“اللباس المدرسي المُوحّد”.. المبادرة التي تُغري الجزائريين

لاقت مبادرة اعتماد “زي مدرسي مُوحّد” في عدد من مؤسسات التعليم الابتدائي بالجزائر، استحسانًا وترحيبًا واسعًا لدى مواطني هذا البلد الذي يطمح إلى تحقيق أعلى مستوى من سياسة التوازن بين الطبقات الاجتماعية خاصة في ميدان التعليم الأساسي.

وبدا هذا الترحيب المجتمعي جليا من خلال تداول صور ـ عبر مواقع التواصل الاجتماعي ـ يظهر فيها تلاميذ بزي مدرسي موّحد عبر عدد من محافظات الجزائر على غرار: البليدة، أم البواقي، وادي سوف، وكذا العاصمة الجزائر

ويرى متابعون ومختصّون في الشأن التربوي، أنّ العمل على توسيع هذه المبادرة سيعطي دفعًا قويًّا لالتزام التلاميذ بالقانون الداخلي للمؤسسة وتلقينهم مبادئ المحافظة على نظافة هندامهم بأنفسهم، إضافة إلى المساهمة في تعزيز مفهوم الانضباط لدى التلاميذ ودفعهم للتركيز على الهدف التعليمي والبيداغوجي دون سواه، كما أنه يُحسّن مظهرهم ويسهم في تعديل سلوكهم والحدّ من ظاهرة التنمّر التي أصبحت اليوم مشكلاً يحتاج إلى تحليل معمّق.

إزالة الفوارق الاجتماعية...

وفي هذا الصدد، قالت الأخصائية في علم النفس التربوي حفصة حيدر: “إن توحيد الزي المدرسي له عدّة جوانب إيجابية، أبرزها إزالة الفوارق الاجتماعية بين التلاميذ، ذلك أنه في بعض الأحيان نجد أن التلميذ الذي ينتمي إلى أسرة معوزة يعاني من شعور بالحرمان مقارنة بزملائه وهكذا قد يتملّكه شعور يدفعه إلى أن يتحوّل إلى شخص انطوائي تنعدم لديه الرغبة في مشاركة الآخرين، وهذا ما ينعكس سلبًا على تحصيله المعرفي والدراسي”.

وبالمقابل ـ تتابع حيدر في تصريح لـ«الأيام نيوز» ـ أما “الطفل الذي ينتمي إلى طبقة غنية تجده يُحس بنوع من التفاخر على الآخرين، ويتعامل بنوع من التعالي مع زملائه، وعليه يتحوّل تركيز التلاميذ إلى الجوانب الاجتماعية بدل التركيز على الهدف التعليمي والبيداغوجي”.

هذا، وأشارت الأخصائية التربوية، إلى “أن توحيد اللّباس المدرسي يجعل التلميذ يدخل في حالة نفسية دراسية، أي يتولد لديه شعور ورغبة في الدراسة ويصبح أكثر انضباطًا، خاصة أن الهم الأكبر لدى التلاميذ اليوم هو “الموضة” والتركيز على “الأنا” من خلال الاهتمام المبالغ فيه بالشكل والمظهر، وعليه فإن توحيد اللباس يجعل الطفل يتقمص شخصية التلميذ ويَصُب كل تركيزه على الدراسة والتعلم”.

وأضافت: “إن تعميم هذه التجربة سيكون له انعكاس إيجابي أيضا على الأساتذة، فأحيانًا نجد أن بعض الأساتذة يُولون اهتمامًا بالغًا للتلاميذ ميسوري الحال ممّن يرتدون ملابس أنيقة توحي أنهم من طبقة اجتماعية ما، فيما يكون هناك نوع من النفور من التلميذ الفقير أو المتوسط، فمن خلال توحيد الزي المدرسي يختفي هذا التمييز ويحظى التلاميذ بذات القدر من الاهتمام”.

هذا، وأشارت الأخصائية التربوية، إلى أن اختلاف الزي المرسي لتلاميذ مرحلة التعليم الابتدائي عن تلاميذ مرحلة المتوسط والثانوية، يخلق لدى التلميذ نوع من روح التنافسية، وهذا عامل مهم جدًّا لتطوير مستواهم المعرفي من جهة وللارتقاء بالمدرسة الجزائرية من جهة أخرى، خاصة وان هذه التجربة أثبتت نجاعتها في عدة دول.

خيّار تربوي حضاري اجتماعي..

