يكشف أن المقاربة الجزائرية في إفريقيا لا تقوم على المواقف الأخلاقية أو الخطاب الرمزي فحسب، بل تمتد إلى منظومة أدوات مؤسسية وسياسات عملية متدرجة. ويتجلى ذلك في شواهد ملموسة، أبرزها احتضان الجزائر لمؤسستين تابعتين للاتحاد الإفريقي هما CAERT وAFRIPOL، فضلا عن تأسيس مبادرات أمنية وعسكرية إقليمية مثل CEMOC مع دول الساحل.
هذه الخطوات تعكس إدراكا استراتيجيا بأن الأمن القومي الجزائري متشابك، عضويا وعمليا، مع الأمن القاري، وأن بناء قدرات مشتركة ومراكز بحث وآليات تعاون شرطي وعسكري يشكل خط الدفاع الأول أمام التهديدات العابرة للحدود. غير أن هذا الإدراك يتجاوز الأمن الصلب إلى بعد معرفي وحضاري، عبر نشر خطاب ديني وسطي وتكوين الأئمة من مختلف الدول الإفريقية، بما يعزز دور الجزائر كحامل لمرجعية فكرية معتدلة تمنح سياستها الخارجية عمقا ثقافيا وشرعية إضافية داخل القارة.
وعلى الصعيد التنموي، تعكس مشاركة الجزائر في مبادرات كـ"نيباد"، ودعمها الفعال لتأسيس منطقة التبادل الحر القارية رؤية تجمع بين الأمن والاقتصاد في إطار واحد. فتنمية البنى التحتية، وتقديم المنح الدراسية، وتكوين الإطارات، وطرح مشاريع ربط قاري في الطاقة والاتصالات والموانئ، ليست مجرد برامج تنموية، بل أدوات لتقليص هشاشة الدول الإفريقية والحد من الشعور بالتهميش الذي يغذي الصراعات ويمنح الجريمة المنظمة تربة خصبة للنمو. هكذا يصبح الاستثمار في التعليم والاقتصاد جزءا من معمارية الأمن، لا مجرد ملحق لها.
ولا يتوقف تحليل الدور الجزائري عند تعداد المبادرات، بل يبرز منهجية عمل متكاملة: الجمع بين الوساطة والدبلوماسية الهادئة، والتمسك بمبدأ عدم التدخل، في مقابل تقديم حلول عملية قادرة على بناء الثقة وتقريب المواقف بين الأطراف المتنازعة. هذا المزيج منح الجزائر مكانة وسيط موثوق، يجمع بين الإرث النضالي والجاذبية التاريخية من جهة، وبين القدرات التقنية والتعاون المؤسسي القابل للتنفيذ من جهة أخرى.
ومع ذلك، يذكر التحليل بأن نجاح الجزائر في الاضطلاع بهذا الدور مرتبط بقدرة القارة على تحقيق توازن دقيق بين السيادة الوطنية ومتطلبات التعاون الإقليمي، وبين الطموح التنموي وضرورات الواقعية السياسية، وبين السعي نحو استقلال استراتيجي وتعزيز شبكات الاعتماد جنوب - جنوب. كما يتطلب مواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية العالمية، وضمان الشفافية في إدارة المشاريع المشتركة لتفادي مخاطر الفساد التي تهدد فعالية المبادرات الإقليمية. وبهذا يصبح ما يقدمه نميري أشبه بخارطة طريق، لا إشادة أحادية الجانب، تستدعي إرادة سياسية مستمرة وإشراكا حقيقيا للفاعلين المحليين والمجتمع المدني من أجل بناء مشاريع قارية قادرة على الصمود.
في هذا السياق، لا تظهر الجزائر كفاعل داعم فقط، بل كمهندس لشبكة أدوات متكاملة - أمنية، تنموية، ثقافية ودبلوماسية - تعمل بتناغم لتقوية البنية القارية في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية. والخلاصة التي يرسخها التحليل أن تحويل الذاكرة التاريخية إلى سياسة عملية ومؤسسية هو ما يمنح العلاقات الجزائرية - الإفريقية عمقها واستدامتها، ويجعل الجزائر شريكا محوريا في بناء مستقبل إفريقي يقوم على الاستقرار والعدالة والتنمية والشراكة المتوازنة.
