الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

المخرج خالد شنة يكشف لـ«الأيام نيوز» عن بطله الخالد: “قصة موريس لابان ما تزال تحرج الذاكرة الفرنسية حتى اليوم”

Author
هارون عمري 23 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

بعد 70 عاما على استشهاده، يعود اسم المناضل موريس لابان، الجزائري روحا وهوية ووجدانا، والفرنسي في السجل المدني فحسب، إلى الواجهة بوصفه واحدا من أكثر الوجوه الإنسانية تعبيرا عن عالمية الثورة الجزائرية، ورمزا لاختيار أخلاقي صنعته القناعة لا النسب. فهذا الرجل، الذي وُلد في بسكرة داخل عائلة أوروبية، لم يكتف بالانحياز إلى قضية شعب يطالب بحريته، إنما تحوّل إلى شاهد حي على زيف الخطاب الاستعماري الفرنسي الذي ادّعى حمل قيم الحرية والمساواة، بينما كان يمارس أبشع الجرائم بحق الجزائريين. واليوم، وبعد عقود من رحيله، تواصل سيرته إحراج الذاكرة الرسمية في باريس، لأنها تكشف عجزها المستمر عن مواجهة تاريخها الدموي في الجزائر والاعتراف الكامل بمسؤولياتها الاستعمارية.

في هذا الحوار مع “الأيام نيوز”، يفتح المخرج والباحث في الذاكرة الوطنية خالد شنة صفحات من رحلة إنجاز فيلمه الوثائقي “الغصة”، الذي يعيد قراءة سيرة موريس لابان من منظور إنساني وفكري، بعيدا عن السرد التاريخي التقليدي. ويتوقف عند تفاصيل البحث في الأرشيفات والشهادات، وكيف تحولت هذه الشخصية إلى مشروع سينمائي يستنطق الذاكرة، ويكشف مسار رجل وُلد على الأرض الجزائرية، فلم يحتج إلى إعلان انتمائه إليها بقدر ما جسّده في مواقفه واختياراته، حتى غدت جزائرانيته شهادة مدوية تدين الإرث الاستعماري، في محكمة التاريخ، إلى يومنا هذا.

الأيام نيوز: في الذكرى الـ70 لاستشهاد المناضل موريس لابان، نشرت على صفحتك في “فيسبوك” كلمات حملت كثيرا من التأمل والوفاء لهذه الشخصية. من موقعك كمخرج وباحث في الذاكرة الوطنية، ماذا تمثل هذه الذكرى اليوم؟ وما الرسالة التي ترى أن الجيل الجديد مطالب بالتوقف عندها في سيرة موريس لابان؟

خالد شنة: في هذه الذكرى، أنا لا أعود إلى سيرته بوصفها صفحة من الماضي، ولكن بوصفها مدخلا لأسئلة ما تزال حاضرة حول الإنسان والحرية والقدرة على اتخاذ موقف عندما يصبح الصمت تواطؤا. وخلال بحثي لإنجاز فيلم “الغصّة“، الذي يتناول قصة الشهيد البطل، اكتشفت أن الوثائق وشهادات رفاقه وكتابات الباحثين تكشف جانبا من سيرته، لكنها تترك جوانب أخرى أقل حضورا، وهو ما يعكس محدودية مكانته في الذاكرة الجماعية.

هذه المساحات غير المستكشفة من سيرته دفعتني إلى التعمق في شخصيته.. وجدت أمامي إنسانا يتجاوز صورة المناضل الذي حمل السلاح؛ رجل تشكل وعيه عبر سنوات من التجربة والتفكير. موريس لابان ولد ببسكرة يوم 30 أكتوبر 1914، داخل عائلة أوروبية، لكنه رفض أن تكون أصوله الأوروبية هي التي تحدد موقفه من الجزائر وشعبها.

ما يثيرني في قصته أن الثورة الجزائرية بقوة مبادئها استطاعت أن تخاطب حتى من نشأوا داخل المنظومة الاستعمارية. موريس رأى التناقض بين الخطاب الذي يبرر الاستعمار وبين واقع الجزائريين من فلاحين وعمال وبسطاء، ومع الوقت اختار أن يقف مع الإنسان ومع الحق.

الجيل الجديد بحاجة إلى معرفة قصص بطولات من نوع مختلف، قصص تكشف قوة الثورة الجزائرية وقدرتها على الوصول إلى ضمائر أناس من خلفيات وجنسيات متعددة، حتى من أبناء البلد الذي مارس الاستعمار نفسه. موريس لابان يمثل أنموذجا لإنسان اقتنع بعدالة قضية شعب، فاختار أن يساندها بإرادته ويدفع ثمن هذا الاختيار. هذه السيرة تبرز أن الثورة لم تكن مواجهة عسكرية فقط، فكانت أيضا قضية إنسانية امتلكت من قوة المبادئ ما جعلها تستقطب كل من آمن بالحرية والعدالة.

