المؤسسات الناشئة في الجزائر.. التحديّات والآفاق

أبدت الدولة الجزائرية ـ خلال السنوات الفارطة ـ اهتمامًا بالغًا بالمؤسسات الناشئة باعتبارها مُحركًا أساسيًّا لعجلة التنمية الاقتصادية، وورقة رابحة في يد أصحاب القرار من أجل تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي بعيدًا عن الموارد الكلاسيكية التي كانت تعتمد عليها البلاد.

كما أَولت الحكومة الجزائرية اهتماما كبيرا بدعم الشباب الباحث عن خلق مؤسساته الصغيرة والمتوسطة، أو ما يعرف بـ”المؤسسات الناشئة”، بالنظر إلى القيمة المضافة في معادلة الرفع من نسبة مساهمة القطاع الصناعي في الدخل الإجمالي للبلاد، وكذا دورها البارز في خلق مناصب شغل وامتصاص البطالة.

وتسعى الجزائر من خلال سياستها الاقتصادية الجديدة إلى تطوير نظام بيئي ملائم وقوي، يرمي إلى تنويع ومضاعفة الأجهزة المخصصة لإنشاء ودعم المؤسسات الناشئة لجعلها حلقة مهمة في سلسلة تنويع القطاعات المنتجة التي يعتمد عليها الاقتصاد الجزائري مستقبلا.

إعطاء حلول مبتكرة ودائمة..

وفي هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي الجزائري، «عبد القادر سليماني»: “إن بلوغ نحو 5 آلاف مؤسسة ناشئة في الجزائر في وقت وجيز، يعكس مدى اهتمام الجهات العليا في البلاد بهذا المجال الاستراتيجي والحيوي، ومدى الحرص على تطوير هذا النوع من المؤسسات التي تنشط في مجال الإبداع والابتكار والعمل على جعلها قاطرة للاقتصاد الوطني”.

وأوضح سليماني في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “أن اهتمام الحكومة الجزائرية بالمؤسسات الناشئة عرف انتعاشًا ملحوظًا خلال السنة الجارية باعتبارها سنةً لتحقيق الإقلاع الاقتصادي في إطار مسعى تنويع مداخيل الخزينة العمومية، بعيدًا عن الموارد التقليدية (نفط، غاز)، وذلك من خلال الدفع بعجلة الاستثمار والمقاولاتية لدى فئة الشباب”.

وتابع المتحدّث: “إن استحداث وزارة خاصة بالمؤسسات الناشئة، سمح بتمويل المئات من مشاريع «ستارتاب»، وساهم في خلق مناخ أعمال محفّز وجذاب وخلاق للثروة، وذلك من خلال الحرص على توفير احتياجات السوق الجزائرية من منتجات وخدمات تمنحها هذه المؤسسات الناشئة التي أصبحت اليوم تطرح أفكارًا تغني عن الحلول المستوردة، ما يساهم في خلق نظام بيئي للابتكار وتأسيس قطاع متطور ومتوائم مع التغيرات التكنولوجية الحديثة”.

وأضاف: “إن هذا النوع من المؤسسات يعطي قيمة مضافة للاقتصاد الجزائري، من خلال العمل على إيجاد حلول مبتكرة في شتى المجالات والقطاعات بما يسمح بتحقيق مسعى تقليص فاتورة الواردات والوصول إلى تحقيق 7 ملايير دولار كصادرات خارج المحروقات”.

أولى التحديّات المطروحة..

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الجزائري محفوظ كاوبي: “إن التحدي الأول الذي قد يكون عائقا أمام تطور واستمرار هذا النوع من الشركات هو مدى قدرتها على التأقلم مع السوق الذي تتواجد فيه، باعتبار أن هناك علاقة جدلية بين هذه المؤسسات ومحيطها الاقتصادي، الاجتماعي، القانوني وما إلى ذلك”.

وفي هذا الشأن، أوضح كاوبي في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “كل ما كان هناك تطوير وعصرنة للاقتصاد الوطني كل ما كان هناك فرص أكبر لهذه المؤسسات حتى تفرض نفسها، وتصبح قادرة على المنافسة والاستحواذ على حصة وحجم أعمال أكبر في السوق، كما يمكّنها من النمو والتطور من مستوى مؤسسات ناشئة إلى مستوى مؤسسات متوسطة وكبيرة”.

