«المُؤثّرون».. قوة “سد الفراغات” في مواجهة “الاحتكار المقدّس”

يحاول الإعلام التقليدي ـ الذي احتكر لعقود صناعة الرأي العام ـ تقبّل دائرة من يُعرفون بـ”المؤثرين” بعد أن رفضها لفترة ليست قصيرة من الزمن، والواقع، باعتبار أن ظاهرة رفض المستحدث والطارئ، تكاد تكون ثابتاً في متحولات الثقافة العربية الراكدة والمصابة بداء تقديس الماضي، إلى الدرجة التي تدفع البعض إلى حماية شيء رديء إذا ما استند على ماض ما.

ويبدو معيار القياس دائما مرتبطا بمدى وجود ما يماثل الظاهرة في التاريخ سواء القريب منه أو البعيد، حيث يُعد الماضي بكل حمولاته الثقافية والاجتماعية موضعا للقياس وللقدسية.

ذات مرة عندما ظهر على الساحة الغنائية العربية (المصرية تحديداً) نمطاً غير مألوف من الغناء من حيث الشكل والمفردة، ثارت الدنيا فما كان أمام المدافعين عنه من حجة سوى استحضار نموذج «شكوكو»، لتبرير الظاهرة.

وكان ذلك ربما كافيا ليس لتبرير الرداءة فحسب بل لاستمرارها واعتبارها اعتيادية، إذا ما كان لها سنداً من الماضي، فوحدة القياس هنا ليس جودة أو رداءة المنتج الجديد بل مدى وجود ما يماثله من الرداءة في الماضي.

وعند ظهور نمط ما يعرف بـ”غناء المهرجانات” بمفرداته الغريبة والتي اعتبرها البعض “خادشة لحياء المجتمع”، انبرى عددا من المدافعين لتذكير الناس أن “الست أم كلثوم” قد سبق لها أن أدّت أغنية من كلمات «يونس القاضي» وألحان صبري النجريدي، مطلعها “الخلاعة والدلاعة مذهبي..!”.

وبما أن تلك الكلمات تحيل إلى سياق “خدش الحياء ” فعلينا تقبل الخدش -المزعوم – أيضا الآن، أي أن التقييم هنا لا يخضع إلى المعايير الفنية للظاهرة إبداعيا، بل إلى مدى رسوخها في الماضي.

من خلال هذا المدخل لا أحاول الحكم أخلاقيا أو حتى فنيا على الظواهر الغنائية المستحدثة، بقدر ما أحاول إثبات أن معظم الأحكام حتى تلك التي تدافع عن هذه الظواهر دوماً ماضوية الطابع، وهي مسكونة بتقديس الماضي، أيًا كان شكله ونوعه، وبالتالي كلا الطرفان يبحثان عن مشجب يقبع في الماضي.

المؤثرون وأسئلة الراهن

وبالعودة إلى مطلع المقال فإن من الدارج أن الحياة لا تتوقف عند نمط فني أو إعلامي واحد، وإن ما سمي بالثورة المعلوماتية/ الرقمية، قد فرض أنماطا متعددة من وسائل التواصل، وبالتالي من أشكال التعبير، ولم تعد النظرية الإعلامية، ثلاثية الأبعاد (المرسل/ المستقبل/ والرسالة) كافيه لتفسير ظاهرتي الاتصال والإعلام، كما أنها لم تعد قادرة على قياس الدائرة الكلاسيكية المفترضة للتأثير ولتشكيل الرأي العام، وإعادة صياغته على نحو ما، كما ظل سائدا لأكثر من قرن من الزمان.

ولعل تأثير شخص عشريني لا يملك من المعدات سوى تلفون محمول، قد يكون أكثر وقعا من ترسانة الإعلام الثقيل الذي طالما سخر من هؤلاء وانتقدهم، لكنه اكتشف مؤخرا أنهم أضحوا المادة الأهم التي تثير اهتمام متابعيه، وبالتالي اضطر أن يقتات مادته منهم، دون أن يعترف بشكل كاف بدورهم وتأثيرهم.