ومن هنا تبرز الإشكالية المركزية: كيف يمكن للقارة الإفريقية - في ظل تفاقم التهديدات الإرهابية وتنامي الجريمة المنظمة وتزايد التدخلات الأجنبية - أن تبني منظومة أمن جماعي فعالة تعيد للدول قدرتها على بسط الاستقرار، وتضمن في الوقت نفسه احترام السيادة وتفعيل مبدأ "الحلول الإفريقية لمشاكل إفريقيا"؟
وفي سياق البحث عن إجابة عملية لهذا السؤال المركزي، يبرز مثال الساحل الإفريقي باعتباره النموذج الأكثر تعقيدا لاختبار قدرة القارة على بناء منظومة أمن جماعي فعالة. فالتطورات المتسارعة في هذه المنطقة تكشف حجم التحديات التي تواجه الدول الإفريقية عند محاولة الجمع بين حماية سيادتها ومعالجة تهديدات تتجاوز حدودها. وخلال السنوات الأخيرة، شهدت دول الساحل - من مالي والنيجر إلى بوركينا فاسو - توسعا غير مسبوق في طبيعة المخاطر الأمنية، حيث يتقاطع الإرهاب مع العنف الطائفي، وتتشابك شبكات الجريمة المنظمة مع الجماعات المسلحة المتطرفة، فيما تتصاعد مظاهر التطرف العنيف التي تقوّض أسس الاستقرار السياسي والاجتماعي.
مقاربات شاملة لمواجهة ثلاثية العنف في الساحل
لقد أظهرت التجارب الميدانية أن المقاربات العسكرية التقليدية التي اعتمدتها قوى غربية - وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة - فشلت في إنتاج استقرار فعلي، بل أدت في حالات كثيرة إلى تعميق الشرخ بين الدولة والمجتمعات المحلية. هذا ما منح الجماعات الإرهابية مساحة أكبر لاستغلال الفراغ السياسي وضعف الدولة لتوسيع نفوذها والسيطرة على الموارد. وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور إبراهيم مطر، رئيس المعهد الدولي الإفريقي للسلام، في تصريح لـ"الأيام نيوز"، أن "النهج الأمني الأحادي الذي يركز على العسكرة لا يعالج الجذور الاجتماعية والاقتصادية للإرهاب، بل يكرس الهيمنة الخارجية ويعزز صعوبة بناء مؤسسات محلية قادرة على حماية أمن شعوبها".
وتتميز التهديدات الهجينة في الساحل بطابعها المركب، إذ تمزج بين العمل المسلح، والأنشطة السيبرانية، والدعاية الرقمية، والتجارة غير المشروعة. وقد وسعت الجماعات الإرهابية من أساليبها، فلم تعد تعتمد على العنف فقط، بل باتت تستثمر في هشاشة الظروف الاقتصادية، وانعدام الخدمات، وتداعيات تغير المناخ، وتستخدم منصات التواصل لنشر خطابها وتجنيد عناصر جديدة، ما يرفع من قدرتها على زعزعة تماسك المجتمعات.
وتبرز أيضا ظاهرة التعاون بين التنظيمات الإرهابية - مثل بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب إفريقيا - وعصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ما أدى إلى ظهور شبكات هجينة تمتلك مصادر تمويل وتسليح واسعة، وتستغل ضعف الرقابة الحكومية على المناطق الحدودية. وهذا ما يزيد من صعوبة مهمة الحكومات الإقليمية في احتواء هذه التهديدات أو تفكيكها.
أسهمت التحولات في المشهد الدولي، ولا سيما صعود القوى الكبرى ضمن نظام متعدد الأقطاب، في زيادة تعقيد البيئة الأمنية في منطقة الساحل. فقد أصبحت المنطقة مسرحا لصراعات نفوذ غير مباشرة بين روسيا والغرب، تجلى أبرزها في توسع الحضور الروسي عبر مقاتلي مجموعة فاغنر، خصوصا في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، مقابل انسحاب تدريجي لبعض القوات الفرنسية والأمريكية. هذا التحول خلق فراغا أمنيا استثمرته أطراف محلية وإقليمية لتعزيز أدوارها، بينما أعاد تشكيل موازين القوة بطريقة عمقت هشاشة المنطقة بدل أن تعزز استقرارها.
