الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الكيميائي الذي فجّر النور في وجه الظلام.. 111 شمعة على قبر الشهيد “موريس لابان”

Author
حميد سعدون 30 أكتوبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

قبل 71 عاما، وفي ليلة استثنائية خلدها تاريخ البطولة الإنسانية، وقف موريس لابان – طالب الكيمياء – على شرفة منزله في بسكرة، يحدّق في الأفق المظلم حيث تتحرك ظلال صامتة لثوار شجعان، يخفق قلبه من أجلهم، بعد أشهر أمضاها في تجهيز عبوات متفجّرة مستفيدا من معرفته العلمية، حين امتزجت العبقرية بروح الابتكار والسرية بالإخلاص للوطن: من بسكرة إلى الأوراس، ومن مدريد إلى بني بودوان في الشلف، سار موريس بين الدخان والرصاص، بين الفكرة والجمرة، يقاتل جنبا إلى جنب مع رفاقه متحدّيا كل المخاطر حتى استُشهد في 5 جوان 1956. واليوم، يعيد فيلم «الغصّة» للمخرج خالد شنة إحياء قصة البطل الذي اختار العدالة بالدم والشجاعة، تاركا إرثا خالدا من التضحية والانتماء الصميمي.

ليلة الفاتح من نوفمبر 1954، وقف طالب الكيمياء موريس لابان — المولود قبل 111 عاما في مثل هذا اليوم 30 أكتوبر — على شرفة منزله في بسكرة، يحدق في الأفق المظلم حيث كانت تحركات الثوار الجزائريين تتسارع في صمت، استعدادا لانطلاق الثورة ضد الاستعمار الفرنسي. قلبه يخفق بين الحماس والأسف لكونه لم يتمكّن من الالتحاق بإخوته في الميدان، وهو الشاب الذي أمضى أشهرا في إعداد عبوات متفجرة مستخدما معرفته العلمية والأسمدة الفلاحية المتوفرة في مزرعته لصنع البارود، ومشاركا في تحويل أجزاء من أسفل المزاريب المطرية المصنوعة من الحديد المصبوب، إلى أجسام قنابل جاهزة للانفجار.

في تلك اللحظات، – امتزجت المعرفة العلمية بروح الابتكار، والسرية بالإخلاص للوطن – لتتحول خبرته إلى شرارة أشعلت ليل الثورة وأطلقت صدى النضال في ربوع الجزائر. ولم تنتهِ – كما لم تبدأ – مسيرة هذا البطل عند تلك الليلة؛ فقد انخرط في معارك ميدانية جنبا إلى جنب مع الجزائريين، متحديا كل المخاطر في سبيل قضية الحرية. واستُشهد في 5 جوان 1956 مع رفاقه الخمسة — بينهم هنري مايو — قرب جبال الونشريس، فصارت دماؤهم رمزا خالدا للوحدة والتضحية، شامخة فوق الانقسامات العرقية والوطنية، ومشعّة لأجيال تتعطش للعدالة والإنسانية.

ورغم أن النسيان لحق به، أعادت السينما حياته بقوة حين جسد المخرج خالد شنة رحلته في فيلم «الغصّة»، الذي لا يكتفي بسرد قصة موريس، بل يضع المشاهد أمام شجاعة وتضحية رجل اختار الوقوف مع المستضعفين، مؤكدا لأجيال اليوم أن البطولة لا تموت، وأن الذاكرة الحية للأمة تحفظ أولئك الذين جعلوا الحرية واقعا. وعلى أمل أن يجد الفيلم طريقه قريبا إلى شاشات بيوت الجزائريين، تكرس «الأيام نيوز» في هذا العدد، عبر 3 صفحات، الضوء على البطل الشهيد، مستعرضة تفاصيل حياته ونضاله، ومقدمة قراءة حول شجاعته كما يُبرزها الفيلم وتؤكدها وثائق المؤرخين وشهادات رفاق الدرب وورثة الجرح من عائلته.

