الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الفضاء الرقمي وصناعة الصورة السياحية.. نحو استراتيجية مستدامة لتثمين التراث الصحراوي الجزائري

Author
هارون عمري 28 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تكتسي الصحراء الجزائرية أبعاداً حضارية واقتصادية بالغة الأهمية في عمق الرؤية التنموية الجديدة للبلاد، حيث لم يعد ينظر إلى هذا الفضاء الجغرافي الشاسع باعتباره مجرد خزان احتياطي للثروات الباطنية، وإنما كونه بيئة ثقافية وتراثية حية ومتكاملة قادرة على قيادة قاطرة السياحة البديلة والمستدامة، وفي ظل الطفرة التكنولوجية والاتصالية المتسارعة التي مست كافة مناحي الحياة المعاصرة، أصبحت عملية الانتقال بالترويج السياحي من الأطر الكلاسيكية المحدودة إلى آفاق الفضاء الرقمي الفسيح ضرورة حتمية لضمان ريادة “وجهة الجزائر” وفرض خصوصيتها الإقليمية والدولية في سوق السياحة العالمية المعاصرة.

يأتي التحول الرقمي ليفرض أدوات ومنهجيات جديدة في هندسة الصورة الذهنية للمقاصد السياحية، حيث باتت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي الموجه الأساسي والمحرك الأول لخيارات المسافرين وصناع القرار السياحي عبر العالم.

إن هذا التحدي التكنولوجي يستدعي بناء جسور متينة وتكاملية بين البحث الأكاديمي الاستشرافي والممارسة الميدانية والتجارية، وهو ما يفسر التوجه المتزايد للجامعات الجزائرية نحو معالجة القضايا الاقتصادية الراهنة وتفكيك آليات الرقمنة لخدمة قطاع السياحة والتراث الوطني، والبحث عن صياغة حلول علمية قابلة للتطبيق الفوري.

 

أبعاد الرصيد الحضاري للجنوب وتحويل التراث إلى مورد اقتصادي

يمثل التراث الصحراوي الجزائري، بشقيه المادي واللامادي، ثروة حضارية استثنائية وعميقة تتداخل فيها الهندسة المعمارية الطينية الفريدة للقصور التاريخية الضاربة في أعماق الزمن، والرسومات والنقوش الصخرية العجيبة في حظيرتي التاسيلي والأهڤار، إلى جانب العادات والتقاليد والأنماط الموسيقية والطقوس الشفهية الشعبية المتوارثة عبر الأجيال.

إن هذا المزيج النادر والفريد يمنح الجنوب الجزائري ميزة تنافسية مطلقة في سوق السياحة الدولية، ما يفرض على الهيئات المعنية الانتقال السريع من منطق الحماية والمحافظة السلبية الجامدة على التراث إلى منطق الاستثمار والتثمين الإيجابي الفعال الذي يجعل من التاريخ مادة حية ومحركاً حقيقياً للتنمية الاقتصادية المباشرة.

ويسمح هذا المنظور الاقتصادي الحديث للتراث بتحويل الخصوصيات الثقافية المحلية إلى منتجات سياحية ذات قيمة مضافة عالية تساهم مباشرة في خلق مناصب الشغل وتحريك العجلة التجارية والخدماتية في الواحات والمناطق المعزولة.

 

إن إدماج السكان المحليين وجعلهم شريكاً أساسياً في عوائد هذا الاستثمار يحمي الهوية الوطنية من الزوال والاندثار، ويضمن في الوقت ذاته توفير موارد مالية مستقلة ومتجددة تدعم جهود صيانة المعالم الأثرية وتطوير البنية التحتية والاستقبالية للبلدات الصحراوية، تماشياً مع استراتيجيات الدولة الرامية لتحقيق التنمية المحلية المستدامة والمتوازنة.

في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الخبير في السياحة الصحراوية، محمد صلاح، أن المشاركة في الطبعة الخامسة والعشرين للصالون الدولي للسياحة والأسفار شكلت فرصة مهمة للترويج للوجهة الصحراوية الجزائرية، من خلال عرض برامج ومنتجات سياحية متنوعة استعداداً لموسم السياحة الصحراوية الذي ينطلق سنوياً مع بداية شهر أكتوبر.

وأوضح أن نجاح الموسم السياحي الصحراوي يرتبط بشكل كبير بتعزيز النقل الجوي، باعتباره أحد أهم العوامل الداعمة لتسويق المنتوج السياحي الصحراوي وتسهيل تنقل السياح نحو مختلف الوجهات الجنوبية.

وأشار إلى أن الصالون أتاح فرصة لعقد لقاءات مع مختلف الفاعلين في القطاع، من بينها لقاء مع وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، حورية مداحي، تم خلاله التطرق إلى خارطة الطريق الخاصة بتطوير السياحة الصحراوية وتعزيز جاذبية الجنوب الجزائري.

