2025.12.04
الكاتب ابن الطبيعة.. حرّ ابن حرة! مقالات رأي

الكاتب ابن الطبيعة.. حرّ ابن حرة!


ترقص للعاصفة أحيانًا، وقد تقرر أن تنهار. تقدّم عطر شبابها دفعة واحدة، أو تشيخ قبل أن تتفتح. هي وردة لا تملك إلا رقتها، وبرقّتها هذه تجعلنا نحب الانتظار. حرّة، تسخى أحيانًا أو تؤجّل، لكننا ننتظرها، لأننا نعرف كيف يُبدع الحرّ حين يطلق لنفسه العنان.

مجدّدًا، لا تملك إلا رقّتها. فكيف بمن يملك العقل الذي يخطّط لألف وردة، والروح التي تستطيع أن تُلين ألف عاصفة لتعانق الألف وردة، والجسد القادر على زراعة الأرض؟

وكيف إذا كانت الحرية وقود الكنوز الثلاثة؟ هل هي محرّكهم فعلًا أم نتيجتهم؟ هي الاثنان ربما، لكن الأكيد أنّ الحرية هي نَفَس الإنسان، هي الحياة التي تدبّ فيه ليقوى حقًا على الحياة.

الحرية عقلٌ وقلب. هي الشعور بأن الكون يفتح لك ذراعيه، وأنك تبادله ذات العناق دون أن تصدّه. هي الوعي بأنك تستحقه، وأن استغلاله ذكاءٌ ونعمة. هي شهيقٌ رحيم؛ فحتى وإن كانت الهموم تقبع على صدرك، تختار أن تضحك مع أغنية لفيروز. ليست إيجابيةً تدّعي المثالية، بل اختيارٌ للحظة سعادة. ولا يختار إلا الحُرّ. هي أن يقول سبعة مليارات: "يمينًا"، فتقول أنت: "يسارًا".

الحرية عقل وقلب، هي الشعور بأن الكون يفتح لك ذراعيه، وأنك تبادله ذات العناق دون أن تصدّه. هي الوعي بأنك تستحقه، وأن استغلاله ذكاء ونعمة. هي شهيق رحيم، فحتى وإن كانت الهموم تقبع على صدرك، تختار أن تضحك على أنغام فيروز. ليست إيجابيةً تدّعي المثالية، بل اختيارٌ للحظة سعادة. ليست عنادًا، بل لأن الحرية ثقةٌ بأنّه لا يوجد احتمال واحد، ولا حقيقة واحدة.

الحرية أن تتقبّل السبعة مليارات، حتى وإن كنت على اليسار وحدك. ومن حكمته سبحانه وتعالى أنه خلق الكون رحبًا، ففتح الفضاء بسبع سماوات وما وراءها، وجعل الأرض بسبعة أعماق، ليقول لنا إن قلوبنا تشبه هذا الكون: متسعة دومًا لألف احتمال. دعوة لنفكر أبعد من القلب، لتكون العقول حفّارة لا تملّ من التنقيب.

الطبيعة ملهمة، والطبيعة نحن. منها تعلمنا قيمة الحرية، وتذوقنا جمالها حين تسرح عيوننا وقلوبنا في تمايل الشجر وأغاني الموج، فنعود أنقى وأرقى. وتعلمنا الذكاء أيضًا من انسجامها مع كل متغيّر حولها؛ فلا يتساقط الورق في الخريف صدفة، ولا ينحني الورد ضعفاً، بل انسجاماً مع بيئته ليعود أقوى.

الحرية لا تعني الانفصال عن الواقع أو التبرّؤ منه، بل فهم احتياجاته والتأقلم معه، حتى نوظّف أجمل ما فينا لخدمته وإصلاحه. ولو تجسدت الحرية، لكانت فصول السّنة؛ تقبل التأويلات والتعريفات والتبدلات المتعددة. فهي أيضًا تمرّدٌ على الواقع حين يخنق صاحبه بالأغلال.

أجمل الزهرات، تلك التي تنمو بين الثلوج، أو على جدارٍ أسمنتيٍّ قاسٍ. الحرية تعلّمك كيف تُطوّع المستحيل. وما يسرّ القيود فعليا هو ما يصنع الكاتب؛ فعندما يضيق المجتمع بأجنحة أحدهم، يتحوّل إلى كاتب.

الكاتب، قبل كل شيء، هو من يعرف معنى الحرية: أن يلعن الحبّ حرية، وأن يحبّ وطنه أكثر من نفسه حرية، وأن يقول ما لا يجرؤ الجميع على قوله حرية، وأن ينطق بلسان مجتمعٍ يخاف الحقيقة، تلك أيضًا حرية. فالحرية روح الشجاعة، والشجاعة روح الحرية.

الكاتب وجد في الطبيعة مُلهِمًا لأنه وجد فيها الحرية. تمرّد كبحرها، وترنّح بشعوره كزهورها. الكاتب ابن الطبيعة.. ابن الثرى، وابن الثراء الداخلي الذي لا يُرى، حرّ ابن حرة!

ولعلنا أبناءٌ عاقّون، نقصّ أجنحتنا من حيث لا ندري، ثم نعود فنحاول الطيران من جديد. خلقنا الله سبحانه وتعالى كواكبَ مصغّرة، لكننا نصرّ على التعامل مع اتساعنا كأنه قمقم.

نخنق كل فرصةٍ للإبداع حين نعتمد على البدائل التي نظنها أذكى، ونقارن بين عقلٍ أبدعه الله، وعقلٍ برمجته الآلات؛ مقارنةٌ ظالمة منذ بدايتها. ومع ذلك، نختار الأقل تفاؤلاً.. أو ربما الأقل وعيا. فالذكاء الاصطناعي اليوم يبدو كديكورٍ للحرية، لكنه في جوهره لا ينطق بما تختاره حريتنا، بل بما يختاره مبرمجوه.

ولعلّ من أغرب الظواهر التي تغزو عالمنا الأدبي اليوم أن شاعرًا أو كاتبًا يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليكتب عنه. لعلّه لا يدري أن الكتابة تحليقٌ من نبضةٍ إلى نبضة، ومن ضحكةٍ إلى دمعة. فكيف يستبدل كاتبٌ سماءه بطبقٍ ضيّق؟ ربما لأننا نحب فكرة إصدار الأوامر، لكننا ننسى أن الحرّ لا يعترف بالخَدَم، لأنه يؤمن أن الحرية هي الكرامة ذاتها.

في زمنٍ نخلع فيه هويتنا، ونجري وراء قشور الحرية، ينبغي أن ندرك أن الحرية لا تعني ارتداء ما لا يشبهنا، بل انتقاء ما يرتقي بنا. ليس كل ما يلمع في الغرب ذهبًا؛ فالصدق أيضا يلمع.

الحرية لا تعني أن نتخلى عن فرصة أن نلمع، بل أن نقيّمها ونمتلك ميزاننا الخاص، لنتقن لاحقًا صناعة الذهب الحقيقي.. وتصديره.