وهنا لا يمكن المجازفة للقول أن هذه الفئة المسماة بالـinfluencers تقدم بالضرورة مادة ذات جودة، لكنها تسد فراغات تركها الإعلام الكلاسيكي، لا سيما الرسمي منه، وهي أيضا ليست فئة واحدة أو متماثلة بالضرورة، بل كغيرها من وسائل الإعلام متعددة ومتفاوتة الدرجة والأثر، لكنها أضحت واقعاً معاشاً، بكل إنجازاتها وتقليعاتها وإخفاقاتها وحماقاتها وفتوحاتها في طرق المسكوت عنه.

ومن طبيعة هذا النوع أنه لا يؤول جهدا في كسب مساحات جديدة من المشاهدة، وفي سبيل ذلك يمكن أن يفعل كل ما يعد خارقا أو سبقا – بأبعاده الايجابية والسلبية – من عرض اليوميات بأدق تفاصيلها الشخصية والعائلية، إلى الخوض في قضايا عامة، وصولا إطلاق الإشاعات وصنع المقالب وحتى إطلاق أغان خاصة، في عوالم موازية لتلك المتعارف عليها عادةً.

الأوديشن.. كم تملك من الـfollowers؟

خلافاً للصورة القاتمة التي تروجها بعض وسائل الإعلام التقليدي حول فئة “المؤثرين” فإن الواقع يقول، إن أي كاست يعقد لاختيار ممثلين لعمل فني أو موديلز لإعلام تجاري ما، يحرص صناعه على استثمار شعبية هؤلاء وإقحامهم في العمل، ولعل السؤال الأبرز لمخرجي هذه الأعمال في الاوديشن، عند تقدم أي مرشح للدور: كم فلورز تملك؟

ووفقا لعدد المتابعين يتم إسناد الدور على الأكثر متابعة ومشاهدة لأنها الطريقة الأسهل لضمان نجاح العمل، وحصوله على نسب مشاهدة عالية، وإن كان هذا الأمر أكثر رسوخا في الإعلانات التجارية فإن الدراما التلفزيونية أيضا أضحت تلجأ إلى ذات الحيلة المضمونة، لا سيما الأعمال التي توصف بـlow budget.

ثمة حيلة أخرى أضحى المُعلنون يلجأون إليها، لتجاوز تكاليف الإنتاج الباهظة، فعوض الاستعانة بشركات الإنتاج الفني، وإسناد الأمر لمخرج متمرس، يتم اتفاق بين “المؤثرين” والمعلن، لتصوير مشاهد بسيطة عبر الموبايل أو عبر كاميرا عالية الجودة، لنشرها على خاصية الاستوري في صفحات المؤثرين، حيث يصبح المؤثر هنا هو الموديل و الناشر في ذات الوقت، وقد يكون هو المخرج أيضا، مقابل أجر متفق عليه، وهنا يوفر على المعلن تكاليف الإنتاج وكذلك تكاليف النشر، حيث أصبحت صفحات المؤثرين وسائل إعلان موازية وبديلة، وقد يكون عائدها أكثر تأثيرا من القنوات الفضائية، وكلفتها أقل بكثير.

والملاحظ أن الاتفاق ينص على توقيت زمني معين، فالدارج أن مدة الاستوري لا يتجاوز الـ24 ساعة، و وفقا للاتفاق يتم إعادة نشرها كبوست (post) أو story مرة أخرى، فضلا عن إعادة نشرها على قنوات اليوتوب التابعة للشركات أو للمؤثرين، وهكذا أضحى المؤثرون يلعبون دورا موازياً في الإعلان والنشر التجاري بجانب صناعة المحتوى الخاص بهم.

سوق “المؤثرين” وعجز التشريعات

أمام تنامي ظاهرة المؤثرين سواء على مستوى انتشارهم أو تحقيقهم لمكاسب مادية كبيرة من خلال ما يقدمونه من محتوى، أو إعلانات تجارية، لم يكن هناك ثمة تشريعات تستوعب وتنظم هذا النشاط التجاري الصرف، في أغلب الدول العربية، لا سيما مصر التي سنت مؤخرا قوانين جديدة، فيما يخص الشق التجاري لنشاط هؤلاء، حيث أعلنت “مصلحة الضرائب المصرية” في سبتمبر من العام الماضي، قوانين حاكمة لهذا النشاط، وقالت إن “كل من يحققون إيرادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي (البلوغرز واليوتيوبرز) عليهم التوجه إلى مأمورية الضرائب المختصة بمحاسبته، لفتح ملف ضريبي، وسجل تجاري”.

