الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

الفنون وتخريب المجتمعات.. هل كان الشعر سببًا في سقوط الأندلس؟ (الجزء الأول)

X Facebook TikTok Instagram

الآداب والفنون من أكبر البوابّات التي يتسلّل منهما “الشيطان” إلى فكر ووجدان المجتمع، فيعيث فيهما فسادا وإفسادًا، ويزرع فيهما الأفكار الهدّامة وبذور الانحلال والتفسّخ، فيضطرب المُجتمع وتشيع فيه مظاهر الاضطراب والفوضى وانكماش القيم والأخلاق.. وفي عصرٍ هيمنَت عليه شعارات “الحرية” في التفكير والتعبير، وأُلغِيَت فيه الحدود الفاصلة بين ثقافات الشعوب، ويجري فيه العمل للقضاء على خصوصية الأوطان، فإن الآداب والفنون تصير من أخطر أدوات الاستعمار الجديد الذي يختفّى وراء دعوات إنسانيّة خادعةٍ ومخادعة!

يُفترض أن الآداب والفنون أدواتٌ لفهم الحياة والاستمتاع بما فيها من نِعمٍ وخيرات، وتغيير الواقع نحو الأفضل والأسمى.. غير أنها صارت أدواتٍ لزراعة الرّيبة والتشكيك في أصالة المجتمعات وموروثها التاريخي والحضاري. وأخطر ما فيها أنها أدواتٌ تهدمُ في صمتٍ الإنسانَ والأوطان على المدى القريب والمدى البعيد على حدِّ السواء.

ولا يكاد العقل، العربي على الخصوص، يصدّق بأن الآداب والفنون من أخطر الأسلحة الفتّاكة التي يُمكنها أن تُسمّم العقول وتلوّث الوجدان وتدفع بالمجتمع إلى مهاوي التّيه والضّياع.. ومَن في وسعه أن يتخيّل بأنّ قصيدةً أو أغنيةً أو فيلمًا أو حتى رسوما على جدارٍ يُمكنها أن تدمّر مُجتمعًا له تاريخه وجذوره وأصالته؟ ومَن في وسعه أن يُسلِّم بأن للآداب والفنون سلطتهما وسلطانهما على عالم الأفكار والعواطف، ويُمكنهما نشر الانحلال والتفسّخ والفوضى الهدّامة؟

في سبعينيات القرن الماضي، تنبّه ملتقى الفكر الإسلامي، الذي كانت تقيمه الجزائر سنويًّا وتستقدم إليه العلماء والمفكّرين من مختلف أصقاع العالم، إلى خطورة الأدب الماجن والغناء المُتهتّك على استقرار الدول وحفاظها على قوّتها في مواجهة أعدائها. ومن بين الموضوعات التي ناقشها موضوع الشعر في الأندلس: هل كان سببًا في انحلال أخلاقها ثم سقوطها؟ أم كان مجرّد مرآة وانعكاس لواقعها؟

قد يقول قائل: إنّ الشعر لا يمتلك تلك القوة العظيمة التي تُخوّل له بأن يكون سببًا في سقوط دولة كبرى مثل الأندلس؟ وهنا يتوجّب معرفة مكانة الشعر في المجتمع الأندلسي، كما يتوجّب اعتبار الشعر رافدًا من روافد الفنّ في ذلك العصر.. الفنّ العفن الذي كان مِعولاً لهدم الحصانة الدينيّة، وفتح المنافذ التي تسلّل منها “الشيطان” إلى فكر ووجدان الإنسان الأندلسي فنشر فيهما التفسّخ والتهتّك وكل العناصر السلبية التي أضعفت الهِمم وقيم العزم والإرادة في مواجهة الأعداء..

والواقع أنه مثلما وُجد مَن أرجع أسباب هزيمة الأندلس وسقوطها إلى حياة اللهو والمجنون، أو لنقُل إلى الآداب والفنون، فهناك مَن أرجع بعض الهزائم العربية في العصر الحديث إلى الفنون، والغناء بشكل خاص، والاستغراق في الوجدانيات والغراميات!

