لقد خرج الغرب، انطلاقا من تاريخ معين، من قمقمه، حتى انتهى إلى السيطرة على الكرة الأرضية بأكملها. ولم يكن ذلك حدثا جديدا، فقد فرض على الشعوب الأخرى أسلحته و"إلهه" وقوانينه وتجارته ولغاته وهذا الشكل الأول من الهيمنة. في الوقت نفسه، كان الشرق يحاول العمل على القبول والامتثال بوسائل ملتوية، ليدلّ بذلك على الاعتراف بقوة الغير.
فلم تكن عملية التغريب تهم النخبة القليلة من الساسة أو من الطبقة البرجوازية، فقد كان هدفها الاستيلاء على عقول البسطاء الذين يمثّلون النسبة الأكبر، حتى لا يملك المثقف العربي السيطرة على تغيير المنهج الفكري أو التفوق على ما يعدّه الغربي من ثقافات تحسينية للوضع في الشرق تحت اسم التحديث.
لذلك فإن المثقف العربي يقف أمام أزمة هوية، أي تصادم بين الثقافة الأصيلة والقيم الوافدة، مع ضغط الحداثة والتكنولوجيا والإعلام.. فكيف يستطيع المثقف العربي مواجهة الثقافة الغربية المهيمنة دون الوقوع في فخّ الرفض المطلق أو التبعية الكاملة، وفي ظلّ التحولات العميقة التي تفرضها الحداثة والعولمة على الهوية العربية؟ وهل يملك المثقف العربي قدرة إنتاج مشروع ثقافي مستقل في مواجهة التأثير الغربي، أم سيظل أسيرا حضاري خارجي؟
الاستشراق والمثقف العربي.. حدود المعرفة وميادين الصراع
يقول "إدوارد سعيد" في كتاب "الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء": "الشرق الذي يظهر في الاستشراق، هو نظام من الصور التي تمثله والتي صاغتها مجموعة كبيرة من القوى والتي أدخلت الشرق في مجال العلوم الغربية والوعي الغربي". فالاستشراق، بحسب "سعيد"، ليس مجرد دراسة موضوعية للشرق، بل هو عملية إنشاء وخلق لـ"شرق مُتخيَّل" يخدم حاجات الغرب النفسية والسياسية. هذا الشرق المُصنّع يتّسم بخصائص نمطية: الغرابة، الجمود، الاستبداد، الحسية، الدونية الحضارية. إنه ليس الشرق الحقيقي بتنوّعه وتعقيداته، بل صورة مسطّحة تختزل واقعا معقدا في قوالب جاهزة.
لذلك فالعملية الاستشراقية لم تكتفِ بدراسة الشرق، بل أدخلته في منظومة معرفية غربية، فلم يكن التغريب مجرد استيراد للتقنية، أو تقليد للأنماط الاستهلاكية، بل هو في جوهره عملية استلاب معرفي تجعل الآخر مركزا للمعنى ومقياسا للقيمة، بينما تتحول الذات إلى هامش يدور في فلك لا يملك السيطرة عليه.. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في التسليم بالتفوق المطلق للغرب على الصعيد الحضاري دون محايدة أو انحياز إلى الموروث.. لتنتزع الفاعلية التاريخية عنه وتحوّله إلى كيان ساكن، متلقٍّ للتأثيرات الخارجية، فتهيمن المنظومة الغربية المعاصرة على المجتمع الشرقي وهياكله بفرض نماذج معرفية لا تقدّمه فقط كمنهج، بل تقدّمه: كأنموذج اقتصادي رأسمالي، أو أنموذج ديمقراطي ليبرالي، أو أنموذج اجتماعي للحرية والفردانية، وأنموذج علمي في الجامعات والبحث، وبذلك ينتشر الأنموذج الغربي بوصفه الأنموذج "الافتراضي" أو "العالمي"..
وقد أثبت "صحة" نماذجه من خلال: التطور الصناعي، الذكاء الاصطناعي، الإنترنت ووسائل الإعلام..
حينها يتحول العقل العربي من عقل يرغب في التعلم إلى عقل مقتنع بالدونية الذاتية، يتغذى على المنتوج الدخيل دون وعي، وغير مدرك تماما أن التقليد هو مجرد فكرة خادعة.
وفي هذه الظروف سوف يعني التقليد نمطا وأسلوبا حضاريا يتماشى مع العصر بواسطة النخبة التابعة للاستشراق والتي تتناقض مع النخبة الداخلية التقليدية الجامدة.. باختصار، فالمثقف العربي قد يكون في مواجهة نخبتين متناقضتين: نخبة خارجية غربية مستشرِقة ونخبة محلية محافظة.
