2025.12.04
الفيلم القصير في الجزائر..  جيل جديد يعيد اختراع السينما ثقافة

الفيلم القصير في الجزائر.. جيل جديد يعيد اختراع السينما


شهدت السينما الجزائرية، في السنوات الأخيرة، نهضة لافتة عبر بوابة الفيلم القصير، الذي تحوّل من مساحة هامشية إلى مركز الفعل السينمائي، فقد وجد الشباب في هذا الشكل الفني وسيلة للتعبير الحرّ، بعيدا عن ثقل الإنتاج التقليدي، وفضاء يسمح لهم بتجريب لغة بصرية جديدة، وتناول قضايا تتعلّق بالذاكرة، والهوية، والهجرة، والإنسان الجزائري في لحظاته الهشّة والعميقة، إذ ساعد التطور التكنولوجي وانتشار مدارس السمعي البصري والنوادي السينمائية على ظهور موجة من الأعمال القصيرة ذات جودة عالية، أنجزها شباب ما بين العشرينات والثلاثينات، وأصبحت تُمثّل الجزائر في مهرجانات عربية وإفريقية ودولية.

خلال السنوات الأخيرة، حصدت هذه الأفلام جوائز متعدّدة من جائزة منظمة الفرنكوفونية في مهرجان Vues d’Afrique بمونتريال التي حصدها فيلم ''الطيارة الصفراء" للمخرجة هاجر سباطة، إلى جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان نواكشوط التي نالها ''Les murmures de l’aube"، وصولا إلى تتويجات أفلام شبابية في مهرجان عمان، والأسبوع الدولي للفيلم القصير في قسنطينة، ومهرجان البوابة الرقمية، كما شاركت الجزائر ضمن مبادرة CANEX – African Creative Conference 2025 بستة أفلام قصيرة، ما يؤكد حضورا متناميا لسينما الجيل الجديد في الفضاء الإفريقي.

هذا الحراك ترافق مع صعود مهرجانات جزائرية تُخصّص مساحتها للفيلم القصير، مثل إيمدغاسن والبوابة الرقمية وأسبوع الفيلم القصير وهكذا، أصبح الفيلم القصير رهانا فعليا لصناعة سينمائية مستقبلية تعود إلى جذورها وتفتح نافذتها على العالم.

الفيلم القصير في الجزائر… من مساحة تجريب إلى صناعة متنامية

لم يعد الفيلم القصير في الجزائر مجرّد تمرين أكاديمي أو خطوة أولى نحو الفيلم الطويل، ولكنه تحوّل تدريجيا إلى شكل فني كامل تتبنّاه المهرجانات والمؤسسات كجزء من مشروع نهضة سينمائية جديدة. فمع تطور الإنتاج الرقمي أصبح بإمكان شباب السينما صناعة أفلام بجودة عالية دون ميزانيات ضخمة، ما خلق موجة واسعة من الإنتاجات القصيرة التي تتوزع بين الروائي والوثائقي والتجريبي، هذه الأعمال باتت تمثّل الجزائر في مهرجانات دولية أكثر من الأفلام الطويلة نفسها، لأن الفيلم القصير يسمح بمرونة في السرد والإنتاج، ويمنح الشباب القدرة على التعبير بجرأة.

الكثير من الأفلام القصيرة الجزائرية التي خرجت من ورشات ومحترفات مثل ""CADC أو من نواد جامعية، حصدت جوائز معتبرة، منها "الطفطافة والمقنين" لأمير بن صيفي الذي نال جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان إيمدغاسن، وفيلم Les murmures de l’aube"" لكمال رويني الذي توّج في مهرجان نواكشوط الدولي. هذا الحضور يعكس أن الفيلم القصير أصبح واجهة الجزائر السينمائية في الخارج، لأن الأعمال القصيرة تمتلك قدرة على السفر بسهولة إلى المهرجانات، وتقدم خطابا بصريا معاصرا أقرب إلى لغة الشباب العربية والإفريقية.

وبالتوازي، بدأت مؤسسات مثل السينماتيك والمركز الجزائري لتطوير السينما تدمج الفيلم القصير في برامجها، عبر عروض أسبوعية وورشات تكوين، وهكذا، انتقل الفيلم القصير من الهامش إلى مركز المشهد، وصار قاعدة حقيقية لتجديد السينما الجزائرية.

جيل المخرجين الشباب.. طاقات جديدة تكتب سينما مختلفة

جيل الشباب في السينما الجزائرية اليوم لا يحاول استكمال ما بدأته الأجيال السابقة فقط، إنما أيضا يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الصورة والواقع. فهؤلاء المخرجون، الذين يتراوحون بين بدايات العشرينات ومطلع الثلاثينات، يقدمون سينما تنطلق من التجربة الفردية أولا، يمكن القول إنها تنطلق من الذاكرة الشخصية، ومن علاقة الفرد بالمجتمع، ومن صراعات الهوية والهجرة والطفولة والمدينة والقرية، لذلك تأتي أفلامهم قصيرة، مكثّفة، مشحونة بطاقة بصرية تتجاوز الخطاب المباشر.

