اللاجئون.. هكذا صنعت الجزائر بصمتها الإنسانية

على غرار باقي دول العالم، تستقبل الجزائر سنويًّا أعدادًا كبيرة من اللاجئين، كونها بلد عبور حاضنة لحركات الهجرة المختلطة التي تتنامى بسبب حدّة الاضطرابات السياسية والنزاعات بمناطق متفرقة من العالم، لاسيّما من إفريقيا كالنيجر، والمنطقة العربية كسوريا.

وصادقت الجزائر على اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وبروتوكول لعام 1967، فضلاً عن اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969 التي تنظم الجوانب المحدّدة لمشاكل اللاجئين في إفريقيا، والتي تلزمها باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية.

بيد أن الجزائر ليس لديها قانونا وطنيا شامل بشأن اللجوء، وريثما يُؤسَّس نظام لجوء وطني، تقوم وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) بتسجيل طالبي اللجوء وتحديد وضع اللاجئ لأولئك الذين ينشدون الحماية الدولية داخل الجزائر.

هذا، وقال رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في وقت سابق خلال رئاسته لمجلس الوزراء، إنه يعتزم تسوية أوضاع العمال المهاجرين وتحديد اللاجئين والمهاجرين من جنوب الصحراء بهدف منحهم بطاقات رسمية لتمكينهم من العمل، فإلى أين وصل هذا المشروع؟

الأساس القانوني موجود

قال الناشط الحقوقي والمحامي، منير قتال: “إن الجزائر كما لا يخفى على أحد، تُدّين كافة أشكال وأنواع انتهاكات حقوق الإنسان، وتشجب السياسات والممارسات التي تقوضها، وتنظر إلى قضية اللاجئين على أساس أنها قضية دوليّة، تندرج ضمن أولويات اهتماماتها، وهي قضية تستدعي تعاون وتكاتف بين جميع أعضاء المجتمع الدولي”.

وأوضح المحامي قتال، في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “أن الجزائر تهتم بشدّة بحقوق اللاجئين على أراضيها، وترى أن مسؤولية حمايتهم هي مسؤولية يشترك فيها الجميع، إذ تسعى الجزائر إلى صياغة قانون يحمي هذه الفئة، خاصةً وأنها تتوفر على الأساس القانوني لحماية اللاجئين على أراضيها”.

وتابع: “كما تتوفر على التنظيم الإداري للاجئين في الجزائر، حيث تعمل على مراعاة أبعاد القوانين الدولية فيما يتعلق بمسألة اللاجئين، كما تحاول الجزائر إعادة بعث وصياغة تشريعات خاصة بهذه الفئة، والعمل على تبني أسس قانونية واضحة، والسعي من أجل تطبيق الاتفاقيات والقوانين كاتفاقية 1951، وأيضا القانون 08-11، ومحاولة إحداث توازنات كفيلة بتحقيق سبل التعاون الدولي فيما يخص شؤون اللاجئين”.

وفي هذا الصدد، أشار الناشط الحقوقي، إلى أن الجزائر، تولي هذه الفئة أهمية بالغة، على غرار مساهمات مؤسسة الهلال الأحمر الجزائري في هذا الإطار، من خلال توفير مخيمات ومراكز إقامة وإيواء تابعة له خاصة بفئة اللاجئين.

كما تعمل الجزائر بكل أجهزتها في السر والعلن على ترقية حقوق اللاجئين، حيث اعتمدت الجزائر بمقتضى المرسوم رقم 274-63 مستحدث لمكتب خاص على مستوى وزارة الشؤون الخارجية، ويعمل هذا المكتب على تحديد شروط الاعتراف بصفة اللاجئ، أيضا القانون 08-11 الخاص بوضعية الأجانب في الجزائر، الذي يهدف أساسا لضمان الحماية اللازمة للاجئين، يضيف-قتال-.

في سياق ذي صلة، قال: “إن هناك جملة من التحديّات الدولية عرقلت نوعا ما تقدّم صياغة قانون خاص باللاجئين في الجزائر، إذ ينبغي أولاً دراسة هذه التحديّات وتحليلها، ثم إعادة صياغة الرؤى وإعادة تقييم التعاون الدولي مع اللاجئين، ومن ثم وضع برنامج لحماية اللاجئين بشقيه السياسي والإنساني على الأراضي الجزائرية”.