وفي حديثه عن الإضافة التي قد يقدمها هذا النوع من الشركات للاقتصاد الجزائري، قال الخبير في الاقتصاد: “إن هذا النوع من الشركات يعطي قيمة مضافة للاقتصاد سواء من ناحية زيادة أو تنويع الخدمات، في مجال الذكاء الصناعي، أو في مجال التكنولوجيات الحديثة وغيرها، كما تمنح هذه الشركات فُرص عمل لخرّيجي الجامعات في مجال التكنولوجيا وغيرها من المجالات العلمية المتقدمة وكذا في مجالات التسيير، أين تقدم حلول مبتكرة ومستدامة”.

من جهته، قال الخبير في الرقمنة رياض حميداني: “إن من بين أبرز التحديات التي قد تواجه أي شركة ناشئة في الجزائر، هي أن تصبح شركة مزدهرة وناجحة، فإذا تم توفير الوسائل المالية والبشرية اللازمة والمناسبة، يمكن أن تكون الجزائر قطبًا إقليميًا في مجال التكنولوجيا الرقمية وريادة الأعمال مستقبلاً”.

وتابع حميداني في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “إن دعم السلطات العامة لهذا النوع من المشاريع من شأنه أن يخلق نظامًا بيئيًا ملائمًا يسمح بظهور الشركات الكبيرة في المستقبل ويُمكّن من تطوير ديناميكية اقتصادية واجتماعية في الجزائر”.

هذا، واقترح الخبير في الرقمنة، أن يكون التحدي المتمثل في ملف “بدء التشغيل”، في عالم ريادة الأعمال، بديلاً اقتصاديًا موثوقًا به لخريجي الجامعات وقادة المشاريع، وكذا الموظفين الراغبين في إنشاء أعمالهم الخاصة وبالتالي تكوين ثروة للبلد.

يُذكر ـ في هذا السياق ـ أنه تم استحداث وزارة خاصة بهذا المجال في الجزائر، حملت اسم “اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة”، وقد جاء ذلك مباشرة بعد تولي الرئيس عبد المجيد تبون سُدة الحكم في البلاد قبل عامين، وذلك في إطار مسعى البحث عن سبل جديدة للاستثمار خارج المحروقات ومنح الفرصة للشباب في بعض المجالات والاهتمام بالشركات الناشئة.

وكان الرئيس تبون، قد أكدّ في أكثر من مناسبة على أهمية دعم وتشجيع المؤسسات الناشئة في الجزائر لتشكل “قاطرة” للنموذج الاقتصادي الجديد المبني على المعرفة والابتكار، إذْ تم ـ في هذا الإطار (نهاية 2020) ـ إنشاء صندوق استثماري مخصص لودعم المؤسسات الناشئة ممّول من طرف الدولة، على أن يبقى مفتوحا للمتعاملين الخواص وكذا للشركات الأجنبية الراغبة بالمساهمة فيه ماليا.

ويُمكّن هذا الصندوق أصحاب المشاريع المبتكرة من تجسيد أفكار أصحاب المشاريع، من خلال تعزيز النظام البيئي للابتكار في الجزائر، وتأهيله حتى يرقى إلى طموحات الشباب ويضمن لهم ميكانيزمات تمويل ملائمة، بعيدًا عن البنوك وما ينجر عنها من ثقل بيروقراطي وما إلى ذلك.

من جهتها، أمرت وزارة التعليم العالي في الجزائر، مديري مؤسسات التعليم العالي والمؤسسات البحثية بتمكين الطلبة ـ الحاصلين على معدل ممتاز خلال مسارهم الدراسي ـ أن يستفيدوا من ترخيص لإنشاء مؤسسة ناشئة خاصة بهم.

هذا، ويُعد الوسط الجامعي في الجزائر، البيئة الأكثر ملائمة لهذا النوع من المشاريع، حيث تُشير الأرقام إلى أزيد من 1.600 مخبر بحث و40.000 أستاذ جامعي باحث و2.200 باحث دائم.

يُذكر، أن عدد المؤسسات الناشئة في الجزائر، بلغ اليوم 4.970 مؤسسة تنشط في قطاعات وميادين مختلفة ومتنوعة وفق تصريحات أدلى بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه بالولاة بداية الأسبوع الجاري.