قيل كثيرا بأن الآداب والفنون ترتقي بالذوق العام وتنشر الوعي.. فلو أنّنا قُمنا بتقييم عقدَي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي اللّذين ازدهر فيهما الأدب والفن، لا سيما في مجال الغناء والصناعة السينمائية، فهل يُمكننا أن نرصد مظاهر رُقيّ الذوق وتعمّق الوعي؟ ربّما من المُجدي أن ننتبه إلى حاضرنا اليوم، ونرصد علاقة الأدب والفن ببعض المظاهر والظواهر التي تنتشر في بعض المجتمعات العربية مثل: الإلحاد، المثليّة الجنسية، التشكيك في الدين، التعرّي، شيوع مواد الهلوسة.. لا نزعم بأن للآداب والفنون أدوارا إصلاحية، فهناك من لا يزال يعتنق نظرية “الفن للفن ذاته”، ولا يرى أنّ للفن وظيفة في حياة الإنسان والمُجتمع.. ولا نزعم بأن الآداب والفنون عندما تعتنق مذاهب التحرّر ستكون المعاول التي تهدم الأخلاق والقيم والأعراف المُجتمعية.. في الحقيقة، لن نزعم أيّ شيء، غير أننا ندعو القارئ إلى الإبحار في محاضرة الدكتور “إحسان عبّاس” حول علاقة الشعر بسقوط الأندلس!

انطلق “عباس” من التساؤل: “هل حقيقة أن التوفّر الكلي على الموسيقى ينزع بالنفس إلى اللّيونة، كما يقول أفلاطون؟ هل صحيح أن الشعر الذي يدور حول التبذّل يُفسد الذّوق ويصبح بذلك أداة لإفساد الطبع السليم ومن ثم عاملا تخريبيًّا في بناء الحضارة الرصينة؟ وهل صحيح أن غياب الفن الصحيح المُثري للنفس يجعل الناس – كما يقول تولستوي – مَیّالين إلى أن يزدادوا وحشية وخشونة، وأن يصبحوا أكثر جورا؟”. وتوصّل إلى نتيجة مفادها: “وعلى هذا قد يكون من الصواب ألّا نُحمّل الأدبَ مسؤولية كبرى في النهاية التي انتهت إليها الأندلس، بل أن نرى فيه نشاطا إنسانيا يتضافر مع سائر ضروب النشاط الإنساني من فكرية وتنظيمية واقتصادية وعسكرية ودينية، وإنه مرتبطٌ متلاحمٌ معها، يعكس الواقع ويقدّم العون، ويُصاب بالمدّ أو بالجزر بحسب مدّ تلك النشاطات وانحسارها”. وأضاف قائلا: “هل يتغيّر الأدب بتغيّر المجتمع أو يكون الأدب عاملًا في تغيّر المجتمع؟ هما أمران مستمرّان في التناوب والتفاعل ما دامت الظاهرة الواحدة تصلح أن تكون سببًا ونتيجة في آنٍ معا”.

من المُجدي الإشارة إلى أن اختيارنا لموضوع الدكتور “إحسان عبّاس” من ضمن موضوعات كثيرة طرحها مُفكّرون وباحثون عديدون في ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر لمناقشة قضية تأثير الآداب والفنون في ضعف الأمم وانهزامها وتخلّفها حضاريًّا، وسقوط الأندلس.. فليس لأنّ “عبّاس” (1920 – 2003) كان “شيخ المُحقّقين والنقّاد العرب”، وليس لأنه كان من أبرز الشخصيات في مجال الدراسات العربية والإسلامية في الشرق والغرب خلال القرن العشرين، وليس لأنه ألّف أكثر من مائة كتابٍ لا يستغني عنها الدارسون والباحثون حتى اليوم.. بل كان اختيارنا لأن الدكتور “إحسان عبّاس” فلسطينيٌّ عاش سقوط الأندلس بفكره، وعاش احتلال فلسطين بكل كيانه، وحديثه عن دور الشعر في سقوط الأندلس هو حديثٌ عن “أمّة الكلام” التي ضيّعت فلسطين. وسواء برّأ “عباس” الشعرَ من خطيئة سقوط الأندلس، أو أدانه، فهو قد فتح الجرحَ العربيَّ على قضيةٍ خطيرة لا يتجرّأ الأدباء العرب على مناقشتها بكل تجرّدٍ وموضوعية..

