الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الفن في زمن العولمة.. كيف يستعيد الإنسان حقه في الدهشة؟ 

Author
هارون عمري 30 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تفرض الوفرة التقنية والرقمية التي تطبع العصر الراهن مفارقة إنسانية وجمالية بالغة التعقيد، إذ تكشف اتساع الفجوة بين تطور الأدوات وتراجع عمق المنجز الإبداعي مقارنة بالروائع الخالدة التي شيدها كبار العباقرة في الفنون والآداب والموسيقى والسينما عبر التاريخ، وفي ظل تحول الوسائط الحديثة إلى أدوات للاستهلاك السريع والجاهز، فقد الإنسان المعاصر جزءًا من قدرته على الدهشة والتأمل البطيء، وتحول الاهتمام من بناء المعنى وتغذية الوجدان إلى ملاحقة الأشكال والتقنيات العابرة، ما يضع الفن أمام معضلة تستدعي فحص علاقة العبقرية بالمعاناة الإنسانية، ومساءلة قدرة المبدع على صون حرارة روحه وأصالة أثره أمام سطوة الآلة والخوارزميات. 

وترى الروائية والكاتبة حميدة شنوفي أن التطبيقات الرقمية اختصرت الوقت والجهد وأضعفت اللمسة البشرية لدى بعض الممارسين، داعية إلى استعادة البطء والعزلة والعمل اليدوي، وإرساء قواعد قانونية تحمي حقوق المؤلف وتحدد نسبة الإبداع البشري داخل المصنفات الرقمية، فيما يرى الشاعر والباحث في الأدب إلياس دباخ أن التسارع التقني أضعف شرط الدهشة وهاجس السؤال والتأمل العميق، ويضع الحل في تطويع التكنولوجيا لخدمة الإنسان، ويعتبر المكلف بالإعلام بالمسرح الوطني الجزائري أمين خلفات أن وفرة الأدوات لم تمنح الإنسان المعاصر عمق العباقرة الذين أنجزوا أعمالًا خالدة بإمكانات محدودة، لأن العبقرية ترتبط باتساع الخيال ونفاذ الرؤية والقدرة على الدهشة. 


وفرة الأدوات لا تصنع العبقرية 

منحت التقنية المعاصرة المبدع إمكانات واسعة في البحث والكتابة والتصوير والتسجيل والمونتاج والتصميم والنشر، وصار من الممكن إنجاز عمليات كانت تتطلب فِرقًا ومعدات مكلفة داخل حاسوب محمول أو هاتف ذكي، غير أن سهولة الوصول إلى الأداة لا تنتج تلقائيًا عملًا عميقًا، لأن التقنية تقلص زمن التنفيذ، فيما يبقى بناء الرؤية والأسلوب والمعنى مرتبطًا بخبرة الفنان وطبيعة علاقته بالعالم. 

في تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال المكلف بالإعلام بالمسرح الوطني الجزائري أمين خلفات إنه رغم كل ما منحه العصر من إمكانات تقنية ومادية، لم يصل المنجز المعاصر، فنيًا وإنسانيًا، إلى ربع ما وصل إليه بيتهوفن وموزارت ودافنشي وميكيلانجلو وفان غوخ وبيكاسو ودالي وشكسبير ودوستويفسكي وتشابلن وفيليني وكوروساوا.

وأضاف خلفات أن أولئك المبدعين كانوا يملكون أقل، لكنهم رأوا أكثر، وكانت أدواتهم محدودة، فيما كان خيالهم واسعًا كالحلم، أما الإنسان المعاصر فقد امتلك كل شيء تقريبًا، وأصبحت الكاميرا في جيبه، والموسيقى في متناول يده، والعالم كله حاضرًا على شاشة صغيرة، ومع ذلك يبدو أنه فقد شيئًا بسيطًا وأساسيًا هو الدهشة. 

ويرى خلفات أن الإنسان تقدم كثيرًا في صناعة الأشياء، وتأخر قليلًا في صناعة ذاته، وهي المفارقة الجميلة والمحزنة لعصر يعيش فيه الفرد أوسع حالات الوفرة، ثم يكتشف افتقاره إلى ما كان يملكه مبدعون لم تكن لديهم الإمكانات نفسها، ويختصر موقفه بالقول إن الزمن يمنح الإنسان الأدوات، أما العبقرية فلا تزال تأتي وحدها. 