نماذج هذا الجيل واضحة في أعمال فيلم ""Axxam yargha لمولود آيت ليوتنا الذي مثّل الجزائر في تظاهرة Quinzaine des Cinéastes المرتبطة بمهرجان "كان". كما يبرز المخرج ريان فركوس الذي قدّم فيلما نفسيا قصيرا فاز بجائزة أفضل إخراج في مهرجان البوابة الرقمية، وهو في سن التاسعة عشرة، ما يعكس انتقالا مباشرا من الفضاء الرقمي إلى الفضاء المهني.

ما يجمع هؤلاء الشباب هو عدم انتظار الدعم التقليدي لصنع أفلامهم، يصورون بإمكانات بسيطة، يكتبون بأنفسهم، ينتجون بوسائل وإمكانات بسيطة، ثم يدخلون الفيلم إلى مهرجانات دولية، هذه الديناميكية خلقت موجة سينمائية جديدة أكثر تحررا، وأكثر ارتباطا بالإنسان المعاصر، وأبعد ما تكون عن القوالب الخطابية التي سيطرت على بعض مراحل السينما الجزائرية السابقة. وهكذا، يظهر جيل جديد يكتب سينما جزائرية مرنة، شخصية، وذات أفق دولي.

المهرجانات الجزائرية.. محاضن فعلية لصعود الفيلم القصير

عرفت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، طفرة في المهرجانات المتخصصة التي جعلت الفيلم القصير في قلب الاهتمام السينمائي، أبرز هذه التظاهرات هو مهرجان إيمدغاسن الدولي للفيلم الروائي القصير بباتنة، الذي أصبح أحد أهم فضاءات العرض والتكوين للشباب. يقدم المهرجان ورشات كتابة وإخراج، ويستضيف حكّاما من دول عربية وإفريقية، ما يمنح المخرجين فرصة للاحتكاك بطرق عمل مختلفة. وقد أسهم هذا المهرجان في إبراز أسماء شابة عبر تتويج أفلام مثل "الطفطافة والمقنين" و"Nya".

من جهة أخرى، قدّم مهرجان البوابة الرقمية للفيلم القصير ثورة في طريقة المشاركة، بفضل صيغته الرقمية التي تسمح للشباب من مختلف الولايات بالمشاركة عن بعد. وقد أنتج هذا المهرجان أسماء جديدة، منها ريان فركوس الذي فاز فيه بجائزة الإخراج، كما صار المهرجان بوابة للعرض الدولي عبر شراكة مع منصة WeShort الإيطالية.

أما أسبوع الفيلم القصير الذي تنظمه السينماتيك بالتعاون مع CADC، فقد خلق علاقة جديدة بين الجمهور والفيلم القصير، عبر عروض دورية لأفلام جزائرية حديثة، بعضها من إنتاج مؤسسات رسمية وبعضها الآخر مستقل، هذا الأسبوع ساهم في إعادة تنشيط قاعات السينما الجزائرية، وفي تقديم أعمال شبابية لأول مرة أمام جمهور واسع، وأيضا المهرجان الدولي للفيلم القصير بتيميمون، وسنشهد خلال هذه الأيام القريبة أيام قسنطينة الوطنية للفيلم القصير بداية من 11 ديسمبر، وهكذا وبهذا المشهد السينمائي الجميل صارت المهرجانات جزءا بنيويا من مسار صناعة الفيلم القصير، ومحضنا لنشأة جيل جديد يحمل ملامح سينما الغد.

الموضوعات الجديدة للأفلام القصيرة لدى الشباب

تتسم أفلام الجيل الجديد في الجزائر بجرأة الموضوعات وبابتعادها عن الخطابات الكبرى لصالح سرد حميمي يمسّ الفرد مباشرة. في موضوع الذاكرة، قدّمت أفلام مثل Tayara Safra قراءة جديدة لحرب التحرير من منظور شخصي وأنثوي، بينما اشتغل فيلم Les murmures de l’aube على ذاكرة الأطفال في حقبة الاستعمار، ونجح في تمثيل الجزائر دوليا عبر تتويجه في نواكشوط. وفي الجنوب، أعادت أفلام مثل "زهرة الصحراء" الاشتغال على آثار التجارب النووية الفرنسية من خلال سرد بصري يعكس العلاقة بين الجسد والأرض.