وفي الوقت ذاته، شهدت السياسات الأوروبية تحولا لافتا مع إنشاء "مرفق السلام الأوروبي" عام 2021، وهو آلية تركز على تمويل القدرات العسكرية والأمنية للشركاء الأفارقة. غير أن هذا التوجه يثير مخاوف حقيقية من انزلاق القارة نحو أمننة النزاعات وتحويلها إلى ساحات تنافس بالوكالة بين القوى العالمية، الأمر الذي يهدد استقلال القرار الأمني الإفريقي ويزيد من ارتهان دول الساحل للمساعدات الخارجية.
أمام هذا الواقع، تُطرح الحاجة الملحة لمقاربات جديدة وشاملة لمعالجة جذور الإرهاب والتهديدات الهجينة. وتبرز هنا ثلاثية "المنع والتعطيل والحرمان" باعتبارها رؤية أكثر توازنا: فالمنع يقوم على تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والمناخية. ويهدف التعطيل إلى تجفيف مصادر تمويل الجماعات الإرهابية وعرقلة شبكاتها العابرة للحدود. أما الحرمان فيركز على استعادة الدولة لوجودها الشرعي في المناطق المهمشة والحد من سيطرة التنظيمات المتطرفة عليها، بما يشمل الاعتماد على المعارف والخبرات المحلية في تعزيز فعالية الاستجابة الأمنية.
ويؤكد الدكتور إبراهيم مطر أن "التحدي الحقيقي يكمن في بناء مقاربات شاملة، تجمع بين التنمية والأمن والعدالة الاجتماعية، بما يمكن من خلق بيئة أكثر استقرارا ويحد من استغلال الجماعات الإرهابية للفراغات السياسية والاجتماعية". ويعكس هذا الطرح حقيقة أن مواجهة التهديدات المعقدة في الساحل تتطلب تنسيقا وثيقا بين الدول الإقليمية والدولية، مع دعم مؤسسات الحكم الرشيد وتمكين المجتمع المدني، وتطوير أدوات المراقبة وجمع المعلومات الحيوية على المستويين الوطني والإقليمي، بما يضمن قدرة الدول على حماية مواطنيها ومواجهة العوامل الهيكلية المغذية للإرهاب ضمن مقاربات طويلة المدى.
استراتيجية الجزائر في الساحل.. من الوساطة إلى بناء القدرات
تتقدم الجزائر في منطقة الساحل بمقاربة أمنية ودبلوماسية متكاملة تقوم على ثلاث ركائز: الوساطة السياسية، مكافحة الإرهاب، وتعزيز القدرات الإفريقية. ويعود هذا التوجه إلى إدراك عميق لدى صانع القرار الجزائري بحساسية الجغرافيا الإقليمية وأثرها المباشر على الأمن القومي، ما يجعل من الساحل امتدادا استراتيجيا لا يمكن فصله عن الاستقرار الداخلي.
وفي هذا السياق، يشير الدكتور حسن شيخ، المتخصص في العلاقات الدولية والاستراتيجية من جامعة ملايو الماليزية وأستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية والاستراتيجية بمقديشو، إلى أن "الجزائر تمتلك رؤية استراتيجية طويلة المدى تدمج بين الأبعاد الأمنية والتنموية والسياسية في معالجة الأزمات الإقليمية، حيث تدرك أن أي خلل في منطقة الساحل يؤثر بشكل مباشر على الأمن الداخلي للبلاد وعلى استقرار المحيط الإفريقي بأسره". وتقوم هذه الرؤية على فلسفة تمزج بين البعد الأمني وحماية الإنسان، من خلال آليات تشمل الوساطة، والدعم الإنساني، وتعزيز التعاون بين الدول الإفريقية، مع احترام سيادتها ورفض التدخل في شؤونها.
وقد أثبتت التجربة الجزائرية فعالية هذا النهج، خاصة في القضايا المرتبطة بالحركات التارڤية في مالي والنيجر، حيث لعبت الجزائر دور الوسيط الرئيس في التفاوض وصياغة حلول توافقية بعيدة عن العسكرة. ويعزز هذا ما يؤكده الدكتور حسن شيخ علي نور: "التجربة الجزائرية في الوساطة بالمنطقة تؤكد أن الدبلوماسية الناجحة لا تقتصر على فرض الحلول بل على القدرة على استيعاب جميع الأطراف، والاستناد إلى الحوار كأساس لتحقيق السلام والاستقرار، وهو ما يميز المقاربة الجزائرية عن السياسات التقليدية المبنية على القوة وحدها".