الاستهلاك السريع يبدد زمن التأمل 

في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، قالت الروائية والكاتبة حميدة شنوفي إن ثقافة الاستهلاك السريع شغلت المثقف العربي طويلًا، بعد أن طغت على مجتمعات عديدة في الأطعمة والممارسات اليومية والثقافية، ومنها مشاهدة الأفلام عوض مطالعة الكتب، مدفوعة برغبة في التشبه بمجتمعات هوليوود وماكدونالدز. 

وترى شنوفي أن الممارسات الرقمية مست الجوانب الإبداعية وألغت لمستها البشرية الخالصة لدى بعض المستخدمين، بعدما تحولت إلى طريق ناجعة لاختصار الوقت والجهد، وهو ما يخشاه ممارسو الفن الحقيقيون، خاصة بعد الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي على المنصات الرقمية.

 

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال الشاعر والباحث في الأدب إلياس دباخ إن المنجز الإبداعي والفني أُدخل إلى المختبر مع محاولة تعليبه، وإن المنظومة التقنية المعاصرة أضعفت شرط الدهشة وهاجس السؤال اللذين تتشكل منهما إنسانية الإنسان ورسالته الوجودية في الإبداع. 

وأضاف دباخ أن التسارع الذي يطبع هذا العصر حال دون التأمل العميق والواعي، وهو المحرك الأساسي للفن والأثر الخالد، كما أن قرب الأشياء وسهولة إتاحتها أضعفا دافع السؤال والبحث، مع أن الأعمال الخالدة ليست سوى أجوبة فنية عن تساؤلات إنسانية عميقة، وهو ما يقود إلى فرضية مفادها أن القرب من الصورة قد يزيد ضبابية الرؤية. 

الخطأ البشري يصنع التفرد 

تقول شنوفي إن الذكاء الاصطناعي، إن صح إطلاق هذه التسمية عليه، صادر من الإنسان حقه في بذل الجهد، رغم حاجته بدوره إلى إنسان ذكي يوجهه، وإلا اقتصر عمله على كل ما هو سطحي وخال من الروح، وعندها يفقد قيمته ما لم يحسن الإنسان استخدامه. 

وترى أن الفن الرقمي يقف اليوم في مواجهة الفن البشري الذي أثبت منذ الأزل قدرته على مخاطبة الحواس على اختلاف الذهنيات، وفي الوقت الذي يرجح فيه بعض المستخدمين قدرة الفن الرقمي على تفادي الأخطاء، تظهر سقطاته في الكتابة الإبداعية والترجمة والصور، وهي مجالات تحتاج إلى فهم السياق والحساسية اللغوية والخبرة الإنسانية. 

وتمنح شنوفي الخطأ البشري قيمة خاصة في تكوين الفنان، لأن الإنسان حين يخطئ يحاول تجسيد فن جديد بروح جديدة، ويتحوّل الخطأ إلى فرصة للتفرد والتغيير المتدرج في المنجز، فيما تميل الآلة إلى تكرار الفن داخل القالب نفسه كلما افتقر المستخدم إلى رؤية قادرة على كسر الأنماط الجاهزة. 

فالخطأ الإنساني يرتبط بالقصد والذاكرة والتردد والمراجعة، وقد يقود إلى اكتشاف يغير مسار العمل، كما تحمل خشونة المادة وتردد الصوت والعبارة غير المألوفة آثار الجسد والتجربة والزمن، وهي عناصر تمنح المنجز شخصية يصعب اختزالها في الدقة التقنية. 

البطء يعيد للفن حرارته 

ترى شنوفي أن الفنون تحولت في جانب منها إلى سلع خاضعة للاستهلاك السريع، لأن المحتوى الرقمي صُمم لالتقاط فكرة مستعجلة وجذب الانتباه بصورة خاطفة، عوض منح الذهن وقته الكامل في التأمل، كما أن البيئة الرقمية المريحة التي تقلل الجهد قد تضعف المعنى الحقيقي للفن حين تصبح السرعة مقياسًا للجودة. 

وتدعو المبدع إلى التحرر من سرعة الآلات الرقمية، والصدق مع الفن الذي يمارسه، وتدريب حواسه على العمل ببطء، مستشهدة ببعض مصممي الأفلام وأشرطة الرسوم المتحركة الذين يرسمون اللقطات يدويًا للحفاظ على لمسة بشرية خالصة، خلافًا للتصور الذي يربط جودة الصورة حصرًا بارتفاع مستوى التقنية. 

