الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الكنيست يُشرعن “العدالة الانتقامية”.. قانون على المقاس يفضح عنجهية الاحتلال الصهيوني


لم يعد ما يجري داخل “منظومة القضاء” في الكيان الصهيوني، يُقرأ باعتباره مجرد تعديل قانوني أو إجراء قضائي استثنائي، بل بات يُثير تساؤلات متزايدة حول تحوّل “العدالة” إلى أداة تُوظف في سياق الانتقام والعقاب.

فبعد مصادقة الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، بالقراءتين الثانية والثالثة، على مشروع قانون خاص بمحاكمة معتقلين فلسطينيين بزعم صلتهم بعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت التحذيرات من أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام محاكمات استثنائية وأحكام قد تصل إلى الإعدام، في ظل تراجع الضمانات القانونية المرتبطة بالمحاكمة العادلة.

في هذا السياق، أجمع كل من المحلّل السياسي الفلسطيني، سعيد محمد أبو رحمة، والمحلّل السياسي أيوب عرفي، في حديثيهما لـ”الأيام نيوز”، على أن هذا القانون يعكس توجها انتقاميا ذا أبعاد سياسية وأمنية، أكثر من كونه سعيا لتحقيق “العدالة” وفق المعايير القانونية المتعارف عليها.

وفي هذا الصدد، أفاد أبو رحمة بأن مشروع القانون الذي صادقت عليه الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، بالقراءتين الثانية والثالثة، والمُتعلق بمحاكمة معتقلين فلسطينيين بزعم علاقتهم بأحداث السابع من أكتوبر 2023، يعكس توجها يقوم على تكريس مقاربة انتقامية أكثر من كونه إجراء قانونيا يستند إلى معايير العدالة التقليدية.

نزعة انتقائية مرتبطة بالهوية الوطنية والسياسية للمعتقلين

وأوضح أبو رحمة أن هذا القانون يأتي في سياق تعبئة داخلية إسرائيلية مرتبطة بتداعيات السابع من أكتوبر، حيث يسعى اليمين الإسرائيلي إلى إظهار قدر أكبر من التشدد والعقاب تجاه المعتقلين الفلسطينيين، وهو ما يجعل البعد السياسي والإيديولوجي حاضرا بقوة في صياغة هذا “المسار القضائي”.

وأضاف أن تخصيص مسار قضائي استثنائي لفئة محددة من المعتقلين يثير تساؤلات جدية حول مبدأ المساواة أمام القانون، خاصة إذا كان هذا المسار يهدف مسبقا إلى تشديد العقوبات وفتح الباب أمام أحكام قد تصل إلى الإعدام.

وشدد في السياق ذاته، على أن القوانين الاستثنائية غالبا ما تُوظف في سياقات الحرب أو الأنظمة الاستعمارية لتجاوز الضمانات الأساسية، مثل الحق في محاكمة عادلة وافتراض البراءة وحق الدفاع الكامل، وعدم خضوع القضاء للضغوط السياسية والشعبوية.

وأشار المتحدث إلى أن إدراج عقوبة الإعدام في هذا السياق يعكس توجها عقابيا انتقاميا أكثر من كونه سعيا لتحقيق العدالة، لافتا إلى أن الكيان الصهيوني وإن كان يمتلك تشريعات تتيح الإعدام نظريا في بعض الحالات، إلا أنه امتنع تاريخيا عن تطبيقه بشكل واسع، ما يجعل إعادة طرحه اليوم بحق الفلسطينيين تحديدا مؤشرا على نزعة انتقائية مرتبطة بالهوية الوطنية والسياسية للمعتقلين.

ونوّه أبو رحمة إلى أن هذا المسار يعزز الاتهامات التي توجهها منظمات حقوقية للاحتلال الصهيوني بشأن تعامله مع القضاء ضمن إطار أمني-استعماري، وليس كمنظومة قانونية محايدة ومتساوية، مضيفا أن هذه المحاكمات الاستثنائية في سياق النزاعات غالبا ما تُفسر باعتبارها شكلا من “عدالة المنتصر”، خاصة عندما تكون السلطة القضائية جزءا من منظومة دولة قائمة بالاحتلال.

وشدد محدثنا على أن القانون لا يقتصر على كونه تعديلا إجرائيا داخل النظام القضائي الإسرائيلي، بل يعكس تحوّلا نحو توظيف القضاء في خدمة أهداف سياسية وانتقامية، بما يضعف مفهوم العدالة ويعزز منطق العقاب المرتبط بالقوة والسيطرة أكثر من ارتباطه بالمعايير القانونية الدولية.