وتستند المقاربة الأمنية الجزائرية إلى مزيج من الآليات السياسية والدبلوماسية والتقنية، تسعى من خلالها إلى تعزيز التعاون بين دول الساحل، مع تنسيق مدروس مع المجتمع الدولي لضمان حلول مستدامة للصراعات. وترتكز هذه السياسة على رفض أي تدخل خارجي من شأنه الإضرار بالاستقرار أو المساس بسيادة الدول. وفي هذا الإطار، يشدد الدكتور حسن شيخ علي نور على أن "الجزائر تعتبر أن أي تدخل أجنبي في منطقة الساحل يمثل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي ويقوض الجهود المبذولة لتعزيز الحلول الإفريقية للأزمات".
وتبرز من بين الإجراءات العملية التي تعكس هذا النهج: تجريم دفع الفدية للجماعات الإرهابية، إنشاء المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب، وتنظيم مؤتمرات دولية حول الأمن والاستقرار، وهي خطوات تترجم التزام الجزائر بالدبلوماسية الإنسانية وبحماية المدنيين وتعزيز العدالة الدولية ضمن رؤية قارية مشتركة.
تولي الجزائر أهمية كبيرة للبعد الاقتصادي والاجتماعي باعتباره ركنا أساسيا في مكافحة الإرهاب وصناعة الأمن المستدام في الساحل، إذ تشير معظم الدراسات إلى أن الفقر وضعف التنمية البشرية من أبرز العوامل المنتجة للتطرف والعنف البنيوي. وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور حسن شيخ علي نور أن "التنمية المستدامة ليست رفاهية بل أداة أمنية حيوية، فالأمن لا يتحقق إلا إذا تم تلبية احتياجات السكان الأساسية وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية، وهو ما يجعل التنمية جزءا لا يتجزأ من استراتيجيات مكافحة الإرهاب". وتقوم المقاربة الجزائرية على دمج الأمن بالتنمية، عبر تقوية مؤسسات الدولة، وترسيخ الحكم الرشيد، واحترام الحقوق الأساسية، بما يسمح بتوفير بيئة أكثر أمنا واستقرارا للسكان ويعزز فعالية مقاربة الأمن الإنساني.
وقد تجسد هذا التوجه في مشاركة الجزائر في القمم الدولية، على غرار قمة الإليزيه حول السلم والأمن في إفريقيا ومؤتمر المانحين لتنمية مالي، حيث شددت على تكامل الأمن والتنمية والديمقراطية في أي رؤية تهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد في الساحل. ويعكس هذا التوجه تبني الجزائر لفلسفة الأمن الموسع التي تتجاوز الحلول العسكرية نحو معالجة جذور الأزمات.
وفي السياق نفسه، تعطي المقاربة الجزائرية أولوية لتعزيز القدرات الإفريقية عبر توسيع التعاون الإقليمي بين دول الساحل، وتوفير آليات مشتركة للتعامل مع التهديدات المعقدة. ويضيف الدكتور حسن شيخ علي نور أن "تعزيز القدرات الإفريقية جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الجزائرية، فالنجاح في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة يعتمد على بناء قدرات محلية وإقليمية قادرة على التصدي للتحديات الأمنية دون الحاجة إلى الاعتماد على قوى خارجية، وهو ما يعكس النضج الاستراتيجي للدبلوماسية الجزائرية". وتشمل هذه الاستراتيجية تطوير التنسيق الأمني وتحليل المعلومات الحيوية، دعم خطط التنمية المستدامة، وإدماج الجماعات المحلية - وفي مقدمتها التوارڤ - في مسارات التنمية والمشاركة السياسية، مع توفير الدعم اللازم للمبادرات المحلية بما يضمن استقرارا وطنيا وجهويا.