دم واحد يروي قصتين                                 

في خريف عام 1914، عند ضفاف نهر الآين في شمال شرق فرنسا، كان عشرات الآلاف من الجزائريين يخوضون معارك الدفاع عن باريس ضد الزحف الألماني. هؤلاء جندتهم فرنسا قسرا ليقاتلوا على أرض غريبة، بل هي أرض أعدائهم، في ظل برد قارص، وبين نيران المدافع وطلقات الرصاص المتساقطة بلا هوادة.

وفي لحظة، تمثل مكر التاريخ ومأساويته، سقط شاب من الأوراس، لم يتجاوز العشرين من عمره، قتيلا برصاصة نازية اخترقت صدره. رفع عينيه نحو السماء، فتبدت له جبال الأوراس البعيدة، حيث وطنه الذي لم يُسمح له بالدفاع عنه. بقي الشاب ينزف، ومع كل نفس يلفظه كانت صورة الوطن تتلاشى، وحين استسلم للموت تماما أظلم الأفق في عينيه، لكن ليس إلى ما لا نهاية. ذلك أنه في تلك اللحظة بالذات، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، أضاء أفق آخر حين تفتحت عينا طفل وليد على ضوء يوم هادئ في واحات بسكرة.

لقد مات الشاب الذي كان بوسعه أن يصبح بطلا من أجل بلاده، وولد البطل الذي كان يمكن أن يصبح استعماريا عنصريا لولا أن نداء الإنسانية في قلبه حوّله، من ابن لأبويْن معمرين فرنسيين، إلى بطل جزائري سيحمل تناقضات القرن العشرين في حياته: سيرفع السلاح في وجه فرنسا ويستشهد مناديا باسم الجزائر الحرة، إنه موريس لابان، الذي نستعيد تفاصيل قصته البطولية بعد مرور 111 عاما على ميلاده، ومرور 71 عاما و4 أشهر و25 يوما على استشهاده.

الثورة انطلقت يا موريس

وُلد في 30 أكتوبر 1914، في زمن كانت فيه الجزائر تخضع لسطوة الاستعمار الفرنسي، ليكبر بين مفارقات الانتماء والعدالة: عمل معلّما، وانخرط في الحزب الشيوعي، لكنه تجاوز لاحقا حدود الإيديولوجيا ليصغي إلى نداء آخر، أعمق وأصدق: نداء الحرية في أرض لم تولد له لكنها صارت وطنه.

استقرت عائلة لابان في مدينة بسكرة، عاصمة الواحات، حيث أصبح موريس معروفا بشجاعته الفكرية وعلاقاته الواسعة مع المثقفين والمناضلين الجزائريين. ومع اقتراب خريف عام 1954، وجد نفسه في قلب التحضيرات التي سبقت اندلاع الثورة التحريرية. إذ تروي مذكرات المجاهد الهاشمي طرودي أن موريس كان من القلائل الذين اتصل بهم الشهيد مصطفى بن بولعيد سرّا قبل أول نوفمبر، وطلب منه المساعدة في إعداد المتفجرات باستخدام الأسمدة الكيميائية التي كان يحصل عليها كمزارع.

كانت مزرعته في ضواحي بسكرة مركزا سريا لتجهيز الأسلحة: رجال من الأوراس يأتون ليلا لتسلّم البارود دون علم رفاقه في الحزب الشيوعي، في مشهد يوضح إدراك موريس العميق أن ما يجري ليس مجرد “تمرد” كما تدّعي السردية الفرنسية، بل لحظة فاصلة في تاريخ الجزائر. فقد اختار الانخراط بعمق، مؤمنا أن العدالة لا تُصنع بالشعارات، بل بالمواقف العملية والملتزمة.

ويروي طرودي أن أحد رفاقه، أخبره بعد الاستقلال أن موريس وبن بولعيد كانا يصنعان القنابل الأولى من الأنابيب الحديدية التي تُجمع خفية من بيوت الأوروبيين في بسكرة. وفي ليلة 31 أكتوبر 1954، بينما كان سكان بسكرة يحاولون التخفيف من حرارة الليل على أسطح منازلهم، دوّى انفجار من جهة محطة القطار معلنا بداية زمن جديد: هرع موريس إلى السطح رفقة جار جزائري لتهدئة السكان، مدركا أن ما سمعه لم يكن انفجارا عرضيا، بل الشرارة الأولى لثورة ستغيّر وجه التاريخ.

