الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

الكتاب الجزائري خارج الحدود.. انتشار عربي أم غياب عن القارئ المحلي؟

Author
هارون عمري 26 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يكشف توجه عدد من الكتّاب الجزائريين إلى دور نشر عربية في القاهرة وبيروت والسعودية وغيرها من دور النشر عن رغبة مشروعة في الوصول إلى قارئ أوسع، والاستفادة من الحضور في المعارض وشبكات النقد والتوزيع الإقليمية، غير أن طباعة الكتاب خارج الجزائر تضعه أحيانا أمام مسار معاكس، إذ يصل إلى السوق الوطنية بكميات محدودة وتكلفة مرتفعة، وقد يرتبط حضوره بموعد صالون الجزائر الدولي للكتاب، ثم يغيب بقية السنة عن المكتبات ونقاط البيع. 

ويرى مدير دار نشر خيال رفيق طيبي أن الناشر الأجنبي لا يوفر عادة توزيعا منتظما لأعمال الكتّاب الجزائريين داخل بلدهم، وأن ارتفاع أسعار النسخ المطبوعة في الخارج يقلص فرص وصولها إلى القارئ المحلي، ويضع تطوير القطاع أمام مسؤوليات مشتركة تشمل خفض تكلفة صناعة الكتاب، وإعادة الاعتبار للإعلام الثقافي، وتحديث أدوات الناشرين، وإنشاء شبكة توزيع تعمل طوال العام وتربط دور النشر بالمكتبات والجامعات والولايات. 

كتاب محلي يطبع خارج حدوده 

ينظم القانون رقم 15-13 المؤرخ في 15 جويلية 2015 أنشطة وسوق الكتاب في الجزائر، ويشمل التأليف والنشر والطباعة والتوزيع والتسويق والاستيراد والتصدير، ويؤكد هذا الإطار أن الكتاب يمر بسلسلة اقتصادية مترابطة، وأن إخفاق حلقة التوزيع يحد من أثر العمل الذي تحقق في الكتابة والتحرير والطباعة، مهما كانت قيمته الأدبية أو العلمية.  

ويبحث الكاتب حين يتجه إلى ناشر عربي عن عبور الحدود ودخول مكتبات ومعارض وأسواق يصعب الوصول إليها بصورة فردية، وقد تمنحه الدار الأجنبية غلافا محترفا وحضورا إعلاميا وفرصة للمشاركة في فعاليات عربية، غير أن النتيجة تتوقف على طبيعة عقد النشر، وعدد النسخ المطبوعة، وخطة التوزيع، والبلدان التي تغطيها الدار، وحجم الاستثمار الحقيقي في الترويج. 

ويحتاج الكاتب قبل توقيع العقد إلى معرفة ما إذا كان الناشر يملك موزعين فعليين أو يكتفي بالمشاركة في المعارض، وما إذا كانت النسخ ستدخل الجزائر بصورة منتظمة، ومن يتحمل الشحن والتخليص والرسوم، وكيف تحتسب المبيعات والحقوق، فعبارة «توزيع عربي» قد تشير أحيانا إلى عرض محدود داخل مكتبة واحدة أو جناح موسمي، ولا تعني بالضرورة وجود الكتاب في عدة دول. 

كما يتعين تحديد حقوق النسخة الورقية والرقمية والصوتية والترجمة، والمدة والإقليم وعدد النسخ وكشوف المبيعات، وقد عالج اللقاء الوطني للناشرين الشباب، الذي نظمته وزارة الثقافة والفنون في ماي 2025 ومثله أيضًا في 29 جوان 2026، موضوعات عقد النشر والإيداع القانوني وحماية المؤلفات ودور الوكيل الأدبي وتحديات الرقمنة، وهي عناصر أساسية لتنظيم العلاقة بين الكاتب والناشر داخل الجزائر وخارجها. 

النشر الخارجي لا يضمن قارئا عربيا 

في تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال مدير دار نشر خيال رفيق طيبي إن موضوع النشر في الخارج تحيط به أخطاء غير مقصودة، موضحا أن الناشر الأجنبي يحرم القارئ الجزائري من عمل الكاتب المحلي بطريقتين، أولاهما ارتباط حضور الكتاب بمعرض الجزائر الدولي، في غياب توزيع أجنبي منتظم داخل البلاد أو مشاركة مستمرة في المعارض المحلية وخدمات التوصيل التي يعتمدها الناشر الجزائري. 

وأضاف أن الكتب الجزائرية الصادرة لدى دور أجنبية تصل بأسعار مرتفعة تبلغ أضعاف تكلفة نشرها بإمكانات محلية، ما يؤدي إلى إبعاد النص الجزائري عن قارئه الأول، وتدخل في السعر تكاليف الطباعة بعملة أجنبية والشحن والتأمين والتخزين وهوامش الوسطاء، وقد تظهر مصاريف إضافية عند إدخال كميات صغيرة لا تستفيد من وفورات الشحن الجماعي. 