وتبرز الدبلوماسية الأمنية الجزائرية في الساحل كنموذج متكامل يجمع بين الوساطة السياسية، العمل الإنساني، مكافحة الإرهاب، وتعزيز القدرات الإفريقية عبر التعاون والتنمية. ويخلص الدكتور حسن شيخ علي نور إلى أن "المقاربة الجزائرية تؤكد أن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، بل من خلال مزيج من الوساطة السياسية، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبناء القدرات المحلية والإقليمية، وهو ما يجعل الجزائر نموذجا رائدا في تبني استراتيجيات شاملة لإدارة الأزمات الأمنية في إفريقيا".
ماذا عن استراتيجية الردع الجماعي في إفريقيا؟
يشكل التعاون الإقليمي وبناء آليات الردع الجماعي إحدى الركائز الجوهرية في رؤية الجزائر لتعزيز الاستقرار في القارة الإفريقية. فمنذ تأسيس الاتحاد الإفريقي، أدركت الجزائر أهمية دعم المنظمة القارية في مجالات السلم والأمن، الحوكمة، التكامل، والتمثيل الدولي، باعتبارها عناصر مترابطة ضمن استراتيجية شاملة تدمج البعد الأمني بالسياسي والاقتصادي والتنموي.
ويؤكد الباحث جاسم محمد، رئيس المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب وتحليل المعلومات الأمنية، أن "الجزائر بصفتها دولة مؤسِسة للاتحاد الإفريقي، أدركت منذ البداية أن تعزيز قدرات المنظمة القارية يرتبط مباشرة بقدرتها على إدارة الأزمات وحماية الأمن القومي للدول الأعضاء، وأن المشاركة الجزائرية في تقديم التقارير الوطنية المرحلية وإرساء أجندة 2063 ليست مجرد شكل شكلي، بل تعبير عن التزام عميق بمبادئ الاستقرار والسلام والتنمية المستدامة".
وقد ساهمت الجزائر بفعالية في صياغة وتنفيذ أجندة 2063، عبر ثلاثة تقارير وطنية أبرزت تحقيق 75% من الأهداف وفق التقرير الثالث الصادر في نوفمبر 2023، ما يعكس قدرتها على ترجمة الالتزام السياسي إلى ممارسات عملية ودعم ملموس للجهود القارية.
وفي مجال السلم والأمن، تولي الجزائر اهتماما خاصا بتفعيل الهيكل الإفريقي للسلام والأمن (APSA) الذي يشمل مجلس السلم والأمن، القوة الإفريقية الجاهزة، لجنة الحكماء، نظام الإنذار المبكر، وصندوق السلام، بهدف منع النزاعات وإدارتها وتسويتها قبل تفاقمها. ويشير جاسم محمد إلى أن "الجزائر من خلال استضافتها لمركز الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب وآلية التعاون الشرطي أفريبول، استطاعت أن تخلق منصة إقليمية لتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، وهو ما يجعل من القارة الإفريقية بيئة أكثر قدرة على الاستجابة السريعة للأزمات دون اللجوء إلى تدخل خارجي يخل بالسيادة الوطنية".
كما أدت الجزائر دورا مركزيا في تطوير القوة الإفريقية الجاهزة عبر القدرات الإقليمية لشمال إفريقيا (NARC)، التي حققت جاهزية كاملة وفق إعلان المفوضية الإفريقية، ما يعكس مستوى التطور والاحترافية التي اكتسبتها الجزائر من خلال خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب وإدارة الأزمات.
يكتسب التكامل الإقليمي موقعا محوريا في المقاربة الجزائرية، إذ تنظر الجزائر إلى مشاريع البنية التحتية القارية بوصفها أدوات استراتيجية لتعزيز الوحدة الاقتصادية والسياسية في إفريقيا. وفي هذا الإطار، يشير جاسم محمد إلى أن "الجزائر منذ استقلالها لم تتوقف عن تبني مشاريع هيكلية تعزز التكامل القاري، سواء كان ذلك في إطار الطرق العابرة للصحراء، أو خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، أو مشاريع الألياف البصرية التي ربطت عدة دول إفريقية، وكل هذه المشاريع تندرج ضمن أهداف النيباد لتحقيق التنمية المستدامة وربط الدول الإفريقية ببعضها البعض بما يعزز قدراتها الاقتصادية والسياسية".
