الكاتبة التونسية غادة بن صالح لـ”الأيام نيوز”: “أكتب الرواية في عقلي وأترك للأيام أن تمنحني فرصة تجسيدها على الورق”

بدأت الكاتبة التونسية غادة بن صالح مسيرتها في عالم النشر والكتابة برواية دورين عن دار نشر سوتيميديا وإلى جانب شغفها بالقراءة والكتابة هي ناشطة حقوقية في المجتمع المدني٬ حيث تقول في هذا الحوار أنّ من أكثر المواضيع التي تلهمها للكتابة هي القضايا التي تناضل من أجلها كل يوم والأصوات التي قد تنجح الكتابة على الأقل في جعلها مسموعة.

 ـ دورين كانت روايتكِ الأولى، ما الذي تغيّر في غادة قبل كتابةِ هذه الرواية وبعدها؟

قبل دورين، كانت غادة تحلم بأن تكون كاتبة، بعد دورين أصبحت غادة كاتبة. لقد غيّرتني دورين من فتاة بلا هدف إلى فتاة تحمل حلما كبيرًا في قلبها وتسعى إلى تحقيقه. الكتابة كانت رفيقتي منذ سنواتي الأولى ودورين هي التشكيل الأمثل لتلك السنوات التي قضيتها في غرفتي وحيدة أقرأ الكتب وأغيّر نهاياتها وأخترع شخصيات جديدة في بلدان بعيدة. تلك الطفلة الصغيرة قد أصبحت شابة طموحة بعد دورين.

ـ ما الذي يختلف بين احتفاظ الكاتب النص لنفسه ومشاركتِه مع القراء؟

يبدأ كل كاتب علاقة أنانية مع مؤلفه الأول إلى أن يقرّر الكتاب التحرّر والانطلاق نحو عالم القارئ. حينما تكون العلاقة خاصة بين الكاتب وروايته، يكون الكاتب حرًا ومنطلقًا، يشبه الأمر بدايات علاقة حب مثيرة ثم تبدأ فورة الحماس بالخفوت شيئًا فشيئًا وعلى الكاتب إطلاق قصته الخاصة لتصبح ملكًا مشاعا للجميع، فتتحوّل القصة لتصبح قصة حب مكشوفة، ينصهر الكاتب في كتابه ويتبادل تلك القصة مع جمهور أكبر وأعرض من مساحته الخاصة.

هذه العلاقة بين الكاتب والقراء هي علاقة مثيرة وجميلة غير أنّ جزءً من حسرة خفيفة يبقى في قلب الكاتب الذي يجد نفسه مجبرًا على التخلي عن روعة الوحدة مع عمله الأول ليشاركه مع الجمهور. يشبه الأمر كثيرًا موقف الأم التي ستفارق طفلها الأول ليخطو خطواته بعيدًا عنها في العالم الواسع، هي سعيدة لأنّه يكبر يومًا بعد يوم ويستقل بنفسه ولكنها حزينة أيضًا لفقدانها تلك الخصوصية بينها وبين طفلها.

– ماذا علمتكِ دورين في الكتابة؟

علمتني دورين الصمود والثقة٬ بدأت كتابتها بعد عدة محاولات غير مكتملة وحينما انطلقت فيها انتابتني عدة مرات مخاوف وهواجس وشكوك كادت أن تجعلني أتوقف عن الكتابة. دورين شكّلت صورتي ككاتبة: شابة عشرينية تنجز أول عمل لها من 400 صفحة دون دعم أو تجربة سابقة وهي تشكّل الإنجاز الذي سأظل دائمًا سعيدة وفخورة به.

– هل يبدو لكِ أنّك عثرت على المواضيع والقضايا التي ستستمرين بالكتابةِ عنها أم أنّك تتركين ذلك للإلهام والأيام؟

أنا كناشطة حقوقية أتبنى مجموعة من القضايا منذ البداية قبل أن أبدأ الكتابة مثل قضية التمييز العنصري أو العنف ضد المرأة أو قضية الأقليات العرقية أو الجندرية وغيرها. ولكن الإلهام يخاطبني فعلاً في الشخصيات والأحداث التي أحاول ترصيفها لتكون مترابطة في عمل مكتمل.