أما الهجرة، فتظهر في أعمال شبابية كرحلة داخلية قبل أن تكون جغرافية. فيلم مولود آيت ليوتنا مثلا يقدّم الهجرة بوصفها صراعا بين القرية والمدينة، وبين اللغة والمنفى. كما يعالج شباب آخرون قضايا الهوية واللغة من خلال أفلام ناطقة بالأمازيغية أو الدارجة أو بلغات مختلطة، معتبرين التعدد اللغوي جزءا من هوية الجيل الجديد.

وتذهب بعض الأفلام إلى الاشتغال على الهشاشة الإنسانية، كالأمراض النفسية وطموحات الشباب وصراعهم مع الواقع. هذا التنوّع في الموضوعات يخدمه الفيلم القصير لأنه يسمح بتكثيف الفكرة دون الحاجة إلى بناء درامي طويل، ما يجعل الأعمال أكثر عفوية وصدقا، وأقرب إلى نبض العصر.. وهكذا، يقدم الجيل الجديد موضوعات تعكس جزائر اليوم بكل تعقيداتها وتحولاتها.

البنية الصناعية للفيلم القصير

البنية الصناعية التي تدعم الفيلم القصير في الجزائر تشهد توسعا واضحا؛ فمن جهة، تلعب المؤسسات الرسمية مثل المركز الجزائري لتطوير السينما (CADC) دورا مهما في إنتاج أفلام قصيرة ضمن برامج خاصة، كما حدث في سلسلة أفلام الذكرى الستين للاستقلال، التي خرجت منها أعمال مثل Les murmures de l’aube و"زهرة الصحراء"، هذه الأفلام شاركت لاحقا في مهرجانات عربية وإفريقية، ما ساهم في إبراز حضور الجزائر.

ومن جهة أخرى، تلعب المنصّات الرقمية دورا كبيرا في صعود الجيل الجديد. فمهرجان البوابة الرقمية سمح بانتشار أفلام شبابية دوليا، خصوصا بعد شراكته مع منصة WeShort، كما صار FilmFreeway وجهة رئيسية للمخرجين الشباب الذين يرسلون أعمالهم إلى مهرجانات عربية وأجنبية دون تكلفة كبيرة.

وتعزّز هذه البنية حضور الشباب في ورشات دولية: إقامات كتابة في تونس، دورات في المغرب، وتكوينات افتراضية مع مؤسسات أوروبية، إضافة إلى ذلك، جعلت مبادرة CANEX 2025 الجزائر ضمن خارطة السينما الإفريقية الجديدة، بعد اختيار ستة أفلام قصيرة جزائرية ضمن برنامجها المخصص للمواهب الصاعدة.

كما بدأ يظهر جيل جديد من المنتجين المستقلين الذين يراهنون على الفيلم القصير، باعتباره سوقا فنية حقيقية، لا مجرد وسيلة تدريبية، وبفضل هذا التشبيك بين المؤسسات والمنصّات والمبادرات الدولية، باتت الصناعة السينمائية للفيلم القصير أكثر مرونة وقدرة على استيعاب طاقات الشباب.

آفاق السينما الجزائرية الجديدة… بين التجريب والاحتراف

تبدو آفاق السينما الجزائرية اليوم مرتبطة بشكل مباشر بصعود هذا الجيل الشاب الذي يعيد تعريف معنى الإبداع السينمائي. فالأفلام القصيرة بمثابة مؤشّر على ولادة حركة سينمائية جديدة تعيد للجزائر مكانتها في الساحة العربية والإفريقية. كثير من هذه الأفلام تمكّنت من الوصول إلى منصّات دولية، ما يؤكد أن صوت الشباب قادر على اختراق الحدود.

لكن مستقبل هذه الموجة مرتبط بقدرتها على الانتقال إلى مراحل إنتاج أكثر احترافية دون فقدان روحها التجريبية. وتبدو معالم هذا الانتقال واضحة؛ بعض المخرجين بدأوا العمل على أفلام طويلة، فيما يستمر آخرون في تطوير مشاريع قصيرة بدعم من برامج عربية وإفريقية، ومع ذلك، يبقى التحدي في توفير دعم منتظم، وتمويل مستقر، ومساحات عرض دائمة.

إذا استمرت المهرجانات في التطور، وواصلت المؤسسات دعم التكوين والإنتاج، فإن الجزائر قد تدخل مرحلة جديدة من السينما التي يقودها الشباب بوعي فني متقدّم؛ سينما لا تبحث عن تمثيل الماضي، بل عن كتابة المستقبل عبر لغة بصرية حرة، متعددة، تشبه هذا الجيل وتعبّر عنه.. وهكذا، يتحول الفيلم القصير إلى بوابة حقيقية لسينما جزائرية متجددة، تمتلك القدرة على العودة إلى الساحة العالمية بقوة خلال السنوات القادمة.