وتحتل مشاركة الجزائر في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية موقعا متقدما ضمن أولويات التكامل، حيث لعبت دورا ناشطا في المفاوضات التي أسست لهذا الإطار، بما يسمح بتعزيز التبادل التجاري وتوسيع الاعتماد المتبادل بين الدول الإفريقية، في رؤية تعكس إدراك الجزائر للعلاقة العضوية بين التكامل الاقتصادي والاستقرار السياسي والأمني.
وعلى مستوى الحوكمة، تمنح الجزائر أهمية خاصة لتكريس مبادئ الحكم الرشيد وحقوق الإنسان في إطار الاتحاد الإفريقي، انسجاما مع روح المادتين 2 و3 من القانون التأسيسي للاتحاد، وبما يتماشى مع ركائز أجندة 2063 الداعية إلى بناء إفريقيا ديمقراطية تحترم العدالة وحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، يوضح جاسم محمد أن "الجزائر كانت من بين الدول الرائدة في اعتماد الإعلان عن التغييرات غير الدستورية للحكومات في إفريقيا عام 1999، والذي أصبح لاحقا قاعدة لاعتماد الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، كما ساهمت في تأسيس الآلية الإفريقية لاستعراض الأقران لتعزيز التقييم الذاتي للأداء في مجال الحكم الرشيد، ما يظهر التزام الجزائر العميق بتقوية مؤسسات القارة لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار السياسي".
أما في مجال التمثيل الدولي، فترى الجزائر أن الاتحاد الإفريقي هو الإطار الأنجع لتوحيد الموقف الإفريقي في مواجهة القضايا العالمية الكبرى، سواء تعلق الأمر بالتنمية المستدامة أو المناخ أو نزع السلاح أو إصلاح منظومة الأمم المتحدة. ويضيف جاسم محمد أن "المقاربة الجزائرية في التمثيل الدولي تبرز كقدرة على استخدام الاتحاد الإفريقي كمنصة لمواجهة التحديات العالمية من منظور إفريقي مشترك، ما يزيد من مصداقية الدول الأعضاء ويعزز قدرتها على فرض إرادتها في القضايا الدولية".
وبذلك يتضح أن جهود الجزائر في مجالات التعاون الإقليمي وبناء آليات الردع الجماعي - ضمن أطر الاتحاد الإفريقي، النيباد، والسلم والأمن - لا تندرج في سياق إدارة الأزمات فحسب، بل تشكل استراتيجية متكاملة تربط بين الأمن والحوكمة والتنمية والتكامل الاقتصادي. ويعكس هذا النهج تراكم خبرة سياسية وتاريخية مكن الجزائر من بلورة نموذج قيادي داخل القارة، قائم على التنسيق الجماعي ودعم مؤسسات الاتحاد الإفريقي، بما يعزز فرص تحقيق السلم والاستقرار والتنمية المستدامة في إفريقيا.
السلم من خلال الاقتصاد.. رؤية شاملة
تنظر الجزائر إلى الاقتصاد والتنمية باعتبارهما حجر الأساس في بناء سلم قاري دائم، إذ تؤمن بأن الاستقرار السياسي والأمني لا يمكن فصله عن الشروط المادية والاجتماعية التي تحكم حياة السكان. ومن هذا المنطلق، يصبح ربط البعدين الاقتصادي والأمني ركيزة استراتيجية في سياسة الجزائر الإفريقية.
وفي هذا السياق، تركز الجزائر على الاستثمار في البنية التحتية الكبرى والمشاريع المشتركة العابرة للحدود، بوصفها أدوات فعالة لتعزيز التكامل الاقتصادي وتخفيف مصادر التوتر. ويوضح أشرف عكة أن "الجزائر تنظر إلى التنمية الاقتصادية بوصفها لبنة أساسية لتحقيق السلم والاستقرار، وأن مشاريع البنية التحتية الكبرى ليست مجرد رموز للربط بين الدول، بل أدوات عملية لتحسين مستوى حياة السكان وتعزيز قدرات القارة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية".