استعادة “هيبة الردع” بأي ثمن

من جانبه، يرى المحلّل السياسي، أيوب عرفي، أن مصادقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون خاص بمحاكمة معتقلين فلسطينيين متهمين بالمشاركة في عملية طوفان الأقصى بتاريخ السابع من أكتوبر 2023، لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة قانونية عادية، بل تندرج ضمن مسار سياسي وأمني، يعكس توجها انتقاميا أكثر منه سعيا لتحقيق العدالة.

وأوضح عرفي في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ما يجري يمثل تحوّلا في وظيفة القضاء داخل الكيان الصهيوني، حيث لم يعد يُنظر إلى العدالة باعتبارها سلطة مستقلة تُنصف وتضمن المحاكمة العادلة، بل كأداة تُستخدم لإدارة الصراع وفرض الردع السياسي.

وأبرز أن هذا المسار القضائي الاستثنائي جاء في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، في سياق سعي حكومة بنيامين نتنياهو وتحالفات اليمين المتطرف إلى استعادة “هيبة الردع” بأي ثمن.

وأشار المتحدث إلى أن القانون يفتح الباب أمام محاكمات مُسرعة تقوم على معايير إثبات مُخففة، مع إمكانية إصدار أحكام بالإعدام، معتبرا أن ذلك يعكس توجها نحو الوصول إلى أقصى العقوبات بدل البحث عن ضمانات المحاكمة العادلة أو التحقق الدقيق من التهم.

ونوّه عرفي إلى أن هذا القانون لا يمكن فصله عن المشهد العام في الأراضي الفلسطينية، في ظل الحرب المتواصلة على قطاع غزة، وما يرافقها من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب وسياسات تهجير، مؤكدا أن الحديث عن “قضاء عادل” يفقد معناه في ظل هذا السياق السياسي والإنساني المتوتر.

كما يرى المتحدث أن خطاب المقاومة الفلسطينية عاد ليبرز كنتاج مباشر لهذا الواقع، في وقت بقيت فيه قضايا جوهرية، على غرار حق العودة، دون حلول حقيقية رغم سنوات من المسارات التفاوضية.

وفي سياق متصل، اعتبر عرفي أنّ الصمت العربي تجاه هذه التطورات يثير تساؤلات عميقة، لافتا إلى أن المواقف الرسمية العربية بدت خجولة وغير قادرة على ممارسة ضغط سياسي أو قانوني فعّال لوقف هذه السياسات.

وذكر المحلّل السياسي أن موجة التطبيع التي تسارعت، خلال السنوات الأخيرة، خاصة في إطار الاتفاقيات الإبراهيمية، ساهمت في تخفيف العزلة السياسية عن الاحتلال، ما أتاح تمرير سياسات أكثر تشددا دون مواجهة ضغوط إقليمية حقيقية.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد أيوب عرفي أن الخطر لا يكمن فقط في مضمون القانون، بل أيضا في البيئة السياسية التي سمحت بمروره، في ظل تصاعد مسارات التطبيع، واستمرار الصمت الإقليمي، متسائلا عما إذا كان بالإمكان بناء “شرق أوسط جديد” على حساب العدالة والحقوق الفلسطينية.

خلفيات القانون

يُشار إلى أن مشروع “إعدام الأسرى”، يُمثل امتدادا لمسار تشريعي قديم حاولت حكومات الاحتلال الصهيوني المتعاقبة تمريره منذ سنوات، خصوصا مع صعود التيار القومي والديني المتطرف داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.

ففي عام 2022 طُرح المشروع لأول مرة بصورة موسعة، قبل أن يحصل على القراءة التمهيدية عام 2023، ثم عاد بقوة إلى الواجهة خلال عام 2025 بعد مصادقة لجنة الأمن القومي عليه، وصولا إلى إقراره النهائي بأغلبية كبيرة داخل الكنيست.

وبحسب القانون الجديد، ستُقام محكمة عسكرية خاصة في القدس، على أن تُقسَّم ملفات المحاكمة جغرافيا بحسب مناطق الهجوم، مثل “بئيري” و”نير عوز” و”مهرجان نوفا”، فيما يُتيح التشريع توجيه تهم تُصنف ضمن “أخطر الجرائم” في قانون الاحتلال الإسرائيلي، وهي التهم التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.

ويأتي هذا التطور وسط تصاعد غير مسبوق في الخطاب الإسرائيلي اليميني المتطرف، بقيادة وزير الأمن القومي للاحتلال، إيتمار بن غفير، وبدعم مباشر من رئيس وزرائه، بنيامين نتنياهو، في ظل أجواء انتقامية أعقبت طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، الذي شكّل صدمة أمنية وعسكرية وسياسية غير مسبوقة داخل الكيان الصهيوني.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي