الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

المؤسسة العسكرية.. رافعة استراتيجية لترسيخ السيادة الصناعية ودعم التنمية المستدامة

Author
إيمان عبروس 11 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الجزائر إلى توسيع مفهوم القوة الوطنية عبر الجمع بين القدرات الدفاعية والإمكانات الصناعية والتكنولوجية، ضمن مسار تبرز فيه المؤسسة العسكرية كرافعة لتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتوطين التكنولوجيا، وبناء الكفاءات الوطنية.

ويستند هذا التوجه إلى خبرات تقنية وبشرية وتنظيمية تراكمت على مدار سنوات، إلى جانب قدرات صناعية يمكن أن تمتد آثارها إلى قطاعات اقتصادية ومدنية متعددة.

ويكتسب هذا المسار أهمية متزايدة مع توجه الجزائر نحو رفع نسب الإدماج المحلي، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة، وربط التصنيع بالبحث العلمي والتكوين والابتكار، بما يجعل الصناعة الاستراتيجية جزءًا من منظومة أوسع لتعزيز القدرة الوطنية على الإنتاج والتحكم في التكنولوجيا.

من القدرات الدفاعية إلى القوة الصناعية

وفي تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أوضح أحمد ميزاب، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن تطور دور المؤسسة العسكرية ارتبط بمفهوم القوة الوطنية الشاملة، الذي يجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات البشرية.

وسمح تراكم الخبرات داخل المؤسسة العسكرية في مجالات تقنية وصناعية متخصصة، إلى جانب القدرات التنظيمية والتكوينية، بتوفير قاعدة يمكن توظيفها ضمن مسار تطوير الصناعة الوطنية.

وتمنح هذه الخبرات المؤسسة موقعا مهما في دعم الصناعات الاستراتيجية، خصوصا القطاعات التي تتطلب مستويات عالية من الدقة والجودة والتحكم التقني، بما يعزز بناء قاعدة صناعية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

توطين التكنولوجيا.. أساس للسيادة الصناعية

ويأتي توطين التكنولوجيا في مقدمة المحاور المرتبطة ببناء السيادة الصناعية، خاصة مع تنامي أهمية الصناعات القائمة على الإلكترونيات والميكانيك والأنظمة التكنولوجية والمعدات المتخصصة.

وفي هذا الجانب، أكد ميزاب أن تطوير القدرات الصناعية أتاح تكوين كفاءات وطنية قادرة على استيعاب التقنيات الحديثة والتحكم فيها وتكييفها مع الاحتياجات المحلية، بما ساعد على تراكم الخبرة التقنية ورفع مستوى التحكم في العمليات الصناعية.

كما ارتبط هذا المسار بتطور مجالات الأتمتة والرقمنة والأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي، وهي تقنيات أصبحت جزءًا أساسيًا من مستقبل الصناعة، وتفتح أمام الجزائر مجالات جديدة لتطوير منتجات وحلول ذات قيمة مضافة مرتفعة.

الإدماج المحلي.. توسيع أثر الصناعة

ويشكل الإدماج المحلي أحد أهم المسارات التي توسع الأثر الاقتصادي للصناعات الاستراتيجية، من خلال ربط المؤسسات الكبرى بشبكة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في تصنيع المكونات وتقديم الخدمات التقنية والهندسية.

وفي هذا الإطار، بيّن الخبير أن تطوير المناولة الوطنية ساهم في بناء روابط إنتاجية أكثر اتساعًا، وفتح مجالات جديدة أمام المؤسسات المحلية للدخول في سلاسل القيمة الصناعية، واكتساب خبرات متخصصة وفق معايير الجودة والإنتاج الحديثة.