لعل القارئ الكريم يستحضر في ذهنه مقولة “ابك كالنساء مُلكا لم تحافظ عليه كالرجال” التي وبّخت بها الوالدةُ ابنَها “الزغبي” (المشؤوم) – آخر ملوك الأندلس – على ضعفه وجُبنه.. ونهمس في أذن (القارئ) بأن هذه المقولة – في الغالب – هي لحاقدٍ يُدعى “أنطونيو جيفارا” كان يدعو إلى تطهير إسبانيا من المسلمين، ويروّج لفكرة تفوّق العنصر الأوروبي على العنصر العربي.. والواقع أن هذه الفكرة تبنّاها الاستعمار القديم، ولا يزال الاستعمار الحديث يعمل على ترسيخها في فكر ووجدان المجتمعات العربية من خلال الآداب والفنون أحيانا. وفيما يلي، نترك القارئ مع الدكتور “إحسان عباس” وحديثه عن الشعر وسقوط الأندلس..

الموقف الأخلاقي من الفن

منذ “أفلاطون” – وربما قبله – حتى “تولستوي” ومن بعده إلى اليوم، ظل أصحاب الموقف الأخلاقي من المفكّرين والنقاد – إزاء الفن – يوجّهون إلى الفن عامة وإلى الأدب بخاصة تهمة خطيرة، مفادها أنه من خلال تأثيره في النفس الإنسانية قادر، إذا هو خرج عن محوره الطبيعي، أن يفسد الأذواق، ويحطّم القيم، ويكون أداة تخريب في بنية المجتمع الصالح، ومن ثم أن يكون مسؤولا – ضمنيًّا – عن انحطاط الحضارة وانهيارها.

وفي وصف “الزبير بن بكار” للشعر بأنه “يحلّ عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحضّ على الخُلق الجميل”، تصريح بقدرة الشعر على إحداث التأثير الأخلاقي من الناحية الإيجابية؛ وفي قول “معاوية” لـ “عبد الرحمن بن الحكم” (وكان شاعرا): “إياك والتّشبيب بالنساء، فإنّك تعرّ الشريفة في قومها والعفيفة في نفسها؛ والهجاء، فإنك لا تعدو أن تعادي به كريما أو تستثير به لئيما، ولكن افخر بمآثر قومك، وقُل من الأمثال ما تُوقّر به نفسك وتؤدّب به غيرك”. في هذا القول إشارة إلى الدَّورَين اللّذين يستطيع الأدب أن يؤدّيهما سلبا وإيجابا.

حتى الذين أرادوا الفصل بين الأدب والأخلاق منحوا الأدبَ قدرة فذّة من حيث تأثيره في النفس الإنسانية، فذهب “أرسطو طاليس” إلى أن المأساة والملهاة ينقّيان النفس عن طريق التطهير وبذلك يعملان بعمق في تكييف الذات وتوجيهها. ومع التقدم الذي أحرزته الدراسات النفسية في العصر الحديث، لا نزال بحاجة إلى اختبارات دقيقة حول حقيقة تأثير الفن في نفس الإنسان، ومدى ذلك التأثير في سلوكه وتصرفاته، إذ لا يزال جانب كبير من العلاقة بين الفن من حيث هو مؤثر، وبين النفس الإنسانية من حيث هي متأثرة، خاضعا لقواعد تربوية عامة مُستمدَّة في أغلب الأحيان من التصور المحض أكثر من أن تكون مستمدّة من التجربة.

