الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

“القبور الوهمية”.. مدافن بلا موتى لتهويد القدس

Author
آمنة الدبش 29 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، تنتهج سلطات الاحتلال الصهيوني سياسات متواصلة تهدف إلى تغيير الطابع التاريخي والديمغرافي للمدينة، ومن بين أكثر هذه السياسات إثارةً للجدل ما يُعرف بـ”القبور الوهمية” التي انتشرت في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة وبلدة سلوان، ضمن مساعٍ لفرض وقائع جديدة على الأرض، وترسيخ رواية تاريخية تخدم مشروع تهويد القدس، وتوسيع النفوذ الاستيطاني.

وفي المقابل تنفي سلطات الاحتلال هذه الاتهامات مؤكدةً أن أعمال إنشاء المقابر تتم وفق الإجراءات القانونية والدينية المعمول بها، وأنها تندرج ضمن مشاريع دفن نظامية، بينما تظل هذه القضية محل خلاف بين الرواية الفلسطينية والرواية الصهيونية.

تُعرف “القبور الوهمية” بأنها مدافن وشواهد قبور أقامتها سلطات الاحتلال الصهيوني في مدينة القدس المحتلة، تحمل أسماءً مكتوبة باللغة العبرية ورموزا دينية لإضفاء طابع أثري عليها، ولا تضم رفاتا بشرية، وتندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى بسط السيطرة على الأراضي الوقفية وأملاك الفلسطينيين وإعادة تشكيل المشهد التاريخي والبصري للمدينة بما يعزز الرواية الصهيونية ويطمس الهوية العربية والإسلامية للقدس.

وتنتشر هذه المدافن في محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك وعلى امتداد سفوح جبل الزيتون ووادي الربابة وبلدة سلوان حتى باتت جزءا من مشهد يراه المقدسيون يتوسع عاما بعد آخر. ويشير الباحثون في شؤون القدس إلى أن هذه الشواهد الحجرية لا تقتصر آثارها على تغيير ملامح المكان بل تُستخدم أيضا لفرض وقائع جديدة على الأرض بما يقيد التوسع العمراني الفلسطيني ويعزز الوجود الصهيوني في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة.

ويؤكد الباحثون أن سلطات الاحتلال أقامت منذ عام 1978 أكثر من 13 ألف قبر يُوصف بأنه “وهمي” يتركز نحو 32 بالمائة منها في بلدة سلوان نظرا لموقعها الإستراتيجي الملاصق للمسجد الأقصى في إطار فرض مشاريع التهويد وتغيير المعالم التاريخية والحضارية للقدس.

منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، انصب اهتمام المجتمع الدولي ووسائل الإعلام على التطورات العسكرية والكارثة الإنسانية في القطاع ما أدى إلى تراجع المتابعة الدولية لما يجري في القدس المحتلة. ويرى باحثون ومراقبون أن هذا الانشغال أتاح لسلطة الاحتلال المضي في تنفيذ مشاريع استيطانية وأثرية بوتيرة متسارعة مستفيدةً من انحسار الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي بالتطورات اليومية في المدينة.

بين ركام غزة وأحجار القدس تتبدل أدوات الصراع لكن الهدف يبقى واحدا: الإنسان والأرض والهوية، ففي الوقت الذي يواجه فيه قطاع غزة حربا خلّفت دمارا واسعا وخسائر بشرية جسيمة، تمضي القدس في معركة من نوع آخر تتجسد في محاولات متواصلة لإعادة تشكيل هويتها العمرانية والثقافية والدينية.

ومن التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتكثيف الحفريات وإقامة الحدائق التوراتية إلى توسيع المقابر اليهودية في محيط المسجد الأقصى وما يُعرف بـ”القبور الوهمية”، تتواصل وفق باحثين ومؤسسات مقدسية خطوات تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتغيير ملامح المدينة.

وإذا كانت غزة تدفع ثمن الحرب بالدمار وفقدان الأرواح، فإن القدس تخوض معركة على الذاكرة والتاريخ والهوية في ظل سياسات تسعى إلى إعادة صياغة المشهد المقدسي وترسيخ الرواية الصهيونية على حساب الإرث العربي والإسلامي للمدينة.

فالقبور الوهمية ليست مجرد مدافن بلا موتى بل هي جزء من مشهد أوسع تتقاطع فيه محاولات تغيير ملامح القدس مع واقع فلسطيني مثقل بالألم والصمود يواجه التهجير ومحاولات الاقتلاع من الجذور.. وبينما ينزف قطاع غزة تحت وطأة الحرب، يبقى شريان القضية الفلسطينية ممتدا إلى الضفة الغربية وأزقة القدس العتيقة.

وفي خضم هذا الصراع، يبقى السؤال الأكبر معلقا: أي رواية ستبقى محفورة في ذاكرة المكان؟ رواية تُفرض عبر تغيير المعالم وصناعة وقائع جديدة، أم رواية يحملها أهل المدينة ويحفظها التاريخ عبر الأجيال…؟