وبالتوازي مع ذلك، تعمل الجزائر على تطوير الاقتصاد الرقمي لتموقعها كمركز إقليمي في التكنولوجيا والابتكار، بما يسمح بدمج اقتصادها ضمن سلاسل القيمة الإفريقية والدولية. ويشير أشرف عكة إلى أن "الاقتصاد الرقمي يمكن أن يكون محفزا رئيسيا لإشراك الشباب في العملية التنموية وإطلاق قدراتهم الإبداعية، ما يعزز من فرص تحقيق التكامل الاقتصادي للقارة ويتيح حلولا مبتكرة للتحديات المحلية والإقليمية". ومن هذا المنظور، يصبح تطوير البنية التكنولوجية جزءا من رؤية شاملة لربط الاقتصادات الإفريقية وتحويل التكنولوجيا إلى محرك للتنمية والاستقرار.
كما يمثل تعزيز التكامل الاقتصادي ركنا أساسيا آخر في الرؤية الجزائرية، إذ تعمل الجزائر على نقل التكامل من مستوى التصورات النظرية إلى مشاريع ملموسة، تشمل الطرق العابرة للصحراء، خطوط الغاز، شبكات الألياف البصرية، وخطوط النقل متعددة الوسائط. ويرى أشرف عكة أن "التكامل الاقتصادي ليس هدفا تجميليا، بل أداة استراتيجية لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي من خلال تعزيز الاعتماد المتبادل وتقوية قدرة الدول على مواجهة الأزمات بشكل جماعي". وتسعى الجزائر في هذا الإطار إلى تسريع تنفيذ المشاريع ذات الأولوية ومتابعة تقدمها ضمن آليات مشتركة بين الاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء.
وتولي الجزائر كذلك أهمية كبيرة لإرساء آليات متابعة وتقييم تضمن الشفافية وتحول البرامج الاقتصادية إلى نتائج ملموسة، إدراكا منها بأن نجاح المشاريع يعتمد على المتابعة الدورية والقدرة على تصحيح المسارات. ويؤكد أشرف عكة أن "آليات المتابعة ليست مجرد إطار شكلي، بل تشكل أداة حيوية لضمان استدامة المشاريع وتحقيق أثر إيجابي ملموس في حياة الشعوب، بما يعكس التزام الجزائر بتحويل السياسات إلى واقع ملموس على الأرض".
في المقابل، تجعل الجزائر من إشراك الشباب ركنا مركزيا في رؤيتها الرامية إلى ترسيخ السلم والتنمية المستدامة، إدراكا منها لكونهم القوة الأكثر قدرة على الابتكار وإحداث التحول. ومن هذا المنطلق، تعمل على توفير منصات وبرامج تعزز حضور الشباب في المبادرات الاقتصادية والاجتماعية، وتُمكنهم من اكتساب مهارات قيادية تتيح لهم المساهمة في صناعة الحلول المحلية والإقليمية. ويؤكد أشرف عكة أن "الشباب يشكل قلب التنمية القارية، وأي استراتيجية تستثنيهم ستفقد جزءا كبيرا من فعاليتها في تحقيق السلم القاري".
وإلى جانب الاهتمام بالعنصر البشري، تراهن الجزائر على تنويع الشراكات كمدخل أساسي لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، إذ توسع تعاونها مع المنظمات غير الحكومية، والمجالس المحلية، والفاعلين الإقليميين والدوليين، لضمان بلورة حلول متوائمة مع السياقات المحلية وتستجيب لحاجات المجتمعات بشكل عملي. ويضيف أشرف عكة أن "تنويع الشراكات يضمن أن تكون المشاريع شاملة وقادرة على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع تعزيز روح التعاون بين مختلف الأطراف بما يحقق الأثر الإيجابي الأوسع".
وانطلاقا من هذه المرتكزات، يتضح أن الرؤية الجزائرية لتحقيق السلم القاري تقوم على ربط الأمن بالتنمية، وعلى اعتبار البعد الاقتصادي رافعة أساسية للاستقرار. ويتجسد ذلك عبر الاستثمار في البنية التحتية، دعم الاقتصاد الرقمي، تعزيز التكامل القاري، إرساء آليات متابعة ومساءلة، تمكين الشباب، وبناء شبكة واسعة من الشراكات. وتقدم هذه المقاربة نموذجا متكاملا لتحقيق السلم والتنمية المستدامة في إفريقيا، وتحويل الأهداف الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة على الأرض.