وفي هذا الشأن، يرى الناشط الحقوقي، أن هذه المسألة تكتسي نوعا من الصعوبة، وهي بحاجة إلى خبرات وآليات جديدة، لتحديد النظرة القانونية لإشكالية إعادة التوطين، على سبيل المثال، وإعادة اللاجئين إلى أوطانهم، وأيضا توفير الحاجيات الضرورية لهم، كالخدمات الاجتماعية والحياتية على غرار المأوى والغذاء والطاقة، الرعاية الصحية والتعليم، وسبل كسب الرزق كذلك، باعتبارها أساسيات لابد من توفيرها.

وأضاف: “لمواجهة مشكل اللّجوء والنزوح القسري لا بدّ من أساس قانوني يكون فاعلا دوليا وموضحا لكل الآليات والأجهزة الضرورية الضامنة لذلك، والجزائر، ترى أن التعامل مع قضية اللاجئين يكون بمنظور إنساني أولاً، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى”.

واسترسل قائلاً: “تجدر الإشارة هنا إلى أن الجزائر انضمت تقريبا إلى كل الاتفاقيات التي تحمي فئة اللاجئين، على غرار اتفاقية 1951 لحماية اللاجئين المحددة للحقوق والالتزامات الخاصة بحماية اللاجئ وشؤونه أيضا البروتوكول التطبيقي 1967 الذي اهتم بالجانب الإنساني لمشكلة اللاجئين”.

جهود حثيثة لحماية حقوق اللاجئين

من جانبه، يرى الرئيس السابق للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، مختار بن سعيد، أن الجزائر أخذت على عاتقها حماية حقوق اللاجئين المتواجدين على أراضيها وفق ما تنص عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية التي انضمت إليها في وقت سابق، في انتظار صياغة قانون وطني شامل خاص بحماية هذه الفئة.

وفي هذا الصدد، قال بن سعيد في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “إن الجزائر تعمل على توفير كل الظروف من أجل حماية حقوق اللاجئين، من خلال توفير المخيمات ومراكز الإيواء والإقامة”، وتابع: “إن السلطات العليا في البلاد دائما ما تسعى من أجل أن تكون لها بصمة إيجابية فيما يتعلق بملف «اللاجئين»، لاسيما أولئك القادمين من إفريقيا باعتبار أن الجزائر جزء لا يتجزأ من القارة السمراء”.

وفي سياق ذي صلة، قال بن سعيد: “إن الاهتمام بحقوق اللاجئين والعمل على توفير الرعاية والمأوى لهم، خاصةً فيما يتعلق بالسماح لهم بالتسجيل في المدارس الحكومية في البلاد، يندرج في إطار السياسة الخارجية العامة التي تنتهجها الجزائر”.

هذا، وأشار الرئيس السابق للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، إلى أن الجزائر تَمتثل للقوانين الدولية فيما يخصّ ترحيل اللاجئين الذين قد يشكلون خطرا على أمن واستقرار البلاد، على غرار أولئك الذين ينخرطون في جماعات ترتكب أفعالا قد تكون خارجة عن القانون، على غرار التسّول والنّصب والاحتيال وغيرها تجدر الإشارة إلى أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالجزائر، تأخذ على عاتقها تحديد وضع اللاجئ في الجزائر، ريثما يصدر قانون خاص بذلك.

وتحمي المفوضية الأشخاص الذين أجبروا على الفرار من ديارهم بسبب النزاع والاضطهاد، وتقدم لهم الدعم الحيوي وتحمي حقوقهم وتساعدهم على بناء مستقبل أفضل، كما تقدم المفوضية وشركاؤها بالعاصمة الجزائرية، مساعدة وخدمات متخصصة تكميلية (التعليم، والعنف القائم على نوع الجنس، والصحة، وحماية الطفل، وخدمات صحة الأم والطفل، والخدمات القانونية، والمساعدة المالية المتعددة الأغراض، ودعم سبل العيش) للاجئين وطالبي اللجوء، مع التركيز على ذوي الاحتياجات الخاصة وتشجيع المشاركة المجتمعية.

أما في مخيمات اللاجئين الصحراويين، تقدّم المفوضية استجابة إنسانية حيوية تسهل الوصول إلى الصحة والمياه والتعليم وسبل العيش والطاقة والأمن الغذائي والمأوى الكريم، مما يضمن مشاركة النساء والفتيات والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.