وأضاف أن هذه الرؤية تهدف إلى استقطاب نحو مليون وخمسمائة ألف سائح باتجاه الولايات الجنوبية في آفاق سنة 2029، من خلال تحسين العرض السياحي، وتطوير الخدمات، وتعزيز آليات الترويج والتسويق للمنتوج الصحراوي الجزائري.

المقاربة الأكاديمية والاتصالية في فكر الأستاذ الدكتور بودربالة عبد القادر

في إطار السعي الأكاديمي الحثيث لضبط المقاربات العلمية الكفيلة برسم خارطة طريق واضحة لمعالم هذا التحول التكنولوجي وتوجيهه لخدمة الاقتصاد الوطني، تبرز المبادرات الجامعية كحواضن حقيقية لصناعة الأفكار وصياغة الحلول الميدانية القابلة للتطبيق.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الأستاذ الدكتور بودربالة عبد القادر، أستاذ بقسم علوم الإعلام والاتصال بجامعة ورڤلة ورئيس الملتقى العلمي الوطني “ترويج التراث الصحراوي الجزائري عبر المنصات الرقمية”، أن تنظيم الملتقى العلمي الوطني الموسوم بـ”ترويج التراث الصحراوي الجزائري عبر المنصات الرقمية: نحو مقاربة اتصالية مستدامة لتنمية السياحة الصحراوية”، يندرج ضمن مساعي إبراز المقومات الحضارية والثقافية التي تزخر بها الصحراء الجزائرية، وتسليط الضوء على آليات استثمارها في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأوضح أن انعقاد هذا الملتقى يأتي استجابة للتغيرات العميقة التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة وتنامي تأثير الفضاء الرقمي في تشكيل الصورة الذهنية للوجهات السياحية وصناعة القرار السياحي، مشيراً إلى أن امتلاك رصيد تراثي مادي ولامادي غني لم يعد كافياً بمفرده ما لم يُدعّم باستراتيجيات رقمية فعالة تضمن حضوره وانتشاره على المستوى الدولي.

وأضاف أن الإشكالية المحورية للملتقى تتمثل في البحث عن السبل الكفيلة بصياغة مقاربة اتصالية مستدامة عبر المنصات الرقمية، تسمح بترقية السياحة الصحراوية وتحويل التراث إلى مورد اقتصادي حقيقي يسهم في دعم التنمية المحلية وخلق فرص جديدة للتثمين والاستثمار.

الرؤية الاستراتيجية لأشغال ملتقى جامعة ورڤلة وأهدافه المحورية

تتجاوز التظاهرات العلمية والملتقيات الجامعية الجادة حدود الطرح النظري والأكاديمي البحت، لتلامس الواقع التطبيقي والتحديات الميدانية التي تواجه المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين في قطاع السياحة والصناعات التقليدية.

وحول هذه الجوانب التطبيقية والأهداف المرجوة من هذا الحدث، أشار الأستاذ الدكتور بودربالة عبد القادر، في سياق حديثه لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الملتقى يهدف إلى إبراز القيمة الاقتصادية للتراث الصحراوي، وتحليل واقع تسويقه عبر الوسائط الرقمية، واقتراح آليات واستراتيجيات عملية لتعزيز حضوره دولياً، إلى جانب تشجيع الشراكات العلمية والمهنية بين الباحثين والفاعلين في قطاعي السياحة والتراث.

وأكد في ذات السياق أن أشغال الملتقى ستتناول أربعة محاور أساسية مترابطة تشمل التراث الصحراوي باعتباره رافداً للتنمية المحلية، والاتصال الرقمي وصناعة الصورة السياحية، واستراتيجيات التسويق والعلامة السياحية الصحراوية، إضافة إلى التحديات التقنية وأخلاقيات الممارسة الرقمية.

وتمنح هذه المحاور الشاملة والمدروسة بدقة للباحثين والمشاركين فرصة حقيقية لتفكيك البيئة الرقمية الحالية، ومعرفة مدى استجابة المنشورات والمحتويات السياحية الوطنية للمعايير الخوارزمية والتسويقية العالمية، وتحديد النقائص التي تحول دون الوصول إلى المستهلك السياحي الأجنبي بشكل فعال.

صناعة “العلامة السياحية الصحراوية” عبر المنصات الرقمية الذكية

تعد صناعة “العلامة السياحية الموحدة” أو ما يعرف بـ (Destination Branding) في أدبيات التسويق الحديث، من أعقد العمليات الاتصالية، حيث تتطلب صياغة هوية بصرية ورقمية مميزة وموحدة تختزل السحر والعمق التاريخي الفريد للجنوب الجزائري الكبير.

