الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

المال والسلاح.. الوجه الخفي لتمويل حروب الكيان الصهيوني

Author
ربيعة خطاب 15 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل الجدل المتصاعد حول طبيعة الدعم الغربي للكيان الصهيوني، لم يعد النقاش مقتصرا على المساعدات العسكرية أو المواقف السياسية والدبلوماسية، بل امتد إلى بُعد أقل ظهوراً وأكثر تعقيداً يتمثل في دور المؤسسات المالية والأسواق الاستثمارية في توفير الموارد الاقتصادية خلال زمن الحرب. فالتقارير التي تتحدث عن شراء سندات حكومية صهيونية من قبل مؤسسات استثمارية أوروبية، وفتح قنوات تنظيمية داخل الأسواق المالية الأوروبية أمام هذه السندات، تثير تساؤلات عميقة حول العلاقة بين رأس المال والسياسة، وحدود المسؤولية الأخلاقية للمستثمرين والمؤسسات المالية في أوقات النزاعات المسلحة.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية بشأن حجم الخسائر البشرية والدمار الواسع في قطاع غزة، ما يجعل ملف التمويل المالي للحرب جزءا أساسيا من النقاش حول أدوار الحكومات والشركات والأسواق في استمرار الصراعات. وبين من يعتبر هذه الاستثمارات معاملات مالية مشروعة ضمن قواعد السوق، ومن يراها مساهمة غير مباشرة في تمويل العمليات العسكرية، يبقى الجدل مفتوحاً حول المعايير التي تحكم الاستثمار في أوقات الحروب ومدى انسجامها مع المبادئ التي تعلنها الدول الأوروبية بشأن حقوق الإنسان والقانون الدولي.

وفي هذا السياق، يؤكد عمر جعارة، خبير الشؤون الإسرائيلية، لـ”الأيام نيوز”، أن تصوير شراء السندات الحكومية الصهيونية على أنه مجرد عملية مالية محايدة لا علاقة لها بما يجري في ساحات القتال، هو محاولة لعزل المال عن نتائجه السياسية والإنسانية. ويعتبر عمر جعارة أن رأس المال الذي يتدفق خلال الحروب يتحول إلى شريان حياة اقتصادي يسمح للدول بمواصلة سياساتها، ولذلك فإن المؤسسات الاستثمارية التي تضخ أموالها في الكيان الصهيوني خلال فترة تشهد اتهامات وانتقادات دولية واسعة لسلوكها العسكري، لا يمكنها الاختباء خلف شعار “حياد الأسواق”، لأن الحياد يصبح موضع تساؤل عندما تتحول الأموال إلى عنصر يعزز قدرة أي طرف على الاستمرار في الحرب.

ويشير عمر جعارة إلى أن الدول الأوروبية تجد نفسها أمام اختبار صعب يكشف حجم التناقض بين خطابها السياسي وممارساتها الاقتصادية، فبينما ترفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، تسمح في الوقت نفسه لأسواقها المالية بأن تكون منفذا لتدفق رؤوس الأموال نحو الكيان الصهيوني. ويرى عمر جعارة أن هذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت المبادئ الأخلاقية تُطبق على الجميع بالمعيار نفسه، أم أنها تخضع لحسابات المصالح والتحالفات السياسية.

ويقول عمر جعارة إن الحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط عبر الطائرات والدبابات والقدرات العسكرية، بل أصبحت البنوك وصناديق الاستثمار وأسواق المال جبهات خفية لا تقل تأثيرا عن ساحات المعارك. ويؤكد عمر جعارة أن المال في زمن النزاعات لم يعد مجرد وسيلة اقتصادية، بل تحوّل إلى وقود استراتيجي يمنح الحكومات القدرة على تحمل أعباء الحروب الطويلة والاستمرار في سياساتها رغم الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة.

ويضيف عمر جعارة أن حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات باتت تمثل أحد أهم أساليب الضغط في العصر الحديث، لأن الشركات والمؤسسات المالية قد تتحمل الخسائر الاقتصادية، لكنها تخشى أن تتحول إلى رمز في الرأي العام العالمي لتمويل حروب مثيرة للجدل. ويرى عمر جعارة أن معركة السمعة قد تكون في بعض الأحيان أكثر إيلاما للمؤسسات المالية من الخسائر المادية، لأنها تمس ثقة المستثمرين والعملاء وصورتها أمام العالم.

ويؤكد عمر جعارة على أن النقاش العالمي يتجه اليوم نحو مرحلة جديدة لا تقتصر على مساءلة من يحمل السلاح ويضغط على الزناد، بل تمتد إلى مساءلة من يفتح الخزائن ويوفر السيولة التي تسمح باستمرار الحروب. ويشدد عمر جعارة على أن المال الذي يدّعي الحياد قد يجد نفسه مستقبلاً في قلب نقاش قانوني وأخلاقي واسع، لأن تمويل النزاعات لم يعد قضية اقتصادية بحتة، بل أصبح جزءاً من معركة المسؤولية والمحاسبة الدولية.

ويشير عمر جعارة، خبير الشؤون الإسرائيلية، إلى أن أحد أكثر أشكال الدعم حساسية للكيان لا يكمن فقط في التمويل المباشر أو شراء السندات، بل في البنية التنظيمية التي تسمح بدمج الاقتصاد الإسرائيلي داخل النظام المالي الغربي دون عوائق تُذكر، وهو ما يجعلها قادرة على الوصول إلى رؤوس الأموال العالمية في أي لحظة، حتى خلال فترات الحرب.

ويضيف عمر جعارة أن هذا الاندماج المالي يقوم على شبكة من القواعد التنظيمية والضمانات الائتمانية والتصنيفات السيادية التي تمنح إسرائيل قدرة دائمة على الاقتراض بشروط ميسّرة مقارنة بدول أخرى تعيش أوضاعاً مشابهة من الصراع. وبحسب عمر جعارة، فإن هذه الامتيازات المالية لا تُقدَّم عادة في شكل دعم سياسي مباشر، لكنها تعمل كـ”دعم غير مرئي” يخفف الضغط الاقتصادي عن الدولة أثناء العمليات العسكرية.

ويؤكد عمر جعارة أن جانبا آخر من الدعم يتمثل في استقرار قنوات الدفع والتحويلات المالية الدولية، حيث تظل “إسرائيل”، رغم الانتقادات والاضطرابات الإقليمية، جزءاً من المنظومة المالية العالمية دون قيود تُذكر على حركة رؤوس الأموال، وهو ما يمنحها قدرة على استمرار التمويل وتدوير الديون بشكل منتظم حتى في أكثر فترات الحرب حساسية.

ويتابع عمر جعارة أن هذا النوع من الدعم البنيوي هو الأخطر، لأنه لا يظهر في شكل مساعدات معلنة يمكن تتبعها أو مساءلتها سياسياً بسهولة، بل يتجسد في “طبيعة النظام المالي نفسه” الذي يضمن استمرار تدفق الأموال ويمنع تشكل عزلة اقتصادية حقيقية يمكن أن تضغط على القرار السياسي أو العسكري.

ويؤكد عمر جعارة على أن قوة الكيان الصهيوني في هذا السياق لا تأتي فقط من حجم الدعم المباشر، بل من قدرتها على البقاء داخل دائرة الثقة المالية العالمية، وهي دائرة تُدار بقواعد اقتصادية صارمة ظاهرياً، لكنها في الواقع تمنح الدول القريبة من مراكز القرار المالي قدرة أكبر على الصمود خلال الحروب مقارنة بغيرها.