بعدها بأيام، دعا موريس رفاقه إلى اجتماع سري في شقته، حضره نحو 15 شخصا من بينهم نائب شيوعي. ويذكر طرودي، الذي كان حاضرا، أن موريس استهله بالقول: هيا يا “الهاشمي، أخبرنا بما يجري”. فأجابه طرودي بثقة: “الثورة انطلقت يا موريس. إنها ليست شغبا ثوريا، بل بداية النهاية للاستعمار.”

تلك الكلمات لم تكن مجرد نقاش سياسي، بل إعلان ولادة موقف. عندها – كما يورد المؤرخ جان لوك إينودي في كتابه: “Un Algérien: Maurice Laban” – بدأ موريس يتعامل مع الثورة باعتبارها حرب استقلال حقيقية، لا “حركة تمرد”، قال وقتها لمن حوله: “إنها ثورة تحرير، ولن أقف على الحياد”.

بالفعل، تواصل موريس عبر قنوات سرّية مع قادة الثورة في الأوراس، خصوصا مصطفى بن بولعيد، الذي أبلغه – كما يذكر إينودي – برغبته في أن يكون إلى جانبه نائبا عسكريا في الميدان. وقد وافق موريس بحماس، غير أن قيادة الحزب الشيوعي الجزائري، المترددة آنذاك، أبلغته أنه “ممنوع تماما من التحرك”.

لكن موريس، الذي قاتل في صفوف الألوية الدولية في الحرب الأهلية الإسبانية دفاعا عن الجمهورية ضد الفاشية، لم يكن الرجل الذي يطيع صمتا. شرع في جمع الأسلحة القديمة من رفاقه الإسبان في الجزائر، وأرسلها إلى الأوراس عبر وسطاء محلّيين. ومع تصاعد القمع الاستعماري في الأوراس، كانت قرى بأكملها تُقصف وتُدمّر كما حدث في «جمورة»، حيث كان موريس يدرّس. وقد روى أحد المظليين الفرنسيين لاحقا أن القرية “ذابت من على الأفق تحت نيران المدافع”، في مشهد يلخص وحشية الحرب التي اختار موريس أن يقف فيها في صفّ الضحايا لا في صفّ جلاديهم.

أوروبي في جسده وجزائري في روحه

لم يكتف لابان بالمقاومة الصامتة. ففي رسالة مفتوحة نُشرت مطلع عام 1955 في صحيفة «ألجيه ريبوبليكان»، انتقد بشجاعة الجيش الفرنسي وفضح عنصريته، متسائلا: “كيف نمدح من يحتلّون أرض شعب يقاتل من أجل كرامته؟ أليس هؤلاء الجنود أنفسهم من يرتكبون ما فعله الألمان في فرنسا؟”. كان ذلك الإعلان الصارخ بمثابة قطيعة نهائية مع فرنسا الاستعمارية، وإعلان انتماء روحي كامل إلى الجزائر.

بالإضافة إلى عمله العسكري، لعب موريس دورا بارزا في التفكير الاقتصادي والسياسي للجزائر المستقلة. كتب تحليلات حول الوضع الاقتصادي الصعب، مؤكدا أن الاستقلال شرط أساسي لتصنيع البلاد وتوفير العمل والحياة الكريمة. حاول تنفيذ مشروع لاستخراج أملاح البوتاس من شط «مروان»، وسعى إلى تأسيس شركة، لكن الاحتكار الفرنسي أحبط جهوده.

في أوائل 1955، صعدت الخلافات بين الحزب الشيوعي الجزائري ومبادرة الثورة المسلحة، إذ أصر الحزب على عدم الانخراط المباشر، بينما قرر موريس دعم الثورة “بشفافية”، عبر تزويد الثوار بالمعدات والتخطيط وتنسيق العمليات. هذه الخطوة أبرزت جرأته وإيمانه العميق بالقضية، وقد وصفته بعض المصادر بأنه “أوروبي في جسده وجزائري في روحه”.