إن المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية توفر اليوم أدوات فائقة الدقة والفعالية لاستهداف السائح النوعي المهتم بسياحة الاستكشاف والمغامرة والأنثروبولوجيا، ما يفرض على الفاعلين الاقتصاديين والوكالات السياحية تصميم محتويات تفاعلية احترافية تعتمد على تقنيات الفيديو عالي الدقة، والواقع المعزز، والجولات الافتراضية ثلاثية الأبعاد لجذب الانتباه الدولي وإبراز المسارات السياحية النادرة التي تزخر بها واحاتنا وقصورنا.

ويسهم هذا التموقع الرقمي المدروس والمبني على أسس علمية في كسر مسألة موسمية السياحة الصحراوية المرتبطة بفصل الشتاء فقط، وجعل التراث المادي واللامادي حاضراً وحياً في المخيال الجمعي للمسافرين طوال أيام السنة، من خلال التدفق المستمر والذكي للمعلومات والصور ومقاطع الفيديو الترويجية.

إن صياغة رسائل اتصالية مرنة تتوافق مع سيكولوجية الزائر الأجنبي وتراعي اهتماماته الفكرية والترفيهية، تسهم مباشرة في رفع كفاءة ومردودية الحملات الترويجية، وتجعل من المحتوى الرقمي قوة ناعمة واقتصادية حقيقية تخدم التوجهات الاستراتيجية للدولة، وتعزز مكانة الجزائر كوجهة سياحية رائدة لا غنى عنها.

 

أخلاقيات الممارسة الرقمية والتحديات التقنية في البيئة السيبرانية

إن الانفتاح التام وغير المدروس على الفضاء الرقمي والوسائط التكنولوجية يحمل في طياته الكثير من التحديات التقنية والأخلاقية المعقدة، التي تستوجب التنظيم والرقابة الأكاديمية والمهنية لضمان سلامة وصحة المعلومات التاريخية والمتداولة.

ويواجه الترويج السياحي الرقمي في الوقت الحالي مخاطر السقوط في العشوائية، أو السطو على المحتوى، أو تحريف الحقائق التاريخية والأنثروبولوجية المرتبطة بالمعالم والأصول الثقافية للبلاد، ما يفرض ضرورة إيجاد ميثاق أخلاقي مرن يلتزم به صنّاع المحتوى والناشطون الرقميون، لتقديم مادة ترويجية تجمع بين الجاذبية البصرية المبهرة والأمانة العلمية والتاريخية الصارمة.

وتتطلب مجابهة التحديات التقنية المتسارعة الاستثمار الجاد في تطوير المهارات الرقمية للعاملين في قطاع السياحة والثقافة، والتعاون الوثيق مع المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الضخمة لحماية المنصات الترويجية الوطنية من الهجمات الإلكترونية أو محاولات التشويه المنظم.

إن الممارسة الرقمية المسؤولة والآمنة تضمن بناء علاقة ثقة مستدامة وطويلة المدى مع السائح والمستثمر الأجنبي، وتساهم بشكل فعال في حماية الملكية الفكرية والتاريخية للتراث الثقافي الجزائري من محاولات السطو أو التزييف الإقليمي والدولي، ما يجعل من التكنولوجيا درعاً حامياً للهوية الوطنية قبل أن تكون وسيلة للتسويق التجاري.

تكامل الأدوار والجهود الجماعية لصناعة مستقبل السياحة الصحراوية

يتوقف النجاح الفعلي والتطبيقي للمخرجات العلمية والتوصيات الأكاديمية، التي تصدرها مخابر البحث، على مدى استعداد الشركاء الاجتماعيين والفاعلين الميدانيين لتبنيها وتجسيدها على أرض الواقع التجاري والفندقي.

ومن هذا المنطلق التكاملي الشامل، اختتم رئيس الملتقى العلمي الوطني، الأستاذ الدكتور بودربالة عبد القادر، تصريحه لـ”الأيام نيوز”، بتوجيه دعوة مفتوحة وجادة إلى الأساتذة والباحثين وصنّاع المحتوى الرقمي والمهتمين بالتراث والسياحة الصحراوية للمشاركة في هذا الموعد العلمي المقرر يوم 19 أكتوبر 2026 بجامعة ورڤلة، والمساهمة بأبحاثهم ودراساتهم لإثراء النقاش العلمي حول مستقبل السياحة الصحراوية الجزائرية في البيئة الرقمية وتحديد معالمها المستقبلية.

وتترجم هذه الدعوة الشاملة الإيمان العميق والمشترك بضرورة تضافر جهود الأسرة الجامعية والباحثين المتخصصين مع صناع المحتوى والمؤثرين الرقميين والمروجين الميدانيين الذين يملكون مفاتيح الوصول المباشر واليومي للجمهور، إلى جانب المهنيين من أصحاب الوكالات السياحية والفنادق والقرى السياحية بالجنوب.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"