تساؤلات حول مسؤولية الأدب والفن؟

هل حقيقة أن التوفّر الكلي على الموسيقى ينزع بالنفس إلى اللّيونة، كما يقول “أفلاطون”؟ هل صحيح أن الشعر الذي يدور حول التبذّل يُفسد الذّوق ويصبح بذلك أداة لإفساد الطبع السليم ومن ثم عاملا تخريبيًّا في بناء الحضارة الرصينة؟ وهل صحيح أن غياب الفن الصحيح المُثري للنفس يجعل الناس – كما يقول “تولستوي” – مَیّالين إلى أن يزدادوا وحشية وخشونة، وأن يصبحوا أكثر جورا؟

من دون الوقوف عند هذه الأوليات، يستطيع الدارس أن يتقدّم للحكم على الأدب الأندلسي من زاوية العلاقة بين ذلك الأدب والمسؤولية الكبرى في إفساد الأخلاق ثم في انهيار الحضارة الأندلسية، على أن يتذكّر الدارس أن الأدب الأندلسي لم يكن بِدَعا في الآداب، لأنه جزء من الأدب العربي العام من جهة، متأثر بالأدب المشرقي تأثّرًا عميقا، فما يُقال عنه لا يعني أفراده بالمسؤولية – إن كان ثمة مسؤولية – إذ يمكن أن يقال ذلك عن الأدب العربي كله، دون تمييز كبير؛  ولكن الاستقلال الجغرافي والسياسي، وبعض الاستقلال الحضاري، ومكانة الحضارة الأندلسية بخاصة، هي الأمور التي تجعلنا نُفرده بالنظر.

الأدب الأندلسي والضوابط الأخلاقية

وأحبّ أن أسارع إلى القول – رغم أن ذلك قد يبدو مناقضا للصورة المألوفة عن الأدب الأندلسي – أن ذلك الأدب لم يكن يعيش في جوٍّ من الانطلاق اللامحدود، وإنما كان خاضعا لضُروبٍ مختلفة من الرقابة، وفي هذه الرقابة كان للنُّظم والمُوَاضعات والأخلاق والمقاييس النقدية الأخلاقية دورٌ غير قليلٍ في توجيهه، ومعنى ذلك أنني أقرّر منذ البدء أنه لم يفقد صلته بالتوجيه الأخلاقي، في أية خطوة أو مرحلة.

الرقابة الذاتية

وأول ضروب هذه الرقابة ما يمكن أن نُسمّيه: الرقابة الذاتية، وهذه لا تتوقّف عند حدود “المُمحِّصات” عند شاعر مثل “ابن عبد ربه”، نقَض كل ما قاله في فترة الصّبا من قصائد بقصائد أخرى في الزّهد والتوبة والتّقوى محَّص بها الموقف الأول بموقف جديد مشمول بروح التديّن، ولا نقف عند حدود المُوشَّح المُكفَّر، الذي يُنظَم للتفكير، عن مُوشَّح آخر يتحدَّث فيه صاحبه عن مغامراته العاطفية على نحو ماجن، وإنما تمتدّ هذه الرقابة إلى إيمان الشاعر نفسه بموقفٍ أخلاقي أخلصَ له منذ البداية.

ولو قرأنا دواوين: ابن دراج القسطلي، ابن زيدون، ابن حمديس، ابن خفاجة، الأعمى التّطيلي، الرّصافي البَلَنسي، ابن الزقاق، حازم القرطاجني، ابن الخطيب، وآخرين غيرهم، لم نجد في دواوينهم هجاء، أو وجدنا قسطًا يسيرا منه، وأنا أستبعد أن يكون ذلك ناشئا عن قصور في الطبيعة أو الملَكة الفنيّة، وأرى في هذه الظاهرة دلالة على رقابة أخلاقية ذاتية كانت ترى في هذا اللون من الأدب شيئا منافيا للقيم الخلقية. ويتصل هذا التعفّف عن هجر القول بقوة الوازع الديني أيضا، إذ لا مجال للشكّ في أن الأدب الأندلسي كان يتنفّس في جوٍّ مُشبع بالثقافة الدينية التي لا يتمثّل تأثيرها في هذا الموقف من فنّ الهجاء وحسب، بل هي تبدو في كل مظاهرها – على نحو تطبيقي – في أشعار الزُّهاد الأتقياء أمثال: ابن أبي زمنین، أبي إسحاق الألبيري، أبي عمر الألبيري، ابن العسال، على بن إسماعيل القرشي الملقب بـ “طيطل”، وعشرات غيرهم..