في مارس 1955، شارك موريس في الانتخابات الجزئية ببسكرة، مدافعا عن استقلالية الجزائر ونضالها الجماعي، ورفض المقاربات التي تصور الجزائر أمة قيد التكوين تنتظر توجيه القوى الخارجية. كما أكد أن الشعب الجزائري يجب أن يعتمد على قوته، سواء عبر المقاومة المسلحة أو الإحتجاجات والمظاهرات، لتأكيد سيادته وتحقيق العدالة.

مع تصاعد الخطر، اضطر موريس عام 1955 للانتقال من مخبأ إلى آخر، محافظا على دوره كمخطط ومشارك فعال في المقاومة، ومنسقا الدعم المادي مع القيادة السرية للحزب الشيوعي. وفي صيف نفس العام، لجأ إلى منطقة القبائل الصغرى، حيث واجه مجتمعا محافظا وأحيانا عدائيا تجاه الأوروبيين، لكنه كسب احترام السكان بفضل شجاعته ومعرفته الزراعية، وأصبح ملاذا للأطفال والشباب للتعلم والمشاركة في النشاطات الثقافية والرياضية، رغم التوترات الأمنية.

مع نهاية عام 1955، عاد موريس إلى الجزائر العاصمة بعد طرده من بسكرة، متنقّلا بين المخابئ في العاصمة ومناطق الأوراس، محافظا على توازن دقيق بين واجباته الأسرية ونشاطه الثوري. فقد أُرسل ابنه وزوجته إلى فرنسا في عملية سرية بالغة الخطورة، حفاظا على سلامتهما بعدما بات الخطر يتهددهما بشكل مباشر. وفي تلك المرحلة، تحوّلت منطقة الأوراس إلى ساحة عمليات شديدة الخطورة، إذ كثّف الجيش الفرنسي استهدافه للقرى والمدرسين والشيوعيين المحليين. ومع ذلك، واصل موريس تقديم الدعم اللوجستي والتخطيط للعمليات، مستفيدا من خبرته العسكرية السابقة، خاصة التي اكتسبها خلال الحرب الأهلية الإسبانية، في توجيه المقاتلين وتأمين حمايتهم، كما بدأ يخطط للالتحاق بالجبال والانخراط ميدانيا في صفوف الثورة.

مع بداية عام 1956، أصبح حضور موريس في ساحة القتال أكثر بروزا، إذ انضم رسميا إلى صفوف جيش التحرير الوطني في الأوراس، وشارك في عمليات تكتيكية استهدفت مواقع الجيش الفرنسي. وقد عُرف بين رفاقه من الثوار بلقب «مسعود» – الاسم الذي يحمل في طيّاته بشارة “السعد” – تقديرا لشجاعته وكفاءته العسكرية.

في صباح يوم 5 جوان 1956، بلغ مسار موريس لابان ذروته المأساوية في قلب الثورة الجزائرية، حين وقع في كمين محكم نصبته قوات فرنسية كبيرة مدعومة بحركى من أتباع باشاغا بوعلام، بالقرب من قرية لامارتين – الكريمية حاليا – على جبل الدراج بمنطقة أورليانزفيل، المعروفة باسم شلف حاليا. وكان موريس ضمن مجموعة صغيرة من المجاهدين، من بينهم بلقاسم حنون، موساوي جيلالي، وعبد القادر زلماط، وقد احتموا بغابة كثيفة على مرتفع – دوار بني بودوان – يتيح لهم مراقبة المنطقة المحيطة، وهناك، تكشّف حجم الخطر الذي واجهوه وضآلة فرص النجاة من ذلك الحصار القاتل.

بدأت أحداث ذلك اليوم ببعض التوتر؛ فقد تأخر أحد أعضاء المجموعة الذي ذهب لشراء المؤن، ما أثار قلق البقية، فقررت المجموعة تعزيز الحراسة قبل التحرك. وفي لحظة لاحقة، داهمت القوات الفرنسية الموقع، وبدأت المعركة غير المتكافئة. في هذه اللحظات الحرجة، وقف موريس في العراء محاولا فتح طريق لهروب رفاقه، وأطلق النار على الجنود، لكن رصاصهم قتله على الفور، وصور الاحتلال وجهه وهو مشدود بتعبير مرير يليق بمأساة إنسان اختار القتال من أجل الجزائر.