أعتقد أنّ أغلب شخصياتي تشبهني وتعبّر عمّا أريد قوله في الواقع، لذلك أستقي من تجارب العمل أو التطوّع ما يجعلني أصنع شخصيات جديدة وحكايات جديدة. الكتابة الآن هي حالة ذهنية، أكتب الرواية في عقلي، وأترك للأيام أن تمنحني فرصة تجسيدها على الورق.

– من الكاتبة العربية أو الأجنبية التي تعتبرينها مثلكِ الأعلى في مسارها ككاتبة؟

أنا أحب كثيرًا الكاتبة التركية أليف شافاق وإن اختلفت معها في أعمالها الأخيرة٬ أعتقد أنّ تلك الكاتبة تمثّل الصورة التي أريد أن أكون عليها، كاتبة عالمية ومتحدثة في أهم المحافل والتظاهرات الدولية بالإضافة إلى نشاطها المجتمعي. أما بالنسبة إلى الكاتبات العربيات، أنا أحب كثيرًا الكاتبة رضوى عاشور ورائعتها الخالدة ثلاثية غرناطة.

– إن طلبت منك أن تخبريني عن رواية كتبها غيركِ وتمنيتِ أن تكوني أنتِ كاتبتها٬ ماذا تكون هذه الرواية؟

هناك روايات عديدة كنت أتمنى لو كنت أنا كاتبتها مثل حرير – نعاس – العطر – اسمي أحمر- أو قواعد العشق الأربعون وعناوين أخرى كثيرة. كقارئة نهمة، كنت أغرق في عالم الكاتب إلى درجة أنني أستحوذ على روايته عقليًا وأتمنى لو أستطيع الكتابة بتلك الطريقة. الآن أتعامل مع كل كاتب / كاتبة كمرشد(ة) روحي(ة) ويبدو لي بأنني مع كل قراءة جديدة أتعلم معرفة جديدة تمكّنني توظيفها في رواياتي فيما بعد.

– هل يوجد حقًا ما يسمى بالأدب النسوي وفيما قد تختلف كتابة الرجل عن المرأة في فن الرواية بالذات؟

أعتقد أنّ مصطلح الأدب النسوي قد نشأ مع النساء اللواتي أرسين مبادئ الدفاع عن المرأة والذود عن حقوقهن. لكن هذا لا يعني أنّ كل من تكتب تنتمي إلى هذا الجنس الأدبي. كناشطة في المجتمع المدني ومدافعة عن المساواة وحقوق الإنسان، أعتقد أنّ مصطلح الأدب النسوي فيه تفرقة ضمنية بين الرجال والنساء بما أنّه لا يوجد مصطلح الأدب الذكوري.

ولا أعتقد أنّ النساء أقل من الرجال في شيء في عالم كتابة الرواية. نعم عانت النساء قديما من التهميش والإقصاء والإبعاد والرفض والقمع وعدم الاعتراف، أمّا الآن فالقضايا التي تواجهها المرأة مختلفة، وربما يجب أن ننظر إلى الأدب بطريقة أخرى تتوافق مع تغيّر الواقع في علاقة بالمرأة. أنا كاتبة أنتمي إلى جنس الإنسانية وأؤمن بالاختلاف كما المساواة لذلك لا أعتقد أنني أعبّر عن الأدب النسوي بقدر ما أعتبر نفسي جزءً من الأدب الإنساني.

–  أخيرًا، كيف تتخيلين نفسكِ كإنسانة وككاتبة في عامك الثمانين؟

أتخيل نفسي بنظارات كبيرة وشعر رمادي، أحتفظ بنفس الفضول للمعرفة. ربما سأكون أسكن في كوخ بعيد أو منزل صغير وسط مزرعة أو حذو البحر وأكتب رواياتي الأخيرة. سأكون قد جلت العالم ورأيت كل ما أريد رؤيته. سيكون لي أحفاد أروي لهم مغامراتي وأفتح آفاقهم على أشياء أخرى أكبر من شاشات الهواتف.

أتخيل نفسي ألتحم مع الطبيعة أكثر وأقضي أيامي في ذلك الهدوء المشوب بالسعادة. أعتقد أنّ عمر الثمانين هو فرصة جديدة لأختبر مواضيع أخرى بعيدة عن فورة الشباب ومشاكل الحياة وربما سيكون لي الوقت لأكتشف جزءً آخر من ذاتي.