الجزائر وحصن السلم القاري عبر مكافحة الإرهاب
تُعد الجزائر نموذجا رائدا في مجال مكافحة الإرهاب بفضل الجمع بين الرصد الأمني الدقيق والمقاربة الشاملة، وهي صيغة سمحت لها ليس فقط باجتثاث الجماعات الإرهابية من أراضيها، بل أيضا بتحويل التهديدات إلى فرص لتعزيز أمنها الوطني والإقليمي. ويرى مجاهد الصميد، خبير الأمن وتحليل المخاطر في لندن، أن "النجاح الجزائري في محاربة الإرهاب لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج استراتيجية طويلة المدى تقوم على جمع المعلومات الأمنية وتحليلها، وربطها بالقدرات العملياتية، مع اعتماد نظام مرن يسمح بالتكيف مع كل أشكال التهديدات".
ويشير الصميد إلى أن الجزائر طورت منظومة متقدمة للرصد والتحليل الأمني تقوم على تكامل الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، ما سمح بتعقب الشبكات الإرهابية في مراحل مبكرة وتفكيك هياكلها التنظيمية بدقة. ويستند هذا التفوق إلى تنسيق محكم بين مؤسسات مثل المديرية العامة للأمن الوطني، المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وزارة الدفاع الوطني، والوحدات المختصة في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى نظام إنذار مبكر يربط بين المعلومات المحلية والإقليمية والدولية. ويضيف أن "القدرة على التنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها هي جوهر النجاح الجزائري".
وقد أفرز هذا التكامل الأمني نتائج ملموسة، أبرزها تفكيك شبكات إرهابية معقدة، إحباط عمليات خطيرة، ومصادرة أسلحة وذخائر كانت تشكل تهديدا مباشرا للأمن الوطني والإقليمي. ويؤكد الصميد أن الجزائر وسعت خبرتها إلى دول الساحل الإفريقي عبر آليات التنسيق وتحليل المخاطر، لاسيما من خلال المساهمة في إنشاء وإدارة آلية مكافحة الإرهاب واستضافة مركز الاتحاد الإفريقي المختص، ما أتاح تبادل المعلومات والتخطيط المشترك ضد الشبكات العابرة للحدود.
كما تضطلع الجزائر بدور مهم في تدريب وتأهيل الكوادر الأمنية في إفريقيا، ما أسهم في بناء قدرات محلية مستقلة وتعزيز تبادل الخبرات بين مختلف الأجهزة. ويبرز الصميد أن "الجزائر قدمت نموذجا يُحتذى في بناء القدرات الوطنية والإقليمية من خلال التدريب، تبادل المعلومات، وتطوير استراتيجيات مشتركة لمواجهة التهديدات المتنوعة"، مشيرا إلى أن المقاربة الجزائرية تشمل أيضا دراسة البيئة الاجتماعية والسياسية التي تنشأ فيها الجماعات الإرهابية لمعالجة جذور الظاهرة.
وتعتمد الجزائر على نهج متعدد المستويات يجمع بين الرصد الميداني، التحليل الاستراتيجي، والتعاون الدولي، ويتضمن تبادل معلومات نشطا مع شركاء مثل الأمم المتحدة والإنتربول وهيئات أمنية أوروبية. ويخلص الصميد إلى أن "التنسيق الدولي والإقليمي هو الضمانة الأساسية لنجاح أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب، والجزائر تمثل مثالا حيا على كيفية توظيف نظم الرصد والتحليل كأداة للتنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يحقق الأمن الوطني والإقليمي معا".
بناء على ما تقدم، يمكن القول إن الجزائر نجحت في اجتثاث الإرهاب عبر منظومة متكاملة ترتكز على التنسيق الداخلي، دعم القدرات الإقليمية، الاستثمار في التحليل الاستباقي، وتطوير قنوات التعاون الدولي. هذا النموذج سمح لها بالحفاظ على أمنها القومي وبدعم الاستقرار في مناطق حساسة من القارة الإفريقية. ويؤكد مجاهد الصميد أن "التجربة الجزائرية تثبت أن الاستثمار في الرصد والتحليل الأمني، وربطه بالعمليات والمبادرات التنموية والاجتماعية، يمثل السبيل الأنجع لمكافحة الإرهاب بشكل مستدام وتحويل التحديات الأمنية إلى فرص لتعزيز السلم والاستقرار".