كان اللحظة الأخيرة شاهدا على شجاعته وإيمانه العميق بالوطن؛ فقد رفض الانصياع للعدو، تماما كما فعل رفيقه هنري مايو الذي أُجبر على الصراخ “تحيا فرنسا!” فرد قائلا: “تحيا الجزائر المستقلة!” قبل أن يسقط برصاصة، في مشهد يكاد يجسد فلسفة حياة موريس بأكملها؛ فالجزائر، أرض ولادته واختياره، كانت محور انتمائه والتزامه الوطني.

الحفر بالصورة

لم يكن استشهاد موريس حدثا محليا عاديا، بل جاء في سياق سياسي مزدحم بالأحداث؛ ففي نفس اليوم، بدأت صحيفة «لوموند» في باريس نشر تقرير «خروتشوف» السري أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، ما خلق صدى دوليا يربط بين الوعي العالمي وانخراط موريس المحلي في الثورة.

كما شهدت الجزائر في الأيام التالية اجتماعات حاسمة بين ممثلي جبهة التحرير الوطني والحزب الشيوعي الجزائري لدمج مجموعات المقاومين في صفوف جيش التحرير الوطني، ما يبرز دور موريس في الانتقال من العمل الفردي السري إلى بنية منظمة للثورة.

بالنسبة إلى عائلته، كانت الصدمة مضاعفة. تلقت زوجته أوديت وابنه الصغير النبأ عبر مكالمات هاتفية متفرقة، بينما تصدّرت أخبار استشهاده صفحات الصحف الفرنسية بعناوين متناقضة، أغلبها وصفه بالخائن — في تغطية عكست الصراع النفسي والسياسي لتلك الحقبة. غير أن تلك الأخبار نفسها كشفت أن موريس لم يكن مجرد أوروبي شارك في الثورة، بل كان جزائريا في الفكر والروح، مخلصا للقضية حتى الرمق الأخير. ولذلك انتقمت منه فرنسا حتى بعد استشهاده، إذ نعتته بالخائن، في حين كان الجميع في الجزائر يصفه بالبطل.

بعد استشهاده، بدأت مرحلة تكريم إرثه، رغم محاولات التعتيم على اسمه. فقد نُقلت رفاته بعد سنوات إلى مقبرة لامارتين، لتصبح لاحقا جزءا من مربع الشهداء، حيث يرمز قبره المجهول الاسم إلى المجاهدين الأوروبيين الذين اختاروا جزائرهم وطنا وشاركوا بوعي كامل في ثورة التحرير. واحتفظت زوجته أوديت بذاكرته حية، وهي تروي لابنه تفاصيل الأحداث التي لم يشهدها، ليبقى إرث موريس لابان خالدا في الذاكرة العائلية والجماعية.

إن حياة موريس، حتى لحظة استشهاده، كانت سلسلة من التضحيات التي جسّدت فجر الثورة الجزائرية وروح الانتماء الكامل إلى الأرض والشعب. فمن بسكرة إلى الأوراس، ومن الفكرة إلى الفعل الثوري، رسم موريس أنموذج الجزائري الذي يختار وطنه ويهب حياته من أجل حريته. ترك إرثا خالدا، لا بصفته معلما أو مقاتلا شيوعيا فحسب، بل كجزائري كامل الروح، متجذر في ثورة مجيدة، وصانع لروح الاستقلال منذ بداياتها الأولى.

من هنا، وُلدت فكرة توثيق سيرته على الشاشة الكبيرة، لنسج ذاكرة حيّة تربط بين الماضي والحاضر، بين الألم والغصّة، بين الحقيقة المنسيّة والاعتراف المستحق. ومن هذا المنطلق، بدأ المخرج خالد شنة منذ أكثر من أربعة أعوام مشروعه السينمائي الذي يحمل عنوان «الغصّة»، في محاولة لإعادة إحياء تجربة موريس لابان، وفهم الإنسان الذي اختار أن يقف إلى جانب شعبه، متحديا الاستعمار، ومؤسِّسا لقيم راسخة من الولاء والانتماء.