كما تتجلّى في مواكبة الشعر لحركة الجهاد والتّحريض على اليقظة وردِّ كيد العدو والقضاء على أسباب الفُرقة والنزاع. وهي رقابة شديدة الوضوح أيضا في الأشعار التي تتحدّث عن مشاعر الحنين إلى “الحجاز” وفي المدائح النبوية وفي أدب الحكمة والأدب المُرصد للهجوم على التّنجيم وعلى الفلسفة، ومن أمثلة هذه الأخيرة أشعار “أبي الحسين بن جبير” في الغضّ من الفلسفة عامة وفي مهاجمة “ابن رشد” بخاصة. ففي هذه الفنون الشعرية جميعا كان الشعراء ينطلقون من مفهومات أخلاقية دينية.

الرقابة النقدية

وثاني ضروب هذه الرقابة: الرقابة النقدية، وذلك أن النقاد البارزين في الأندلس – باستثناء أمثال “ابن شهيد” و”ابن سعيد”، ممّن كان يحتكم إلى بعض المبادئ الجمالية في النقد – كانوا أخلاقيين في نظرتهم إلى الشعر، وفي مقدّمتهم “ابن حزم”، فقد منح “ابن حزم” الشعرَ أقوى ما يمكن أن يمنحه مُفكِّرٌ من تأثيرٍ وقدرة في الميدان الأخلاقي، وعيّن لكل فنٍّ من فنونه أثَره الخاص به، فالأغزال والرّقيق تدعو إلى الفتنة وتحضّ على الفتُوَّة وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات وتسهّل الانهماك في الشطارة والفسق؛  وأشعار الحرب وذِكر التَّصعلُك تهيج الطبيعة وتسهّل على المرء موارد التّلف في غير حق، وربما أدّت بالمرء إلى هلاك نفسه بعد أن تهون عليه الجنايات والشّره إلى الظلم وسفك الدماء؛ وأشعار التغرُّب.. تسهّل التحوّل والتغرُّب، وشعر الهجاء أشدّ ضُروب الشعر إفسادا لأنه يهوّن على المرء كونه في حالة أهل السَّفه المُتكسِّبين بالخماسة وتمزيق الأعراض وانتهاك الحرمات، وفي هذا حُلول الدّمار في الدنيا والآخرة؛ والمدح والرثاء مُباحان مكروهان: مباحان إذا ذُكرت فيهما الفضائل، مكروهان إذا أسِّسا على الكذب، ولا يتبقّى من الشعر بعد ذلك ممّا يمكن أن يثير النفس إلى الخير إلا الشعر القائم على الحكمة، الداعي إلى الفضيلة.

الشكل جميلٌ والمضمون لا أخلاقي

ومع أن “ابن حيّان” مؤرخٌ لا ناقدٌ أدبي، فإن بعض تعليقاته العابرة تدل على أنه كان ينظر إلى الشعر بنفس الروح الأخلاقية الصارمة التي كان ينقد بها مجتمعه حينئذ ويقيس بها تصرفات الأفراد، من ذلك أنه أورد قصيدة لـ “ابن شهيد” حضّ فيها “المعتمد المرواني” على التّنكيل ببعض أهل بلده، فقال “ابن حيان” في التعليق عليها: “وهي قصيدة ذميمة المعاني استهدف بها إلى سفك دماء المسلمين… ما أحسن فيها ولا أغرب، بل أعرب عن سُقم يقينِه ورقّة دينه”، وكان “ابن حيان” في تصريحه هذا يرى أن الذي حطّ من قيمة القصيدة هو مضمونها اللاأخلاقي مهما يكن حظّها من جمال الشكل.

وقد كان هذا المقياس الأخلاقي في أساس نظرة “ابن بسّام” إلى الشعر، فإنه عندما كتب كتابه “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة”، قرّر أن يبرئ الكِتاب من إيراد شعر الهجاء القائم على الهجر والسّباب المُقذع، وكلما مرّ بشعرٍ يستشفُّ منه مسَّ النواحي الخُلقية والدينية – اضطرته ضرورة المثيل لإيراده – علّق عليه بشدة، كذلك فإنه وقف موقف الكارهِ لطغيان الأفكار الفلسفية على بعض ضروب الشعر، رغم إعجابه بـ “المتنبي” و”المعري”.

رابط دائم
https://elayem.news/hv3ws