السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

القرن الإفريقي الكبير بين التنافس الدولي وعسكرة الممرات البحرية

Author
ربيعة خطاب 30 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

عاد مشروع “القرن الإفريقي الكبير” إلى واجهة النقاشات الجيوسياسية مع احتدام التنافس الدولي على مناطق النفوذ في شرق إفريقيا، خاصة في محيط البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية ونهر النيل.

فالتطورات المتسارعة في المنطقة، من القواعد العسكرية الأجنبية إلى مشاريع الموانئ والطاقة والنقل، تعكس تحوّل القرن الإفريقي إلى ساحة صراع استراتيجي بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب أدوار إقليمية متزايدة.

ولم يعد المشروع مجرد تصور جغرافي أو اقتصادي، بل بات يُنظر إليه كإطار لإعادة تشكيل موازين القوة وربط المصالح الأمنية والتجارية من البحر الأحمر حتى عمق القارة الإفريقية، في ظل تنافس على النفوذ والتحالفات والسيطرة على الممرات الحيوية.

وفي هذا السياق يقول محمد إدريس سانوزي، خبير النزاعات وشؤون قضايا الإرهاب، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إن هذا المشروع لم يعد مجرد تصور جغرافي أو اقتصادي، بل تحول إلى إطار استراتيجي واسع تتداخل فيه المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية للقوى الدولية الكبرى.

وأوضح سانوزي أن مفهوم “القرن الإفريقي الكبير” يتجاوز الحدود التقليدية للقرن الإفريقي المعروفة جغرافيا، ليمتد نحو البحر الأحمر وحوض النيل والمحيط الهندي وحتى عمق القارة الأفريقية، في محاولة لخلق فضاء استراتيجي موحد تتحكم فيه القوى الفاعلة بممرات التجارة والطاقة العالمية.

وأضاف أن المشروع يركز بصورة أساسية على السيطرة على المضائق البحرية الحساسة، وعلى رأسها مضيق باب المندب، باعتباره أحد أهم شرايين الملاحة الدولية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والتجارة العالمية.

وأشار محمد ادريس سانوزي إلى أن التنافس الدولي المحتدم بين الولايات المتحدة والصين وروسيا ساهم بشكل مباشر في إحياء هذا المشروع ودفعه إلى الواجهة من جديد، خاصة في ظل سعي كل قوة إلى توسيع نفوذها الإقليمي ومحاصرة نفوذ الأطراف المنافسة.

فواشنطن، بحسب سانوزي، تحاول الحفاظ على هيمنتها التقليدية على خطوط الملاحة الدولية ومنع خصومها من فرض معادلات جديدة في المنطقة، بينما تعمل الصين على حماية استثماراتها ومشروع “الحزام والطريق”، في حين تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها العسكري والسياسي في الممرات البحرية الحيوية.

وفي السياق ذاته، أكد سانوزي أن المنطقة أصبحت تشهد عسكرة متزايدة للبحر الأحمر نتيجة انتشار القواعد العسكرية الأجنبية وتنامي ظاهرة تأجير الموانئ الاستراتيجية، في خطوة تهدف إلى تأمين خطوط الشحن والتجارة الدولية، خاصة بعد التهديدات الأمنية الأخيرة التي مست حركة الملاحة البحرية.

ولفت المتحدث إلى أن هذا التنافس العسكري لا يقتصر على حماية المصالح الاقتصادية فحسب، بل يمتد إلى محاولة فرض توازنات جيوسياسية جديدة تجعل من المنطقة مركزا دائما للصراع الدولي.

كما تطرق سانوزي إلى ملف الأمن المائي، معتبرا أن أزمة سد النهضة الإثيوبي تحولت من قضية إقليمية تخص دول حوض النيل إلى ملف دولي تستخدمه القوى الكبرى كورقة ضغط واستقطاب سياسي.

وأضاف أن الربط بين استقرار حوض النيل وأمن البحر الأحمر يعكس توجها جديدا يعتبر المنطقة كتلة استراتيجية واحدة لا يمكن فصل أزماتها عن بعضها البعض، وهو ما يفسر حجم التدخلات الدولية المتزايدة في ملفات المنطقة المختلفة.

وحول التداعيات المستقبلية لهذا التحول، يرى محمد ادريس سانوزي أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم، إذ يمكن أن تتحول هذه المشاريع إلى فرصة حقيقية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين البنية التحتية والموانئ وربط الأسواق الإقليمية، غير أن الوجه الآخر لهذا المشروع يحمل مخاطر كبيرة تتعلق بتفاقم التدخلات الأجنبية وتحويل النزاعات المحلية إلى حروب بالوكالة تخدم مصالح القوى الدولية المتنافسة.

وأوضح سانوزي أن الدول الهشة في المنطقة قد تكون الأكثر عرضة لخطر التفتيت والانهيار في حال استمرار عسكرة الأزمات الداخلية واستغلال الانقسامات السياسية والعرقية من قبل القوى الخارجية.

كما حذر من أن تصاعد النشاط العسكري الأجنبي يمكن أن يؤدي إلى تراجع القرار السيادي للدول وتحويل بعض الحكومات إلى أطراف تابعة لمحاور إقليمية ودولية متصارعة.

وأشار سانوزي إلى أن المنظمات التقليدية مثل “الإيغاد” بدأت تفقد تدريجياً قدرتها على إدارة الأزمات الإقليمية، مقابل صعود تحالفات مؤقتة وبراغماتية تتشكل وفق المصالح الأمنية والاقتصادية الآنية.

ويرى أن هذا التحول يعكس حالة السيولة السياسية التي تشهدها المنطقة، حيث أصبحت التحالفات تخضع لحسابات المصالح المباشرة أكثر من خضوعها للرؤى الاستراتيجية طويلة المدى.

وأكد محمد إدريس سانوزي على أن مستقبل الاستقرار في القرن الأفريقي سيظل مرتبطا بقدرة دول المنطقة على بناء رؤية مشتركة تحمي سيادتها وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحات صراع دولي مفتوح، مشددا على أن غياب التنسيق الإقليمي الحقيقي سيجعل المنطقة أكثر عرضة للاضطرابات والتجاذبات الدولية خلال السنوات المقبلة.