ويرى طيبي أن نسبة كبيرة من الكتّاب الذين اختاروا النشر في الخارج اعتقدوا أنهم سيخلقون قارئا عربيا لرواياتهم، بينما بقي تداول كثير من الأعمال محدودا في قراءات مجاملاتية يقدمها نقاد أو كتّاب تربطهم صلات بدار النشر، باستثناء تجارب قليلة استطاعت الوصول إلى جمهور فعلي. 

ولا يمكن تعميم هذه النتيجة على جميع دور النشر العربية، إذ تختلف قدراتها وعقودها وأسواقها، غير أن المعيار المهني يبقى قابلا للقياس من خلال عدد المكتبات التي وصل إليها الكتاب، والنسخ المباعة، والمراجعات المستقلة، والحقوق الثانوية التي جرى تسويقها، واستمرار توفر الإصدار بعد انتهاء المعرض. ويصبح اسم الدار أقل أهمية من شبكة عملها وشفافية تقاريرها. 

المعرض موسم بيع لا شبكة توزيع 

أقيم صالون الجزائر الدولي للكتاب لسنة 2025 بين 29 أكتوبر و8 نوفمبر، بمشاركة واسعة من الناشرين الجزائريين والعرب والأجانب، ويؤكد حجم التظاهرة قدرتها على جمع الكتب والقراء في مكان واحد، لكنه يوضح في الوقت نفسه الفارق بين حدث يستمر أياما وسوق ينبغي أن تعمل على مدار السنة. 

يوفر المعرض للناشر سيولة ومبيعات مباشرة ولقاءات مع المؤلفين والقراء، غير أن الاعتماد عليه وحده يدفع دور النشر إلى تأجيل عناوينها نحو الموسم، ثم تدخل في فترة ركود بعده، كما يتحمل القارئ القادم من ولاية بعيدة تكاليف النقل والإقامة أو يحرم من الإصدار إذا نفدت نسخه ولم يصل لاحقا إلى مكتبة قريبة. 

وتتطلب السوق الدائمة موزعا وطنيا أو تجمعات جهوية تجمع كتب عدة ناشرين في مخازن مشتركة، ثم تزود المكتبات وفق طلب موحد، ويقلل هذا النموذج تكلفة الشحن على الدار الصغيرة، ويمنح صاحب المكتبة فهرسا واسعا وموردا واضحا، كما يسمح بإعادة النسخ غير المباعة وفق اتفاقات تجارية محددة. 

وأعلنت وزارة الثقافة والفنون في جانفي 2025 توجها لتوسيع المعارض الدورية والمعارض المستمرة داخل مكتبات المطالعة العمومية، ودعم مكتبات بيع الكتب، وتسهيل تنظيم المعارض في مختلف المناطق، مع تشبيك المكتبات القطاعية ورقمنة التعاملات المرتبطة بالكتاب، ويمكن لهذه الإجراءات أن تدعم التوزيع إذا تحولت إلى برنامج دائم بمواعيد ومسؤوليات وبيانات مبيعات معلنة.  

شبكة وطنية تبدأ من بيانات دقيقة 

تحتاج الجزائر إلى قاعدة رقمية موحدة تعرض الكتب المتوفرة وبياناتها وأسعارها ومخزونها ومكان بيعها، ويستفيد منها القارئ في البحث والطلب، والمكتبي في معرفة الإصدارات الجديدة، والناشر في متابعة حركة النسخ، والموزع في تخطيط الشحن نحو الولايات التي تسجل طلبا فعليا. 

ويبدأ التنظيم باعتماد الرقم الدولي للكتاب والباركود والفاتورة وكشف المخزون، ثم إنشاء منصة مهنية تسمح للمكتبات بطلب إصدارات عدة دور في شحنة واحدة، ويمكن تقسيم التوزيع إلى أقطاب جهوية في الوسط والشرق والغرب والجنوب، مع أيام ثابتة للتسليم ونظام واضح للمرتجعات وهوامش البيع وآجال الدفع. 

وتملك مكتبات المطالعة العمومية قدرة على تقريب الكتاب من المناطق التي لا تتوافر فيها مكتبات تجارية، من خلال فضاءات عرض وبيع منفصلة عن وظيفة الإعارة، تنظم وفق قواعد تحفظ المنافسة وتتيح مشاركة الناشرين بالتساوي، وقد أعلنت الوزارة العمل على تشبيك هذه المكتبات وتوسيع فضاءات عرض كتب الناشرين طوال السنة، وهو مسار يحتاج إلى منصة شراء وفهرسة وتوزيع تربط المؤسسات بجميع الولايات.  