كيف يواجه المثقف العربي أزمة الهوية الناتجة عن سيطرة أنموذج حضاري غربي مستشرِق، في الوقت نفسه الذي يقابله فيه تقليد محلي جامد، وما الوسائل التي تمكنه من تحقيق استقلالية فكرية وتوازن بين الانفتاح والتشبّث بالخصوصية الثقافية؟
مسؤولية المثقف بين النقد والتأسيس
يقول "هاشم صالح": "كل مثقف يتحدث بصراحة عن الأمراض أو الرواسب التي يعاني منها الشعب، يعتبرونه ضد الشعب". تكشف مقولة "هاشم صالح" عن واحدة من أعمق المفارقات في علاقة المثقف بمجتمعه، خصوصًا في ثقافة "التابو" التي تتجلى فيها المقدسات المحرّمة. فالمجتمعات العربية تعاني من تضخّم خطير في دائرة المحرمات التي تحاصر المثقف الناقد: المقدس الديني يجعل أي نقد للخطاب الديني السائد كفرًا أو زندقة، والمقدس القومي يضع التاريخ والتراث واللغة فوق النقد فيصبح التساؤل عنها خيانة للأمة، والمقدس السياسي يحصن القائد والنظام من المساءلة فيتحول النقد إلى جريمة، والمقدس الاجتماعي يحمي البنى الأبوية والقبلية من أيّ مساس. وهكذا يجد المثقف نفسه محاصرا بحقل ألغام من المحرّمات، حيث أن أيّ خطوة نحو النقد الجاد قد تفجر اتهامات بالخيانة أو العمالة، مما يحول دون قيامه بدوره التنويري في فحص المسلمات وتفكيك البنى التي تعيق التقدم.
المثقف العربي في كفاح طويل من أجل التحرر السياسي والعقائدي والذي شهد معارضة عنيفة وأحيانا متقلبة بين التجديديين والمحافظين، المتدينين والعلمانيين، الراديكاليين والمعتدين.. فيجد نفسه في حالة دفاع على نفسه واستنتاجاته متكيّفا مع وضعه السابق ويدرك منذئذ أن الإيديولوجيات الإسلامية تشكل صورة محسوسة أمام القوة الغربية فإما أن تتلاشى أو تنغلق أو تتكيف مع الواقع دون الوقوع في فخ التبعية المطلقة.. ولكنه يدرك تماما أن الضغط الخارجي محتدم سينتهي إلى اختناق اقتصادي بعد رفض التبادل وإلى تفكيك أوصال المجتمع..
فكيف يوازن المثقف العربي بين مواجهة صدّ المجتمع المحافظ وخطر الهيمنة الغربية، ليتمكن من الانفتاح على الغرب دون فقدان هويته أو التعرض للعزلة؟
المثقف العربي اليوم يقف أمام مسؤولية مزدوجة: النقد للخطاب الغربي الذي يقدّم نفسه كأنموذج كوني وحيد، والتأسيس لبدائل معرفية تنطلق من الخصوصية الحضارية دون أن تنغلق عليها. فدور المثقف لا يكمن في رفض الغرب جملة وتفصيلا فهذا موقف انفعالي لا يؤدي إلا إلى مزيدا من التخلف، ولا في التماهي الكامل معه فهذا انسلاخ عن الذات، بل دوره الحقيقي يتمثل في الانتقائية الواعية التي تعني الأخذ من الغرب ما هو كوني وإنساني (العلم، المنهج النقدي، قيم الحرية والعدالة) مع رفض منطق الهيمنة والاستعلاء الحضاري، والاستفادة من التراث بما ينفع الحاضر دون تقديسه أو رفضه كليا. هذا التوازن الدقيق هو ما يمكّن المثقف من بناء حداثة خاصة، لا هي استنساخ غربي ولا هي انكفاء تراثي، بل تركيب إبداعي يحترم الذات ويحاور الآخر في آن معا..
التاريخانيّة كمنهج للخروج من الأزمة
يقول "عبد الله العروي" في كتابه "العرب والفكر التاريخي": "إن سير التاريخ لا يتوقف على المثقف، لكن المثقف مطالب بالخضوع إلى قوانين التاريخ إن أراد أن يكون له وجود وتأثير". ينتقد "العروي"، في مشروعه الفكري، أنموذجين للمثقف العربي: المثقف السلفي الذي يريد العودة إلى الماضي متجاهلاً قوانين التطور التاريخي، معتقداً أن استعادة أنموذج سابق ممكنة دون اعتبار للتحولات البنيوية. والمثقف الليبرالي الانتقائي الذي يأخذ من الحداثة الغربية قشورها دون فهم الشروط التاريخية التي أنتجتها، فيقع في التوفيقيّة العقيمة.