كما ترى أن ممارسة الموسيقى والرسم والنحت بالعودة إلى الخشب والألوان والطين أصبحت ملجأ أمام خوارزميات تلتهم الفن الطبيعي وتحيله إلى أرقام، مستحضرة تجربة الإنسان القديم الذي رسم على جدران الكهوف ونحت الصخور وصنع أواني الطعام ووسائل الزراعة والصيد من عظام الحيوانات، فتحولت حاجاته اليومية إلى ما نراه اليوم فنًا وحضارة. 

وتضع شنوفي العزلة والتأمل والاستهلاك البطيء للفنون ضمن السبل التي تخرج الإبداع من القوالب الجاهزة، وتحمي الإنسان من تلقي المعلومة بسهولة دائمة، وتمنع الفن من التحوّل إلى أرقام رائجة يستطيع أي مستخدم استنساخها وتحويلها إلى مادة مربحة من دون جهد. 

تطويع التقنية يحفظ مركزية الإنسان 

يرى إلياس دباخ أن ما يحتاجه المبدع لمجاراة أمواج الخوارزميات هو تطويع التكنولوجيا بما يخدم مصلحة الإنسانية في الإبداع، لأن علاقة الإنسان بالتقنية هي التي تحدد أثرها في الجانب الإنساني، وقدرتها على تعزيز الحركة الإبداعية أو إعاقتها. 

ويدعو دباخ إلى تجاوز القيود التي تفرضها الحركة التكنولوجية، واستعادة القدرة الفطرية على الابتكار في ظل المد الرقمي المتزايد، وهي مهمة تبدأ من وعي المبدع بالفرق بين استعانته بالأداة في البحث والتنظيم والتنفيذ، وتسليمها القرارات الجوهرية المتعلقة باللغة والأسلوب والبناء والموقف الجمالي. 

وترى شنوفي أن مهمة الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى تدجين وعي الإنسان وإفراغه في قوالب اصطناعية جاهزة للاستهلاك السريع، في وقت ينبغي فيه ترويض التقنية بحسب الحاجات الإنسانية، حتى لا يصنع الإنسان من نفسه تابعًا للآلة أو وعاء لتخزين معلومات جاهزة، ويفقد حقه في التفكير والحيرة وبناء البؤر التي يستنبط منها فنونًا تواكب عصره. 

وتكمن المسألة في نوع العلاقة التي يقيمها الفنان مع الأداة، إذ يستطيع الكاتب توظيف التقنية في البحث والتدقيق، ويستفيد الموسيقي منها في التسجيل والمعالجة، كما يستخدمها الفنان في اختبار تصورات متعددة، فيما يبقى مركز العمل في السؤال الذي يطرحه الإنسان، وفي اختياراته ومسؤوليته عن النص أو الصورة أو الصوت المنشور باسمه. 


الملكية الفكرية أمام المصنف الرقمي 

تطرح شنوفي المعضلة من منظور قانوني بحكم اهتمامها بحقوق الملكية الفكرية، متسائلة عن الجهة التي يطبق عليها القانون عند نشوب نزاع حول ملكية مصنف إبداعي صمم رقميًا، في وقت يمكن أن يصبح فيه مقدم خدمة الإنترنت والمنصة الرقمية والشركة المطورة لخوارزمية الذكاء الاصطناعي والمستخدم أطرافًا في النزاع. 

وتدعو بصورة عاجلة إلى إرساء منظومة قانونية محكمة تنظم الفن الرقمي وتحمي العمق الإنساني، وتضع حقوق المؤلف والملكية الفكرية الرقمية في صدارة الاهتمام، مع تحديد نسبة الإبداع البشري داخل القوالب الرقمية، بما يسمح بالتمييز بين المصنف الذي تقوده رؤية إنسانية مستعينة بالتقنية، والمخرجات التي تنتجها الخوارزمية بتدخل محدود. 

لوحة الفنانة باية محي الدين

ويظل الأثر الجمالي مرتبطًا بقدرة العمل على حمل تجربة إنسانية صادقة، وصياغة سؤال يواصل مخاطبة الأجيال، وتستطيع التقنية توسيع أدوات المبدع وتسريع بعض مراحل عمله، فيما يبقى التأمل والاختيار والمكابدة والمسؤولية شروطًا بشرية لا تختصرها الخوارزميات، وحين يستعيد الفنان حقه في البطء والحيرة والخطأ، تستعيد الآلة موقعها كأداة، ويستعيد الإنسان مكانه في قلب الإبداع. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"