كما يمكن إشراك الجامعات والمدارس والمراكز الثقافية والبريد والمؤسسات الناشئة في خدمات الطلب والتوصيل، وتفيد المعارض الولائية المتنقلة في التعريف بالعناوين، بينما تضمن المكتبة والمنصة استمرار توفرها بعد مغادرة القافلة، ويحتاج كل نشاط ممول عموميا إلى مؤشر يقيس النسخ الموزعة والولايات المغطاة وتكلفة إيصال الكتاب، عوض الاكتفاء بعدد الأجنحة والزوار. 

تكلفة الصناعة تضيق قاعدة القراءة 

قال طيبي إن قيام الناشر الجزائري بدوره يرتبط بدعم الإعلام الثقافي الذي فقد مساحة لصالح محتويات لا تخدم الثقافة العميقة، وبمساندة المنتجات الأولية الداخلة في صناعة الكتاب ووضع رؤية تخفض تكلفته، مشيرا إلى أن شراء كتاب قد يساوي دخل يومي عمل انطلاقا من الأجر الوطني القاعدي. 

وتتأثر التكلفة بسعر الورق والحبر والطباعة والتجليد والنقل والتخزين وحجم السحب، وكلما طبع الناشر عددا قليلا ارتفعت تكلفة النسخة، فيما يحمل السحب الكبير خطر بقاء المخزون من دون بيع عند غياب التوزيع. لذلك تشكل المعلومات الدقيقة عن الطلب وسرعة المبيعات أداة اقتصادية تساعد على تحديد عدد النسخ وإعادة الطبع عند الحاجة. 

وتقدم وزارة الثقافة برنامجا لدعم الكتاب يستفيد منه المؤلفون والناشرون وفق شروط وملفات مخصصة، كما دعت المستثمرين والمؤسسات الناشئة إلى دخول صناعة الكتاب ومراحلها المختلفة، ويمكن توجيه جانب من الدعم إلى التحرير والترجمة والتسويق والتوزيع، وربط الاستفادة بخطة تضمن وصول النسخ إلى عدد محدد من الولايات والمكتبات.  

ويحتاج الكتاب المطبوع في الخارج إلى مسار جمركي ولوجستي واضح يسمح بإدخال حصص المؤلف والنسخ التجارية بكلفة معقولة، مع التمييز بين الاستيراد التجاري والنسخ المخصصة للمؤلف أو النشاط الثقافي، ويمكن لاتفاقيات بين الناشرين الجزائريين والعرب أن تسمح بالطباعة المحلية المرخصة، فتصل النسخة بسعر يناسب القدرة الشرائية مع حفظ حقوق جميع الأطراف. 

الناشر الحديث يدير حياة الكتاب 

أكد طيبي حاجة الناشرين إلى تحديث وسائلهم وطرق تعاملهم وترويجهم للكتب، معتبرا أن ذلك قادر على خلق حركية تجارية وتعميق رسالة الناشر الحضارية، ويشمل التحديث المتجر الإلكتروني وخدمة التوصيل وقواعد بيانات القراء والنشرات البريدية والمحتوى المرئي واللقاءات المتنقلة، إلى جانب التواصل المنتظم مع المكتبات. 

ويحتاج كل إصدار إلى خطة تبدأ قبل الطباعة، تحدد جمهوره وسعره ورسالة الغلاف وقنوات البيع والمراجعين المحتملين والولايات المستهدفة، كما يفيد إرسال نسخ للصحافة الثقافية والجامعات ونوادي القراءة، وتنظيم مناقشات حقيقية تتناول العمل نقديا، لأن الظهور الإعلامي المدفوع بالمجاملة لا يصنع طلبا مستمرا. 

أما التوزيع العربي، فيمكن تطويره عبر تبادل الحقوق بين الناشرين والطباعة حسب الإقليم، وإنشاء كتالوج جزائري موحد باللغات العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، والمشاركة المهنية في أسواق النشر، وتكوين وكلاء أدبيين يتفاوضون على الترجمة والنشر وإعادة الطبع. وقد وضع اللقاء الوطني للناشرين الشباب دور الوكيل الأدبي والرقمنة وحماية الحقوق ضمن الملفات المطروحة لتطوير القطاع.  

كما أنه لن يصبح الكتاب الجزائري متاحا بصورة مستدامة بمضاعفة عدد العناوين وحدها، تتشكل السوق عندما يعرف الناشر أين توجد نسخه، ويستطيع المكتبي طلبها، ويجدها القارئ في ولايته أو تصله بسعر معقول، ويحصل الكاتب على كشف واضح بحقوقه، عند اكتمال هذه الدورة، يتحول المعرض إلى محطة ضمن العام، ويصبح التوزيع نشاطا يوميا يصل الأدب الجزائري بقارئه المحلي والعربي. 

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"
↑