كما أتاح توسّع قاعدة المناولة ظهور تخصصات صناعية جديدة، ورفع قدرات المؤسسات الوطنية، ودعم إنتاج المكونات والخدمات المرتبطة بالصناعات الكبرى، بما وسّع دائرة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

الكفاءات.. محرك التحول الصناعي

وتحتل الموارد البشرية موقعًا محوريًا في بناء صناعة متقدمة، باعتبار التكنولوجيا ترتبط بقدرة الكفاءات على استخدامها وتطويرها وتحويلها إلى حلول ومنتجات قابلة للتطبيق.

وفي هذا السياق، شدد ميزاب على أهمية الاستثمار في المهندسين والتقنيين والباحثين، وربط مسارات التكوين باحتياجات الصناعات الاستراتيجية، بما يتيح توفير كفاءات متخصصة قادرة على مواكبة التحولات التقنية.

كما يفتح التكوين المستمر مجالات أوسع لتطوير المهارات في الإلكترونيات والميكانيك والبرمجيات والأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي، وهي تخصصات تشكل جزءا أساسيا من الصناعات المستقبلية.

وتمنح هذه المقاربة الشباب المتخصص فرصا أكبر للاندماج في المشاريع الصناعية والتكنولوجية، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى تطبيقات ومنتجات وخدمات تحمل قيمة اقتصادية.

الجامعة والبحث العلمي.. صناعة الابتكار

وترتبط قدرة الصناعة على التطور بمستوى تفاعلها مع الجامعة ومراكز البحث، باعتبار المعرفة العلمية أحد أهم محركات الابتكار والتطوير التكنولوجي.

وأوضح الخبير الأمني أن تعزيز التعاون بين المؤسسة العسكرية والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية يساهم في بناء منظومة متكاملة لتطوير المشاريع التكنولوجية، وربط البحث العلمي باحتياجات الإنتاج.

كما تتيح هذه الشراكات تطوير النماذج الأولية، واختبار الحلول التقنية، وتكوين جيل جديد من الباحثين والمهندسين، بما يحوّل المعرفة العلمية إلى تطبيقات صناعية ويعزز قدرة المؤسسات على الابتكار.

وتمنح هذه العلاقة الصناعة قدرة أكبر على الاستفادة من مخرجات البحث العلمي، وتوجيهها نحو مجالات ذات أثر مباشر على الإنتاج والتنافسية.

التكنولوجيا العسكرية.. آفاق للاستخدامات المدنية

أما في الجانب التكنولوجي، فأوضح ميزاب أن التقنيات المتقدمة المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية تحمل إمكانات واسعة للانتقال إلى قطاعات مدنية، خصوصًا في الاتصالات والإلكترونيات والأنظمة الذكية والطيران والفضاء والذكاء الاصطناعي.

وأبرز أن التجارب الدولية أظهرت قدرة بعض التقنيات المطورة في المجال العسكري على فتح مجالات جديدة للاستخدام المدني، وتطوير منتجات وحلول تستجيب لاحتياجات الأسواق، وهو ما يوسّع دائرة الاستفادة من المعرفة الصناعية والتكنولوجية.

ويتيح هذا المسار للجزائر تطوير منتجات ذات قيمة مضافة، وتشجيع ظهور مؤسسات ناشئة متخصصة، وخلق فرص أمام الباحثين والمهندسين والشباب أصحاب المشاريع، بما يدعم بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

الصناعات الاستراتيجية.. دعم للأمن الاقتصادي

وترتبط السيادة الصناعية بصورة وثيقة بالأمن الاقتصادي، خصوصا في القطاعات التي تتطلب استمرارية في توفير المعدات والمكونات والأنظمة الأساسية.

وفي هذا الشق، أوضح ميزاب أن توطين الإنتاج عزز قدرة الدولة على التحكم في جزء أكبر من احتياجاتها الاستراتيجية، ودعم بناء سلاسل توريد وطنية أكثر مرونة واستقرارا.

كما انعكس توسع الإنتاج المحلي على حركة المؤسسات الصناعية والمناولة والاستثمار، وفتح مجالات جديدة أمام التشغيل في التخصصات التقنية والهندسية، إلى جانب رفع القيمة المضافة المحلية وتطوير الخبرات الوطنية.