وهي رؤية تستدعي الكثير من التساؤلات حول الإيديولوجيين العرب، الذين يعتقدون ببداهة فكرهم ولا يشغلون بالهم إلا قليلا، في إدراك أنهم يفكرون فيستمرون في اتجاه يقدّم الماضي القريب كانحطاط غير مستحق والمستقبل كوعد سوف يوفى به عاجلا أم آجلا دون وعي كامل بآليات التفكير أو الأخطاء المحتملة. فيبدو المؤرخ العربي وحيدا في استنتاج أهمية التاريخ في فهم الحاضر والمستقبل، ومن هنا نتطرق إلى مفهوم التاريخانيّة ودورها في التقدم العربي. فما هي التاريخانيّة؟ ولماذا تحتاج المجتمعات العربية إلى التاريخانية؟
التاريخانية - كما يطرحها عبد الله العروي وآخرون - ليست مجرد منهج أكاديمي لدراسة التاريخ، بل هي رؤية شاملة للوجود الإنساني تؤمن بأن كل ظاهرة اجتماعية أو فكرية هي نتاج شروطها التاريخية المحددة، وتقوم على مبادئ محورية: النسبية التاريخية حيث لا توجد حقائق مطلقة خارج التاريخ، والصيرورة والتطور المستمر للمجتمعات والأفكار، والحتمية النسبية التي تعترف بقوانين التاريخ الموضوعية دون جمود ميكانيكي، والسياق كمفتاح لفهم أي ظاهرة.
هذا المنهج يشكل مدخلاً حاسمًا لفهم أزمة التخلف العربي، إذ تعاني المجتمعات العربية من وعي ماهوي يرى للإسلام جوهرًا ثابتًا خارج التاريخ وللأمة هوية أزلية، ويبحث عن الحلول في الماضي عبر "العودة إلى السلف"، مما يشلّ القدرة على التقدم برفض الاعتراف بالتأخر التاريخي واعتبار التحديث خيانة للهوية. بالمقابل، تقدم التاريخانية بديلاً تحرريًّا يحرر التراث من القداسة بفهمه كنتاج لسياقات تاريخية محددة، ويعترف بالتأخر التاريخي كواقع موضوعي لا عيب أخلاقي، ويفهم الحداثة كعملية تاريخية لا يمكن استيراد نتائجها دون المرور بعملياتها.
وتظهر التطبيقات العملية للتاريخانية في عدة مجالات: في الفكر الديني من خلال النقد التاريخي للنصوص ونسبية الاجتهاد الفقهي وتجديد الخطاب الديني، وفي السياسة عبر نقد الاستبداد التاريخي وبناء الدولة الحديثة والتدرج في الإصلاح، وفي الثقافة والهوية بتبنّي هوية ديناميكية منفتحة تتجاوز ثنائيات الأصالة والمعاصرة، وفي التعليم بتدريس التاريخ نقدياً وتعليم التفكير النقدي بدلاً من التلقين.
رغم الاعتراضات الدينية حول تذويب الدين في التاريخ، والثقافية حول محو الهوية، والسياسية حول تبرير الوضع القائم، فإن التاريخانية لا تنفي المطلق الإلهي بل تنفي مطلقية الفهم البشري، ولا تلغي التراث بل تضعه في سياقه، ولا تبرر الواقع بل تفسره لتغييره بفاعلية. وتقدّم تجارب اليابان التي حققت الحداثة دون فقدان الهوية، وتركيا بقطيعتها الجذرية التي خلقت توترات مستمرة، والصين بتحديثها الانتقائي، نماذج لمسارات متعددة نحو الحداثة.
لكن تطبيق التاريخانية في العالم العربي يواجه معوقات فكرية كالوعي الماهوي المتجذّر وهيمنة الخطاب السلفي، ومعوقات سياسية كالاستبداد وتوظيف الدين سياسيا، ومعوقات اجتماعية كالبنى التقليدية والأمية والاغتراب الثقافي.
والخلاصة أن التاريخانية ليست حلاًّ سحريًّا لكنها شرط ضروري للتقدم العربي، إذ تمكّننا من فهم واقعنا بموضوعية، ونقد تراثنا بحرية، والانفتاح على الآخر بثقة، وبناء حداثتنا الخاصة، فالمطلوب ليس تطبيقها كإيديولوجية جامدة، بل تبنّي روحها النقدية التي ترى الإنسان والمجتمع في حركة تاريخية مستمرة، وهذا الوعي التاريخي وحده كفيل بتحريرنا من سجن الماضي ودفعنا نحو المستقبل..