ورغم عدم وجود معايير واضحة، أو قيمة ثابتة لدخل البلوغرز واليوتبيرز شهريا او سنوياً، إلا أن المصلحة حددت معايير على الدخل، بحيث يعفى أي مؤثر عن الضريبة في أول 15000، بينما تفرض عليه ضريبة نسبتها 2.5% من صافي الدخل في ثاني 15000، وقد تصل إلى 15% من الدخل في رابع 15000، حيث اعتمد المشرع نسب تصاعدية بضريبة الدخل.

والواقع، إن هذه القوانين رغم أهميتها فإن إمكانية تطبيقها تظل صعبة إن لم نقل شبه مستحيلة، ذلك لأن التطبيق هنا يفترض التصريح بالدخل، وهو ما يتلافاه “المؤثرون” الذين يشترطون على المعلن بالأساس الدفع المباشر (cash)، بينما إمكانية متابعة دخلهم من اليوتوب تظل عملية صعبة أيضا، وبالتالي تطبيق هذه القوانين تواجه تحديات فعلية.

إن تدخل الدولة بسن القوانين رغم أهميته، فإنه اقتصر على الجانب التجاري (الضريبي) بينما لم يشمل أثر هذا المحتوى على المجتمع ككل، وهذه ليست دعوة لتفعيل الرقابة على محتويات السوشال ميديا، بقدر ما هي دعوة للتفكير جدياً في تنظيم هذا النشاط ككل، ودراسة آثاره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهنا يمكن استحضار مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة البريطانية في عام 2019 لتطبيق قوانين جديدة لما أسمته “الاستخدام الآمن للإنترنت” والذي تضمن “فرض عقوبات على شركات التواصل الاجتماعي، إذا تقاعست عن حماية مستخدميها من المحتوى الضار”.

ولعل ما يسمى بـ”المحتوى الضار”، قد يطلق أيدي الحكومات لتفعيل الرقابة كما تراها، مما يتطلب تعريف قانوني واضح ومنضبط “للمحتوى الضار” حتى لا تتحول هذه الجملة إلى ذريعة للجم الأفواه.

مخرجات وخلاصات

في نهاية هذا المقال الاستعراضي ما يمكن استخلاصه أن ظاهرة المؤثرين ليست حالة عابرة أو طارئة، يمكن تجاوزها سواء عبر قوانين أو عبر التجاهل، بل أضحت واقعا راسخاً، وبالتالي ينبغي التعاطي معها بمزيد من المرونة، دون إفراط أو تفريط في قراءة تأثيرها المباشر على المجتمعات، وهي حالة عابرة للأوطان والقارات، في عالم أضحى مفتوحا بشكل غير مسبوق، وبالتالي فإن من مسؤولية الدولة دراسة القوانين التي تم سنها في أكثر من دولة، لتنظيم هذا النشاط، ليس على المستوى التجاري فحسب، بل أيضا على المستويات الأخرى الأكثر تأثيرا وأهمية.

كما إن من مسؤولية النقابات المهنية سواء الصحفية والإعلامية أو النقابات المعنية بالصناعة السينمائية والمسرحية، الانفتاح على هذه الفئة، وإدراك أن ملاحقتها والتضييق عليها ليس حلا عملياً، لا سيما وأنها تعمل بشكل مواز دون الحاجة إلى تصاريح التصوير أو النشر، وبالتالي الأمر يتطلب النظر إلى اللوائح الداخلية للنقابات ومحاولة تكييفها بما يستوعب النشاطات المستحدثة في الواقع الإعلامي والفني، سواء عبر استحداث شُعب جديدة أو من خلال ضمان استصدار التصاريح اللازمة كأعضاء منتسبين أو غيرها من البنود المطلوبة.

لا سيما وأن دول بعينها في المنطقة أضحت تهتم بظاهرة المؤثرين المصريين، وتستوعبهم وتمنحهم الإقامات الذهبية (golden card) كما هو الحال لاستضافة الإمارات لعدد معتبر من المؤثرين العرب والمصريين، أغلبهم يتجاوز عدد متابعيهم الملايين، ما يعني أن تأثيرهم يتجاوز الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية وحتى وسائل الإعلام الثقيل.