وتمنح هذه المنظومة الاقتصاد قدرة أكبر على الاستجابة للطلب الداخلي، وتدعم المؤسسات المحلية في تطوير منتجاتها وخدماتها وفق احتياجات السوق والمعايير الصناعية.

الاستثمار والتشغيل.. ديناميكية تتجاوز الصناعة

وتفتح الصناعات الاستراتيجية المجال أمام دورة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والمناولة والخدمات والتكوين والبحث والتطوير.

وأشار ميزاب إلى أن توسّع النشاط الصناعي خلق احتياجات جديدة أمام المستثمرين، خصوصًا في تصنيع المكونات والتجهيزات وتقديم الخدمات التقنية واللوجستية والهندسية.

كما أدى نمو هذه المنظومة إلى توسيع فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ورفع الطلب على الكفاءات المتخصصة، ودعم نشاط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل الإنتاج.

وتنعكس هذه الديناميكية على المناطق الصناعية من خلال تنشيط الاستثمار وتوسيع قاعدة خلق الثروة، وربط المؤسسات المحلية بمشاريع صناعية ذات امتداد اقتصادي واسع.

التجارب الدولية.. الصناعة الاستراتيجية بوابة للتكنولوجيا

وتقدم تجارب عدد من الدول نماذج حول قدرة الصناعات الاستراتيجية على دعم التصنيع والتكنولوجيا والابتكار، من خلال تطوير صناعات متقدمة امتدت آثارها إلى قطاعات مدنية متعددة.

واستحضر الخبير تجارب الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية وتركيا، حيث ارتبط تطور الصناعات الدفاعية والتكنولوجية بنمو قطاعات متقدمة في الطيران والاتصالات والإلكترونيات والفضاء والتقنيات الحديثة.

وتوفر هذه التجارب دروسا يمكن توظيفها ضمن رؤية وطنية تربط الصناعة بالبحث والتطوير والتكوين، وتوجه التكنولوجيا نحو إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة، مع تكييف التجارب الدولية مع خصوصيات الاقتصاد الجزائري واحتياجاته.

التنمية المستدامة.. تحويل القدرات إلى قيمة

ويمتد أثر الصناعة الاستراتيجية إلى التنمية المستدامة من خلال استثمار الموارد البشرية والتكنولوجية، وتطوير الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة المؤسسات الوطنية، ودعم الابتكار.

وفي سياق متصل، أوضح ميزاب أن بناء صناعة قائمة على المعرفة يتيح للجزائر تحقيق قيمة اقتصادية طويلة المدى، من خلال تطوير قطاعات قادرة على النمو والتجدد ومواكبة التحولات العالمية.

كما يعزز الاستثمار في التكنولوجيا والكفاءات في خلق فرص عمل نوعية، وتحسين الإنتاجية، وتشجيع ظهور صناعات جديدة، بما يمنح التنمية الاقتصادية قاعدة أكثر تنوعًا واستدامة.

وتقوم هذه المقاربة على تحويل المعرفة والخبرة والقدرات الصناعية إلى منتجات وخدمات وفرص استثمار، بما يدعم مسار بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة.

السيادة الصناعية.. امتداد للقوة الوطنية

وختم أحمد ميزاب، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، تصريحه لـ”الأيام نيوز”، بالتأكيد على أن تحوّل المؤسسة العسكرية إلى رافعة استراتيجية للصناعة يرتبط بتوظيف خبراتها التقنية والبشرية ضمن منظومة وطنية متكاملة.

وأضاف أن توطيد التكامل بين المؤسسة العسكرية والجامعة ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية يفتح آفاقًا أوسع لتطوير التكنولوجيا، وتعميق الإدماج المحلي، وبناء كفاءات متخصصة، بما يعزز قدرة الصناعة الوطنية على خلق القيمة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.