وفي بسكرة – المدينة التي يحمل أحد شوارعها اسم موريس لابان – وُلد خالد شنة عام 1985، ونشأ في طولقة، المدينة التي احتضنت بداياته وشهدت أولى تجاربه مع الصحافة والتصوير. منذ طفولته، أظهر شغفا عميقا برصد الواقع بعدسته، فبدأ مساره كمراسل ومصوّر صحفي عام 2013، قبل أن يضع آلة الحفر جانبا ليمسك بالكاميرا، ويقود المشاهد في رحلة بصرية مغايرة. هناك، في فضاء الصورة، اكتشف شنة شكلا جديدا من الحفر؛ حفر ينسج الفلسفة ويكتب التاريخ بالضوء والظل.

تعلم شنة السينما بطريقة عصامية، فشرع في كتابة وإخراج وإنتاج أفلامه الوثائقية الطويلة، محققا نجاحات ملحوظة على الصعيدين العربي والدولي. فقد عرض أول أعماله الوثائقية «صقر الصحراء» عام 2017 في مهرجان مدنين الدولي للأفلام الوثائقية بتونس، وحصد الجائزة الفضية لأفضل فكرة وسيناريو. تلاه فيلمه «ليلة النار» عام 2019 الذي نال الجائزة الكبرى في مهرجان زاكورة الدولي للأفلام الوثائقية، قبل أن يحقق فيلم «مصوري» – إنتاج شنة وإخراج أحمد تونسي – الفوز بالجائزة الأولى في مسابقة الجزيرة الوثائقية عام 2021. اليوم، يضع شنة اللمسات الأخيرة على فيلمه الوثائقي الجديد «الغصة»، المتوقع عرضه مطلع 2026، وهو مشروع ينبع من شغفه بالذاكرة الوطنية والبحث عن العدالة التاريخية.

اختار شنة تسمية فيلمه «الغصة» ليجسد الألم العميق الذي يعتصر التاريخ، والقلق الناتج عن فقدان العدالة وعدم تثمين تضحيات شخصيات مثل موريس لابان، الذي يمثل حلقة رمزية في حوار الذاكرة بين فرنسا الاستعمارية والجزائر المتطلعة إلى المستقبل. يصف شنة الفيلم بأنه “مثل عظم عالق في حلق التاريخ: لا ابتلاع ولا بصق.. ملف مفتوح، كلما حاولت السياسة إغلاقه، انفتح بالدموع وبالألم وتصريحات اليمين المتطرف في باريس”.

من إسبانيا إلى بني بودوان

في حديث خص به «الأيام نيوز»، كشف شنة عن مراحل إنتاج الفيلم: “تعرفت على موريس لابان أثناء إعداد فيلمي (ليلة النار) عام 2019، وذكرت اسمه ورفيقه شباح المكي، لكن القصة كانت تتطلب عمقا أكبر، فلم يكن يليق بحجم حياة موريس إلا فيلم يتناول سيرته بالكامل، مع التركيز على فلسفة الحرية التي عاشها”.

ويضيف: “بدأت المشروع عام 2022 بشكل مستقل ودون تمويل، مع توثيق شهادات الشهود والأماكن التي مر بها موريس، منذ ولادته في بسكرة، مرورا بدراسته في الجزائر وباريس، وتجربته في الحرب الأهلية بإسبانيا، وصولا إلى استشهاده في الشلف. ومع كل خطوة شعرت بقلق يشبه قلقه تجاه الحرية، كأنني أعيد إحياءه ودفنه مجددا بكرامة وإنصاف”.

كانت لقاءات الفريق مع حفيدة موريس، ماتيلد لابان في باريس، لحظة محورية: “وقفت على عمق الجرح والغصة المتوارثة طيلة 69 عاما، وحالة الإنكار واللاعدالة التي لحقت بعائلته في فرنسا، ومن هنا بدأت صياغة رؤية جديدة للعمل، لإعادة بناء عناصر القصة وإيصالها للجمهور بطريقة إبداعية”.

وذكر شنة، أن المجاهد حميد غراب وصف موريس لابان بأنه “رجل عاش مثله العليا بعمق، لم يخدع نفسه أو الآخرين، وقدم ببساطة كبيرة تضحية بحياته، لأنه كان يعتقد أنه لا خيار آخر. من إسبانيا إلى بني بودوان، كان دائما الرجل المستقيم، يحب الصادقين ويحتقر الزيف”.

يسعى شنة من خلال الفيلم إلى تسليط الضوء على شخصية لابان، الذي تخلى منذ صباه عن عباءة المعمرين الأوربيين واختار الوقوف إلى جانب الشعب الجزائري، متحديا الاستعمار ومؤسسا لمبادئ الأخوة والانتماء، قصته تتشابك مع بطولات مناضلين آخرين، إلا أن غالبية الجزائريين يجهلون سيرته، مما دفع شنة لتكريس جهوده لتوثيق هذه البطولات وإعادتها إلى الوعي الجماعي.

الفيلم ليس مجرد عمل تاريخي، بل هو فعل أخلاقي وفني، كما يوضح شنة: “لا أصنع هذا الفيلم لإضافة اسم آخر إلى سجل الأبطال، بل لأتوجه نحو جرح لا يريد أن يندمل، جرح يخص الوطن بأكمله. السؤال الذي يطاردني منذ صغري: كيف يختار إنسان لا ينتمي بالدم إلى هذه الأرض أن ينتمي إليها بالروح، حتى حد التضحية بحياته؟ وهذا السؤال هو الغصة التي أحاول تصويرها”.

الوثائقي يرصد تجربة لابان في الدفاع عن حقوق العمال الجزائريين، انخراطه في الحزب الشيوعي الجزائري، وتحرره من القيود الأبوية والإيديولوجية ليصبح ناشطا مستقلا يسعى لإعادة تأسيس المبادئ الوطنية: “لقد شجع هؤلاء العمال على الاحتجاج ضد الظلم، وكانت تلك البداية الحقيقية لمشروع حياته الكبير”.

الفيلم لا يكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل يعيد الإنصات إلى الماضي، عبر كاميرا تصور ارتجاف الإنسان حين يقول “لا” للظلم، وتوثق البطولة والإخلاص للقيم كثورة. إنه شهادة على أن الحرية ليست شعارا، بل ممارسة يومية، وعلى أن الذاكرة ليست مجرد ما نتذكره، بل ما نرفض أن يندثر.

يُجسّد الممثل أمين حاج لعروسي شخصية موريس لابان، مقدّما أداء يمزج بين التمثيل والتوثيق التاريخي باحترافية لافتة. وهو ممثل جزائري شاب تخرّج من المعهد العالي للفنون الدرامية بالمسرح الوطني الجزائري، حيث صقل أدواته في الأداء وتعبير الجسد. شارك في مهرجانات وورشات احترافية متخصّصة في التمثيل والمونودراما والكوريغرافيا، ما أكسبه تنوّعا فنيا وقدرة على الانتقال السلس بين الخشبة وعدسة الكاميرا.

اشتغل أمين في أعمال مسرحية وسينمائية وإشهارية، وجسّد شخصيات متعددة على غرار كابتشينو، والمحقق حسان، وشخصية ابن رشد على المسرح. وفي هذا العمل، يجسّد دور الشهيد موريس لابان في الفيلم الوثائقي السينمائي “الغُصّة”، مستحضرا إنسانيته وعمق قضيته.

وُلد أمين بمدينة المسيلة ويبلغ من العمر 34 سنة. درس الاقتصاد في الجامعة، غير أن علاقته بالفن بدأت مبكرا خلال المرحلة الثانوية، من خلال مشاركته في أول فيلم له حول حياة المناضل العربي بن مهيدي. كانت بداياته المسرحية من المسيلة ضمن الجمعيات والمؤسسات الثقافية المحلية، قبل أن يتجه لاحقا نحو التجربة الاحترافية في المسرح والسينما، حيث صقل موهبته وأثبت قدرته على تجسيد الأدوار ذات البعد التاريخي والإنساني.

واجه شنة وفريقه تحديات كبيرة على مدى أربع سنوات، من جمع الوثائق والصور والتحقيقات الفرنسية، لكنه استمر مدفوعا بإيمانه بسحر السينما في إعادة الحياة لموريس ومنحه إنصافه. ويسلط شنة الضوء أيضا على أزمة الإنتاج السينمائي في الجزائر، حيث عانى القطاع من غياب التمويل والدعم، ما حدّ من الأعمال التي تتناول حياة أبطال الثورة، قبل أن تشهد الفترة الأخيرة تحولات إيجابية بدعم من الرئيس عبد المجيد تبون، وفتح أبواب التمويل العمومي واستحداث قوانين للفنانين.

