الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

القارة المنسية.. لنرى إفريقيا بعيون جديدة !

Author
محمود سيد محمد 05 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

قارة تتسع لثلاثة أضعاف مساحة أوروبا، وتضم أكثر من 2000 لغة، وتمتلك كنوزاً طبيعية لم تنضب بعد.. لكنها في المقابل تبقى الأقل حضوراً في الإعلام العالمي.

نشرات الأخبار الدولية، نادراً ما تنقل الشأن الإفريقي وإذا نقلته فإنه لا يخرج عن ثلاثة عناوين رئيسية: مجاعة، حرب، أو وباء. هذه الصورة النمطية لا تسيء إلى القارة فقط، بل تغطّي أيضاً على قصة عظيمة يراد لها أن تدفن تحت غبار الأزمات والتحديات الحالية التي تمر بها القارة .

الماضي الحافل.. عندما أضاءت إفريقيا العالم

قبل أن تنشأ جامعات أكسفورد وباريس بمئات السنين، كانت إفريقيا منارة للعلم. في صحراء مالي، وقفت مدينة “تمبكتو” كواحدة من أعظم المراكز العلمية في التاريخ. تضم مكتباتها اليوم أكثر من 700 ألف مخطوطة، تغطي الفلك والرياضيات والقانون والفلسفة.

ما لا نعرفه هو أن فلكيي تمبكتو استخدموا الدوال المثلثية (الظل، والجيب، وجيب التمام) في حساباتهم، قبل أن تُعرف هذه المفاهيم في أوروبا بقرون.

وفي مجال الطب، كشفت دراسات أثرية حديثة (نُشرت في دورية Nature العلمية) عن أن سكان مملكة النوبة (في السودان الحالي) كانوا ينتجون مشروباً يحتوي على مركّب “التتراسيكلين”، وهو مضاد حيوي قوي، منذ أكثر من 1600 عام. كانوا يخمّرون المشروبات بنوع خاص من البكتيريا، ويستخدمونها لعلاج التهابات اللثة والأمراض التنفسية. أي أن إفريقيا كانت تمارس الطب الوقائي والعلاجي قبل اكتشاف البنسلين بأكثر من ألف عام.

أما اقتصادياً، فلا يمكن نسيان الإمبراطورية المالية الذهبية. يُقدّر خبراء اقتصاديون أن ثروة الملك “مانسا موسى” (الذي حكم بين 1312 و1337م) بلغت، بعد تعديلها وفقاً للتضخم والتغيرات الاقتصادية الحديثة، نحو 400 مليار دولار، أي أكثر بأضعاف من ثروة أي ملياردير معاصر. عندما قام برحلته الشهيرة إلى مكة عام 1324، اصطحب معه 60 ألف شخص وطناً من الذهب، لدرجة أنه تسبب في انهيار سوق الذهب في القاهرة لمدة عشر سنوات.

الحاضر.. نمو اقتصادي حقيقي وصورة مشوّهة

الحقيقة أن إفريقيا اليوم تشهد تحولاً صامتاً وسريعاً.

تشير بيانات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن 7 من أصل أسرع 10 اقتصادات نمواً في العالم خلال العقد المقبل ستكون إفريقية. رواندا على سبيل المثال، حققت نمواً اقتصادياً بلغ 9.4% في 2025. وفي إثيوبيا، توقع صندوق النقد الدولي نمواً بنسبة 10.2% في 2026، بفضل مشاريع البنية التحتية العملاقة.

لكن المفارقة المأساوية تكمن في “لعنة الموارد”. تمتلك إفريقيا أكثر من 30% من الاحتياطيات العالمية من المعادن الحيوية، مثل الكوبالت (70% من الإنتاج العالمي)، والبلاتين، والمنغنيز. هذه المعادن ضرورية لصناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية.

ومع ذلك، تُظهر دراسة حديثة منشورة في دورية Wiley Online Library (غطت الفترة من 1996 إلى 2022) أن هذه الثروة لم تترجم إلى رفاهية للمواطن العادي. ففي الدول ذات الحوكمة الضعيفة، تزامن ارتفاع عائدات التعدين مع زيادة في عدم المساواة وتدهور بيئي حاد. على سبيل المثال، يعيش عمال مناجم الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية على أقل من 2 دولار في اليوم، بينما تذهب أرباح المعادن إلى شركات تكنولوجيا عالمية. إنها صورة واضحة لنهب اقتصادي جديد.

المشكلة الأعمق.. من يروي القصة؟

تكمن الأزمة الحقيقية في التمثيل الإعلامي. حلل باحثون محتوى قنوات مثل CNN وBBC على مدار عام كامل، فوجدوا أن أكثر من 53% من التقارير عن إفريقيا كانت عن أخبار “قاسية”: انقلابات وهجمات مسلحة وكوارث طبيعية. يخلق هذا التحيز صورة ذهنية أحادية البعد، ويخفي حقيقة أن إفريقيا تضم أسرع أسواق الهواتف المحمولة نمواً في العالم، وأن مدناً مثل نيروبي (كينيا) أصبحت وادي السيليكون الإفريقي، حيث يسبق نظام الدفع عبر الهاتف “M-Pesa” الخدمات المصرفية التقليدية بسنوات ضوئية.

الخلاصة.. المطلوب شراكة لا شفقة

إفريقيا لا تحتاج إلى شفقة الغرب، ولا إلى حملات إغاثة عابرة. ما تحتاجه هو شراكة حقيقية، وأن تُمنح فرصة أن تحكي قصتها بنفسها، وليس من خلال مراسل أجنبي يصور المخيمات فقط.

القارة التي اخترعت نموذجاً أولياً للمضادات الحيوية قبل قرون، والتي بنت أعرق جامعات العالم في الرمال، قادرة اليوم على أن تكون قاطرة الاقتصاد العالمي القادم، لكن بشرط واحد: أن تتوقف ثرواتها عن التدفق إلى الخارج دون عائد عادل.

حان الوقت لنرى إفريقيا بعيون جديدة: ليس كقارة فقيرة بحاجة للمساعدة، بل كشريك استراتيجي متساوٍ في قيادة المستقبل.

Author محمود سيد محمد
باحث سياسي، عضو في المؤسسة المصرية للدراسات السياسية الاستراتيجية
↑