من جانبه، قال عضو لجنة التربية والتعليم العالي بالمجلس الشعبي الوطني والنقابي الأسبق، مسعود عمراوي: “إن الزي المدرسي الموحّد هو وسيلة ناجحة لإزالة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية داخل المدرسة الجزائرية كما أنه بالموازاة مع ذلك هو خيار تربوي حضاري اجتماعي راق”.

وفي هذا الصدد، أوضح عمراوي في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “أن توحيد الزي المدرسي هو وسيلة ناجعة لإذابة الفوارق بين التلاميذ في المدارس، خاصة في ظل التحولات الجديدة التي يعرفها العالم وظهور تباين كبير بين طبقات المجتمع الواحد، فظهور الفوارق الفردية قد يجعل التلميذ يحس بنوع من الدونية الأمر الذي سيؤثر سلبًا على مساره الدراسي فيما بعد”.

وتابع: “إن تعميم هذه التجربة على غرار ما هو معمول به في كثير من بلدان العالم بما فيها العربية، سيكون له انعكاس إيجابي على التلاميذ، أين ستختفي الفوارق الاجتماعية ويصبح الكل سواء ولا فرق بين هذا وذاك، أما خارج أسوار المدرسة فالتلميذ الذي ينتمي إلى الطبقة الغنية له كامل الحرية في ارتداء ملابسه الفاخرة والأنيقة”.

وأضاف عمراوي: “منذ سنوات مضت كنا قد طالبنا بتوحيد الزي المدرسي، لكن تعذر على الدولة الجزائرية تجسيد هذا المطلب على أرض الواقع لعدة اعتبارات، حيث اكتفت الجهات الوصية في الجزائر بتوحيد المئزر المدرسي، الذي كان مطلبًا لنا كذلك، وتحقق ذلك بالنسبة لجميع الأطوار التعليمية في المدارس الجزائرية”.

وفي ختام حديثه لـ«الأيام نيوز»، قال عمراوي: “نحن نأمل أن تتبنى وزارة التربية هذه التجربة، وتعمل على توحيد الزي المدرسي لجميع الأطوار التعليمية كما هو معمول به بالنسبة لكثير من الدول، باعتباره أسلوبًا حضاريًا راقيًّاسيساهم في ترقية وتطوير المدرسة الجزائرية مستقبلا”.

من جانبه، قال رئيس جمعية أولياء التلاميذ الجزائرية، أحمد خالد: “إن توحيد الزي المدرسي تجربة إيجابية تستحق الإشادة، باعتبارها أسلوبًا ناجعا لإزالة الفوارق الاجتماعية التي تنتشر بين التلاميذ في المدارس”.

وتابع أحمد خالد في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “أن هذه الخطوة من شأنها المساهمة في رفع العبء عن أولياء الأمور محدودي الدخل، الذين يجدون أنفسهم في حرج أمام طلبات أبنائهم ممن يرغبون في شراء ألبسة غالية الثمن على غرار ميسوري الحال”.

تجدر الإشارة إلى أن وزير التربية الوطنية في الجزائر عبد الحكيم بلعابد، أبدى ترحيبه بمسعى اعتماد الزي المشترك في المدرسة الجزائرية،الذي بادرت به بعض المؤسسات التعليمية على مستوى عدد من محافظات الجزائر بمناسبة افتتاح السنة الدراسية الجديدة 2022-2023.

وقال المسؤول الأول عن قطاع التربية في الجزائر في تصريح صحفي بهذا الشأن: “كل مبادرة يزكيها أولياء التلاميذ مرحب بهاولا يوجد مانع تربوي أو تنظيمي في ذلك”.

يذكر، أن قرابة 11 مليون تلميذ وتلميذة التحقوا الأربعاء الفارط بالمدارس، لحساب الدخول المدرسي الجديد في ظل إجراءات تنظيمية وبيداغوجية وتربوية جديدة اتخذتها الجهات الوصية في سبيل تطوير وترقية الفعل التربوي في الجزائر والنهوض بمنظومة تربوية فعالة.

هذا، وتميّز الدخول المدرسي في الجزائر، هذه السنة بجملة من التغيرات كان أبرزها إدراج تعليم اللغة الإنكليزية في مرحلة الابتدائي، وكذا العودة إلى التدريس بالنظام العادي بعد سنتين من اعتماد نظام التفويج بسبب تداعيات جائحة كورونا.