يؤكد شنة أن “الغصة” ليس مجرد فيلم عن الماضي، فموريس يمثل الإنسانية التي تفرض وقوف الإنسان إلى جانب أخيه لاستعادة حريته. كما يواصل شنة مشاريع أخرى، منها فيلم عن الفنانة العالمية باية محي الدين بعنوان “باية.. زهور وطيور”، لإبراز الفن الجزائري وحماية تراثه.

يمتد فيلم “الغصة” لأكثر من 100 دقيقة، ويعيد الاعتبار لتجربة موريس لابان، الذي أصبح إرثا من الحزن والفكر والقيم النبيلة، شهادة على أن العدالة التاريخية ممكنة عبر إعادة سرد القصة بشكل صحيح للجيل الحالي والأجيال القادمة. وفي النهاية، يقدم “الغصة” أنموذجا فريدا لتفاعل السينما مع الذاكرة التاريخية، حيث يتحول الفيلم إلى مرآة لمواجهة آلام الماضي، والاعتراف بالتضحيات، واستعادة الهوية الوطنية والإنسانية.

“صقر الصحراء” و”ليلة النار”

إلى جانب فيلمه الجديد “الغصّة”، يملك المخرج خالد شنة رصيدا من الأعمال الوثائقية التي شكّلت ملامح تجربته الفنية، أبرزها “صقر الصحراء” و”ليلة النار”. كلا العملين يمثلان محاولة عميقة لاستعادة ذاكرة المقاومة الجزائرية، من خلال لغة سينمائية تمزج بين التوثيق والدلالة البصرية والفكرية.

يروي فيلم “صقر الصحراء” سيرة البطل الجزائري مخلوف مخلوفي بن قسيم، أحد أبناء الزيبان الذين حوّلوا مهارة الصيد إلى موهبة في القتال والتخطيط العسكري. لقد عُرف منذ شبابه بدقته في التصويب وبساطته في العيش، لكنه حين انضم إلى صفوف الثورة عام 1955، تحوّلت تلك الصفات إلى مقومات قائد ميداني شجاع.

يتتبع الفيلم مسار الشهيد منذ بداياته في مدينة طولقة، مرورا بمشاركته في معارك جبل محارقة تحت قيادة العقيد سي الحواس، وصولا إلى استشهاده في 30 ديسمبر 1961 بعد أسره من قبل الجيش الفرنسي. وفيلم “صقر الصحراء” ليس مجرد سيرة بطولية، بل هو تكريم بصري لرموز الثورة الذين كتبوا تاريخهم بالدم لا بالحبر، واحتفاء بذاكرة الزيبان كمنطقة أنجبت قادة صنعوا أمجاد الجزائر وخلّدوا أسماءهم في وجدان الأمة.

أما الفيلم الوثائقي “ليلة النار” فيتناول واحدة من أهم المحطات المفصلية في مسار الكفاح المسلح بمنطقتي الأوراس والزيبان، مهد الشرارة الأولى لثورة التحرير. يستعيد العمل بدايات الوجود الاستعماري الفرنسي في المنطقة منذ عام 1844، وما تبعه من مقاومات متلاحقة، قبل أن ينتقل إلى ليلة الفاتح من نوفمبر 1954، حين نفّذت مجموعة من المجاهدين هجمات منسّقة على مواقع استراتيجية بمدينة بسكرة، معلنة انطلاق الثورة الجزائرية.

لا يكتفي الفيلم بسرد الوقائع العسكرية، بل يغوص في الدوافع الإنسانية والسياسية التي فجّرت تلك اللحظة التاريخية، مسلّطا الضوء على ذاكرة الصحراء الجزائرية التي طالما غابت عن السرد البصري الرسمي للثورة. وهكذا فإن “ليلة النار” بهذا المعنى ليس مجرد وثيقة تاريخية، بل قراءة فنية في روح المقاومة الجزائرية، ومحاولة لإعادة رسم وجه الوطن من زاوية الضوء الأولى التي أطلقت فجر الحرية.