السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

الفُصحى الميَسَّرةُ الجميلة الجامعة في أدب “ابن المقفَّع”


دائمًا ما تُثار مشكلة اللغة العربية في عصرنا الحديث من خلال ما يُسمّى (الازدواجية اللغوية) حيث انفصام العرب المستعملين لها بين مستوى (اللغة العربية الفصحى) في الكتابة الرسمية، والخطاب الديني الخاص! ومستوى (اللهجات المحلية) في الخطاب الشعبي اليومي الحياتي، وقد توزّع المفكرون في شأنها بين تيارين فكريين يهيمنان على الخطاب الثقافي، هما: (تيار كلاسيكي محافظ)، يتشدد في تعصبه للفصحى، ويشدّد النكير على خصومها، ويرى النيل منها مؤامرة كونية! و(تيار علماني متحرر) يرى في الفصحى معوقًا من معوقات التنوير والتثقيف، ويراها صعبة عصيةً، لا يفهمها عامة الشعب، وينفرون منها، ومن ثم يدعو هذا الفريق إلى التخلص منها وإحلال العامية مكانها في التعليم والإعلام، وفي صياغة الفنون السردية المختلفة من ملاحم ومسرحيات وقصص، وما تفرع منها في الفنون الإذاعية والدرامية والتمثيلية حيث الأغاني، والمسلسلات، والأفلام، بكل ألوانها!

وهذا التمزّق اللغوي والفكري له مضارّه على جوانب مختلفة من حياتنا تعليميًّا، وإعلاميًّا، وأدبيًّا وفنيًّا، وقد أدى كذلك إلى تراجع مكانة الفصحى، وإلى غياب أو تغييب المستوى الفصيح عن كثير من مجالات واقعنا، وإلى تهميش مساحة حضوره، عند كثير من أجيالنا الشابة القادمة، وانتشار أو نشر المستوى اللهجي العامي! بحجة عدم كفاءة الفصحى أو عدم قدرة الناس على استخدامها والالتزام بها شفاهيًّا وكتابيًّا وإبداعيًّا، وصعوبة التواصل الفعَّال بها، وأنها تؤثر سلبيًّا في التحصيل العلمي لدى الطلاب في مراحل التعليم المختلفة، لاسيما في قطاع تعليم العلوم التجربيبة والطبية والهندسية والتكنولوجية!

بل إن من الأنكى حاليًا أن نجد فئات كثيرة من الجمهور العربي لا يتواصل مع خُطب الجمعة والمحاضرات الدينية الرسمية، ولا تستوعبها؛ لأنها خطب ومحاضرات تعتمد لغةً تقليدية جافة، عالية، وغير مُيسّرة وبعض الأئمّة والدعاة صاروا يعمدون إلى اللغة العامية الدارجة بحجة تيسير الفهم!

والحل في نظري يتمثل في ضرورة تعزيز استخدام الفصحى المُيسّرة الجميلة الجامعة، وتسهيل حضورها في وسائل الإعلام والتعليم وفي الحياة اليومية، وتحسين تعليم الفصحى بجعلها أكثر جاذبية وفعالية، واستثمار كبار المبدعين و المثقفين والإعلاميين والفنانين في دعم الفصحى وتجميلها وجذب الناس جميعا إليها! فليست اللغة العربية لغة البيانات الحكومية، ولا لغة الشيوخ وعلماء اللغة والدين فقط! إن حصرها في هذا المجال فقط هو تمويت لها!

وقد أثيرت مشكلة اللغة العربية في قضية نقدية ذات صدى في مدوَّنات النقد الأدبي الحديث، وهي قضية لغة الحوار السردي بين العامية والفصحى، فمن يمارس الكتابة السردية بكل ألوانها القصيرة والمتوسطة والطويلة يجد نفسه أمام معضلة الحوار، هل يكتبه بطريقته العامية الموجودة في الواقع محققًا ما يُسمّى (الصدق الواقعي) أو يكتبه بالفصحى محققًا ما يسمّى (الحفاظ على الفصحى)، وضاربا بالصدق الواقعي عرض الحائط، وهذا الاضطراب والتخبط أثر من آثار الازدواج اللغوي التي نعيشها في عصرنا.

وقد أحدث هذا الخلاف نقاشًا حادًّا مستمرًا حول استخدام إحدى اللغتين: الفصحى التي هي اللغة الرسمية والأكثر فصاحة لكنها بعيدة عن واقع الناس، وغير معبّرة عن حالتهم! أو العامية التي هي لغة التواصل الحيّة، وهي الأقدر على التواصل مع الجمهور وتلبية احتياجاتهم اليومية، وإيصال حالتهم النفسية والفكرية عن طريق لهجتهم الخاصة ذات الإيحاء المؤثر، لكنها تفقد بريقها وإيحاءها مع مرور الزمن، كما أنها تفهم عند طبقة أو جيل من الناس، ثم لا تفهم عند بقية الطبقات والأجيال، كما أننا لدينا في الوطن العربية عاميات كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى وما بينها من الفوارق أكثر مما بينهما القواسم المشتركة والخصائص الجوامع! هذا إضافة إلى ما تحتوي عليه العاميات من ألفاظ خادشة للحياء وعبارات ماجنة داعرة هابطة! وهكذا تتصارع الفصحى مع العامية، في مجالات مختلفة، بسبب هيمنة هذين التيارين، وعدم وجو تيار وسطي ثالث، يقدم حلًّا مقنعًا ومقبولاً واقعيًّا ونخبويًّا وجمهوريًّا! يمتثل فيما سُمّي حينًا بـ (العامية الفصحى) أو (الفُصْعَمِية)، وأستحسن أن يُسمّى (الفصحى المُيسّرة الجميلة الجامعة)!

“ابن المقفع” رائد الفصحى الميسرة الجميلة الجامعة

(الفصحى الميسرة الجميلة الجامعة) هي لغة تحافظ على الثوابت اللغوية، وتمتح من المستجدات التداولية الحياتية بوعي وانضباط، وتتجنّب مظاهر التشدّق والتقعّر والإغراب والتعقيد والتنافر، إن مستعملي هذه اللغة يقصدون قصدًا إلى استخدام معجم لغوي سهل واضح سيّار، وإلى توظيف الجمل القصيرة الموجزة، الموصلة للمعنى والرسالة بأقصر وسيلة، مع الحرص على الجمال المطبوع العفوي البديع الجاذب الآسر، فليست هذه (الفصحى الميسرة الجميلة الجامعة) وليدة زماننا هذا، إنها موجودة في كل زمان ومكان، وأراها بادية وحاضرة في النصف الأول من القرن الأول الهجري فيما يُسمّى (مدرسة الترسُّل) حيث يأتي الخطيب أو الكاتب بكلامه مُرسلاً من كل قيد، دون التقيّد بالسّجع ولا الازدواج ولا أعشاب البديع. إنها مدرسة تعتمد على هَجْر الألفاظ البدوية الجافَّة والألفاظ العامية المبتذلة، والعناية بفصاحة اللفظ وسهولته، والتأنُّق في اختياره لتوجد مُلاءمة دقيقة بين الكلمة وأختها في الجَرْس الصوتي، والحرص على التعبير الموجز في مواضع والمطنب في مواضع أخرى حسبما يقتضيه الحال، هذا إلى وضوح الأسلوب، ودقة المعنى، وترتيب الأفكار، بغية إرسال الرسالة إلى أكبر قطاع من الجمهور: مستمعين أو قارئينٍ. وتُسمّى هذه المدرسة – كذلك – مدرسة (الطبع) تلك التي يعتمد أصحابها على الموهبة في الإبداع، ويكون أسلوبهم سهلاً ممتنعًا، ولا يظهر فيه الهفوات أو التكلفات اللغوية أو النحوية أو البلاغية التي نراها عند فاقدي الموهبة! ونرى هذه المدرسة التعبيرية عند خطب “قس بن ساعدة الإيادي” وعند كبار الخطباء في عصر صدر الإسلام، وعند الحسن البصري وابن المقفع، وسهل بن هارون، وغيرهما! واستمرت هذه المدرسة حديثًا فيما يُسمّى بـ “فن المقال” عامة، و”فن المقال الصحفي” خاصة، وفيما يُسمّى (لغة الصحافة)، و(لغة الإعلام) أو (اللغة العربية المعاصرة)! 

وقد كان كبار الأدباء في القرن الثاني جميعه يتخذون هذا الأسلوب الفصيح الوسط إمامهم ومثلهم، سواء أكانوا مترجمين مثل “ابن المقفع”، أم مُدبِّجين لرسائل أدبية طريفة مثل “سهل بن هارون”، وقد بلغ القمة التي كانت تنتظره عند “الجاحظ” المتكلم، وهو أسلوب كان يوازن دقيقة بين طرافة المعاني، وإثارة الجمال في نفس القارئ والسامع، ولكن بدون كدٍّ ومجاهدة، ولذلك نسك أصحابه في مذهب الصنعة، فهم لا يبالغون في تكلفهم، ولا يستدعون الألفاظ من بعيد، ولا يدققون فيها كل التدقيق، ولا يصفونها كل التصفية.

يقول الدكتور “شوقي ضيف” (رحمه الله): مما لا ريب فيه أن هذه الثقافات الدخيلة التي نقلت إلى العربية، وسعت طاقتها، بما اكتسبت من المعاني العقلية والفلسفية، وقد أصبح النثر العربي نثر ثقافة متشعبة، تمدّها روافد كبيرة من إيران الهند واليونان، وليس ذلك فحسب، فقد أخذت تدخل في هذا النثر طرائق النظر الأجنبية، وأساليب الأجانب في تفكيرهم، والذي لا ريب فيه أيضًا أنه قام على هذا العمل نخبة من رجال الفكر الذين يحسنون اللغتين المنقول عنها، والمنقول إليها، فإذا هم يستخدمون أسلوبًا مولّدًا جديدًا يحتفظون فيه للعربية بصورتها النحوية والتركيبية، ونحن لا نستطيع أن نقف على مدى إحسانهم في هذا الأسلوب، إلا إذا لاحظنا أن لغتنا لم يصبها أثناء ذلك شيء من الفساد، فقد عمدوا إلى تخصيص بعض ألفاظها للدلالة على المصطلحات الفلسفية والعلمية الجديدة، وكان إذا اضطرهم معنى لفظ أجنبي إلى الاحتفاظ به عرّبوه، كما حدث في أسماء كثير من النباتات والأحجار، والعقاقير والأمراض، وبعض أسماء الآلات أو أسماء بعض العلوم، وكانوا كثيرا ما يضيفون صيغًا جديدة، ولكنهم لم يبتعدوا بها عن تراكيب العربية، ومن يقرأ كُتب “ابن المقفع”، وهو من أوائل المترجمين يرى كيف استطاع أن يضفي على أساليبه الطوابع العربية تامة كاملة. وبذلك اتسعت لغة الصحراء، وأصبحت لغة ثقافية ذات أسلوب مرن يستوعب كل ما لدى الأجانب من كنوز المعرفة، ومذاهب الفلسفة مما كان له أثره في الأدب نثره وشعره، كما كان له أثره في العلوم الإسلامية  والإنسانية…

ومِن أبرز روّاد هذه اللغة العربية الفصحى المُيسّرة الجميلة الجامعة الكاتب الكبير “عبد الله بن المقفع” (106هـ- 142هـ) في رسائله الوعظية النصحية: “الأدب الكبير”، “الأدب الصغير”، “الدرة اليتيمة”، “رسالة الصحابة”، التي تحوي الكثير من الحِكَم المستمدة من الثقافات الإسلامية واليونانية والفارسية، في مجالات متنوعة بين دينية واجتماعية وسياسية وتروية واقتصادية، وإنها رسائل تعليمية  وتوجيهية رائدة، إذ تُعدّ من أوائل نصوص الفكر السياسي والاقتصادي والتربوي الإصلاحي في التاريخ الإسلامي كله، كتبها “ابن المقفع” لغاياتٍ إصلاحيّة؛ لِما كان يشهده من فساد إبّان العصر العباسيّ، وقد رأى أنّ هذا النّصحَ المتنوع المجالات واجبٌ حين ساءته أحوال عصره. وقد استخدم في صياغتها ذلك الأسلوب السهل الممتنع المطبوع المترسل، الميسّر الجميل في معجمه وجُمله، والجامع لكل فنون القول وأغراضه.

يقول الأمير “شكيب أرسلان” في مقدمة رسالة الدرة اليتيمة لابن المقفع: “إن أكثر مشاهير الكُتاب ومَصَاقع الخطباء من أهل المئات الأُوَل بعد الهجرة لم تظفر الأيدي بكلامهم إلا قليلًا منه، منثورًا في بعض التآليف والمجاميع، متفرقًا منقطعًا بعضه عن بعض، مع أنهم العمدة في هذه الغاية والقدوة في هذا السبيل. والناس في الأدب إنما تلتقط من فضلات مآدبهم، وتترشّف من أسآر مشاربهم؛ ولذلك جعلتُ من بعض همي، مع عدم اتساع البال، ونصْب النفس لهذه الأشغال، التنقيبَ عن بعض آثار القوم، أهل هذا الشأو البعيد، والشأن الخطير، حتى ظفرتُ وأنا في هذه الأيام بدار الخلافة العظمى بجملة من الكتب، منها هذه الدرة اليتيمة لعبد الله بن المقفع المنشئ المشهور، معرِّب كتاب كليلة ودمنة، فاخترت عموم الفائدة بطبعها؛ لأنها – مع صغر حجمها – قد جمعت بين أعلى طبقات البلاغة، وأسمى درجات الحكمة، وتضمّنت من الحِكَم البوالغ والحُجَج الدوامغ، ما لم يتضمّنه كتاب قبلها ولا بعدها، فكانت حَرِيَّةً بأن يتخذها الكاتب منتجعَ لُبِّه وحماطة قلبه، وأن يجعلها دستور إنشائه ومثال احتذائه، وحقيقةً بأن يتخذها الإنسان نُصْب ناظره، وشغل خاطره، يهتدي بنور حكمها في ظُلَم المعاضل، ومُدلهمات المشاكل، ويتدرَّب بما أوضحته من سبل التصرف الحكيمة، ونهجته من جواد الكمال القويمة، على امتزاج لحكمتها بقواعد الكون، ودخولها تحت طور الطوق. وما أنا محدث عن ابن المقفع وهو رب هذا الأمر، وواسطة هذا العقد، وفي شهرته ما يغني عن الإفاضة والإشادة، وفي الاطلاع على هذه الرسالة ما يكفي الشاهد مؤنة الشهادة. ولعمري لو استفرغ مجتهدٌ وسعه في إهداء أرباب الأقلام طُرفة تُعجبهم، فقصاراه نشر كلام مثل ابن المقفع؛ إذ لا يجد في هذا الباب أجزل لهم نفعًا ولا أسنى لديهم وقعًا؛ ولذلك كان لا شبهة عندي في أن ما توخيه من الفائدة يلاقي إقبال الطلاب، ويقتضي ثناءهم بحسن الانتخاب، فقد يكون من فضل المرء في حسن انتقائه ما يربو على فضله في حسن إنشائه، إذ كان من الاختيار ما هو أنطق بالفضل، وأدلّ على العقل، على حد قول القائل: “قد عرفناك باختيارك؛ إذ كان دليلًا على اللبيب اختيارُه”.

وتجد هذا الأسلوب السهل الممتنع حاضرًا – كذلك – في ترجمة “ابن المقفع” كتاب “”كليلة ودمنة”، ذلك الأثر الأدبي الخالد، الذي أسهم في الأدب العالمي عمومًا. وهو كتاب اختُلف في أصله كما اختُلف في ترجماته، وهو يتناول قصصًا تجري على لسان الحيوان في ظاهرها، وتستنطق الحيوان لتصل إلى أهداف أخرى أخلاقية وإصلاحية لشؤون المجتمع والسياسة. فالحيوان في كليلة ودمنة أداة توظيف لغاية قَصَدَها الكاتب. وقد يتحقق هذا الهدف بعرض الحكمة مباشرة، أو من خلال الفكاهة التي تظهر في قيام الحيوان بالدور الإنساني سواء المسلك أو الحوار. قال ابن المقفع: “وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوًا؛ فاختاره الحكماء لحكمته والسفهاء للهو، والمتعلم من الأحداث ناشط في حفظ ما صار إليه من أمر يربط في صدره ولا يدري ما هو”. وقد صرح ابن المقفع أكثر من مرة أن للكتاب غرضًا ظاهريًا وآخر باطنيًا، فيقول: “وكذلك من قرأ هذا الكتاب، ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه ظاهرًا أو باطنًا لم ينتفع بما بدا له من خطه ونقشه”. والكتاب منبع دلالات ورموز عديدة ومتنوعة، ولنعش مع أنموذج من هذا الكتاب السردي لكي نقف على لغته وقفة واقعية:

أنموذج: الأسد وابن آوى والحمار

 قال القِرْدُ: زَعمُوا أنهُ كانَ أسدُ في أجمةٍ وكان معهُ ابنُ آوَى يأُكل منْ فضَلاتِ طَعامهِ، فأصابَ الأسدَ جَرَبٌ وضَعُفَ ضُعفاً شديداً وجُهِدَ فلمْ يَسْتطعِ الصَّيْدَ، فقالَ لهُ ابْنُ آوى: ما بالُكَ يا سيّدَ السَّباعِ. قدْ تَغيَّرَتْ أحوالُكَ؟ قال: هذا اَلجرَبُ الذي قد أجهَدني وليْسَ لهُ دَواءُ إلاَّ قلْبُ حِمارٍ وأذُناهُ. قال ابْن آوى: ما أيْسَرَ هذا، وقدْ عَرَفْتُ بمكانِ كذاَ حماراً وأنا آتِيك بهِ، ثمَّ دَلَف إلى الحِمارِ فأتاهُ وسلَّمَ عليْه وقال: ما لِي أراكَ مَهْزُولاً ؟ قالَ: ما يُطعمُني صاحِبي شيئاً. فقالَ لهُ: كيْفَ تَرْضَى المقامَ معهُ على هذا الحالَ؟ قال: ما لِي حيلةٌ للهرَبِ منه فلسْتُ أتوجّهُ إلى جهةٍ إلاَّ أضرَّ بي إنْسانٌ فكدًّني وأجاعني. قال ابنُ آوَى: فأنا أدُلكَ على مَكانٍ مَعْزُولٍ عنِ النَّاسِ لا يَمُرُّ بهِ إنْسانُ، خَصِيبِ المَرْعى لم تَر عيْنَ مثله خصبا.

 قال الحِمارُ: وما يحبسُنا عنه؟ فانْطلقْ بِنا إليه. فانْطَلَقَ بهِ نحوَ الأسدِ وتقدَّمَ ابْن آوى ودَخَلَ الْغابةَ على الأسدِ وأخبرَهُ بمكان الحِمار، فخرَجَ إليهِ وأرادَ أنْ يَثِبَ عليْهِ فلم يَسْتطعْ لِضعْفِه، وتَخلَّصَ الحِمارُ منهُ فأفلَتَ هَلعاً على وجْهِه. فلمَّا رأى ابْنُ آوى أنَّ الأسدَ لمْ يقْدِرْ على الحِمارِ، فال: يا سيَّدَ السِّباعِ أَعجزْتَ إلى هذهِ الغايةِ؟ فقالَ لهُ: إنْ جِئتَني بهِ مرَّةً أْخرَى فلَنْ يَنْجُوَ منِّي أبداً، فمضَى ابْن آوى إلى الحِمارِ فقالَ لهُ: ما الذِي جَرى عليْكَ، إنَّ الأسد لم يعرفْك، وقد ظنَّكَ ضبعاً، اعتادت أن تعتدي على أشباله، وأن الأسد قد أعلمني أنه لو كان عرفك، لرَحَّبَ بكَ، وسمحَ لك أن تشاركه السكن في الغابة، ترعى وتمرحُ و تذهبُ فيها أنّى شئت! فلمَّا سَمِعَ الحمارُ ذلكَ اطمأن ونَهَقَ وأخَذَ طريقهُ إلى الأسدِ، فَسَبَقَه ابن آوى وأعلَمَهُ بمكانهُ وقال له: اسْتعِدَّ لهُ فقدُ خَدَعتُهُ لكَ فلا يُدْركَنَّكَ الضَّعْفُ في هذهِ النَّوْبةِ فإنهُ إنْ أفلَـَتَ لنْ يَعُودَ مَعي أبداً، فجاشَ جأشُ الأسدِ لتَحْريضِ ابنِ آوى لهُ، وخرَجَ إلى موضِعِ الحِمارِ فلمَّا بَصُرَ به عاجلَهُ بوَثبةٍ افترسهُ بها. ثم قال: قد ذَكَرَتِ الأطبَّاءُ أنه لا يؤكلُ إلاَّ بَعْدَ الغُسْل والطُّهُورِ فاحتَفِظْ بهِ حتى أعودَ فآكلَ قلبه وأذُنْيهِ وأتركُ ما سِوَى ذلكَ قوتاً لكَ. فلمَّا ذَهبَ الأسدُ لِيَغتَسِلَ عَمَدَ ابْنُ آوَى إلى الحِمارِ فأكل قلْبَهُ وأذُنيهِ رَجاء أن يَتَطيَّر الأسدُ منهُ يأكل منهُ فلا يأكل منه شيئًا. ثمِّ إنَّ الأسدَ رَجعَ إلى مكانه فقال لاِبن آوَى: أيْنَ قلْبُ الحِمارِ وأذُناهُ ؟ قال ابْن آوى: أوَلمْ تَعْلَمْ أنهُ لوْ كانَ لهُ قلبُ وأذُنانِ لمْ يَرجعْ إليْكَ بعْدَ ما أفلًتَ و نجَا من الهَلَكِة!

فهذا نص سردي درامي فيه حوار، وجاء بلغة سهلة حيّة معاصرة، تصل إلى الناس جميعًا، وهذا شأن كل الكتابات السردية التراثية باستثناء بعض المقامات التي جاء الإغراب اللغوي هدفًا من أهداف إبداعها!

إن الدعوة إلى التمسك باللغة العربية الفصحى الميسرة الجميلة الجامعة تعلّمًا وتعليمًا وبحثًا في علومها، يحتاج إلى تيسير عمليات تعلمها وتعليمها واستخدامها، وعلى نشرها في كل مجال، وكل فن، وبين الأجيال القادمة، فهي ضرورة دينية لفهم الإسلام والعمل به، وفهم تراثنا، وضرورة وطنية لحماية البلاد والعباد من كل فهم مغلوط تشددًا أو انحرافًا! وضرورة اجتماعية للتواصل السهل الحي المهذب بين الناس. إنها لساننا وفخرنا وزينتنا، نلتزمها في كل زمان ومكان، ومع البشر كافة، ونحتفل بها ونفرح لها وبها في كل أيامنا، ما دام القرآن الكريم يُتلى، وما دامت السُّنة النبوية تُبلَّغ وتُعلَّم وتوصل إلى البشر أجمعين، ونحييها في فنوننا الأدبية، والإعلامية، والتمثيلية، والغنائية، ولا نقتصر على يوم واحد نجعله عيدها فقط!

نعم: إنني من أنصار التّمكين للَّغة العربية المُيسّرة الجميلة الجامعة، التي لا تحتاج إلى معاجم وقواميس لفهم مفرداتها، والتي تستطيع أن تغزو القطاع الكبير من المتكلمين والكاتبين دون مشقة أو إعنات. وإن مستقبل اللغة العربية الفصحى يحتاج منَّا أن تُعمّم هذه اللغة في أفلامنا ومسلسلاتنا، والأعمال الفنية التي تلقى رواجًا بين الناس؛ حتى يحاكيها أبناؤنا وأحفادنا. وإن المثقف الفعّال في المُجتمع، تتجلّى جهوده في توطيد العلاقة بين الفرد ولغته العربية الجميلة، وهو الذي ينقل اللغة العربية من كونها لغة ضيقة المساحة خاصة بالنّخبة، إلى كونها لغة سهلة واسعة المساحة، تستخدم في مجالات التعليم والإعلام والفن، على اختلاف المستويات، لاسيما الموجّهة إلى الأجيال الناشئة! فيكتب للفصحى حياة، ويحدث بالفصحى حياة، ويكتب لها حضور بين الأحياء، ووسط المطبوعات والمدونات، ورقية وإلكترونية!

Author أ. د. صبري فوزي عبد الله أبو حسين
أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات بجامعة الأزهر - مصر