الأيام نيوز: عندما تصف موريس لابان بأنه “بطلك الخالد”، فأنت تمنحه مكانة تتجاوز كونه شخصية تاريخية أو موضوعا لفيلم وثائقي. ما الذي صنع هذا الانبهار بهذه الشخصية؟ وهل تكمن قوة شخصية موريس في اختياره للجزائر فقط، أم في الرحلة الفكرية والإنسانية التي قادته إلى هذا الاختيار؟

خالد شنة: أكثر ما شدني في موريس لابان أنه شخصية تحمل رحلة إنسانية نادرة. فقد ولد في الجزائر داخل واقع استعماري كان يمنحه امتيازات بحكم أصوله الأوروبية، وكان بإمكانه أن يعيش حياته في إطار تلك الامتيازات دون أن يطرح الأسئلة التي أقلقت جيلا كاملا. لكن احتكاكه اليومي بالفلاحين والعمال، ومعايشته لمعاناتهم، جعلاه يدرك الهوة بين الخطاب الاستعماري الذي يرفع شعارات “التمدين” وبين واقع يقوم على التمييز والهيمنة. ومن هنا بدأ يتشكل وعيه، وأصبح مقتنعا بأن العدالة ليست شعارا، بل مسؤولية تستوجب موقفا.

ما يميز موريس بالنسبة لي أنه امتلك شجاعة مراجعة القناعات التي نشأ عليها. فقد تخلى بإرادته عن الامتيازات التي وفرها له النظام الاستعماري، وانحاز إلى الشعب الجزائري، لا بدافع العاطفة، وإنما نتيجة مسار طويل من التجربة والتأمل والالتزام.

ويؤكد مساره أن هذا التحول لم يكن وليد لحظة عابرة. ففي سنة 1936 شارك في الحرب الأهلية الإسبانية ضمن الكتائب الدولية دفاعا عن الحرية في مواجهة الفاشية، ثم واصل نشاطه السياسي، ودخل في مواجهة مع الإدارة الاستعمارية، وسُجن سنة 1941 رفقة زوجته أودات بسبب مواقفه.

ومع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، رأى فيها تعبيرا مشروعا يعبر عن حق شعب في الحرية والاستقلال. واستفاد المجاهدون من خبرته في الكيمياء لإعداد وسائل دعمت العمل الثوري، قبل أن ينتقل هو نفسه من المساندة السرية إلى المشاركة الميدانية.

ما يجعلني أراه – وفق فلسفة سينما المؤلف – بطلي الخالد ليس استشهاده وحده، بل الرحلة التي قادته إلى ذلك. فقد أمضى سنوات يعيد صياغة علاقته بالوطن والإنسان، حتى انتهى به الأمر إلى الانحياز، عن قناعة، إلى الأرض التي ولد فيها وإلى شعبها الذي رأى في قضيته تجسيدا للحرية والعدالة.

الأيام نيوز: عندما نصل إلى المحطة الأخيرة في حياة موريس لابان، يبرز مشهد استشهاده رفقة عدد من رفاقه في منطقة بني بودوان. كيف تقرأ هذه اللحظة من الناحية الإنسانية والفكرية؟

خالد شنة: استشهاد موريس لابان في 5 جوان 1956 كان تتويجا لمسار كامل عاشه على مدى سنوات. ففي ذلك اليوم، كان رفقة مجموعة من المجاهدين، بينهم عبد القادر زلماط، وبلقاسم حنون، وجيلالي موساوي، والمناضل هنري مايو، في منطقة بني بودوان قرب الشلف، عندما حاصرتهم القوات الفرنسية بمشاركة اتباع الخائن البشاغا سعيد بوعلام.

المشهد الذي يشدني سينمائيا وإنسانيا لا يقتصر على لحظة وقوفه أمام رصاص العدو بكل شجاعة، بل يمتد إلى سلسلة الاختيارات التي قادته إلى ذلك المكان. كان موريس يعرف حجم الخطر الذي يواجهه، ويدرك أن الطريق الذي اختاره سيقوده إلى النهاية، لكنه بقي وفيا للقناعة التي حملها منذ سنوات، بل كان في كل لحظة يشعر باقتراب الرصاصة التي تلاحقه.

في تلك المواجهة غير المتكافئة، اختار أن يواجه العدو دفاعا عن رفاقه. بالنسبة لي، تختصر هذه اللحظة شخصيته كلها؛ فالرجل الذي بدأ حياته داخل بيئة تمنحه الأمان، انتهى به المطاف في قلب المعركة دفاعا عن شعب اختار أن يكون جزءا منه.

يحمل هذا المشهد قوة رمزية كبيرة، لأن الدم الذي سال في بني بودوان تجاوز سؤال الأصل واللغة، وجسّد معنى الأخوة في النضال. وهناك تلقى موريس لابان رصاصات الحقد وهو يقاتل إلى جانب رفاقه الجزائريين، مؤكدا أن الثورة الجزائرية استطاعت أن تصنع روابط إنسانية أقوى من أي أيديولوجية استعمارية.

ولهذا، فإن “الغصة” بالنسبة لي ليست فقط في لحظة رحيل رجل استثنائي، بل في تأخر وصول قصته إلى الناس. فقد عاش 42 عاما من النضال في سبيل الحرية، واختار أن يمنح حياته للقضية التي آمن بها. تلك هي الحكاية التي أردت أن أضعها أمام المشاهد.

 

الأيام نيوز: شخصية موريس لابان تبدو متعددة الأبعاد؛ فهو مناضل سياسي، ومثقف، ومقاتل، ورجل عاش تحولات فكرية عميقة. أي جانب حرصت على منحه المساحة الأكبر في فيلم “الغصة”؟ وهل حاولت الاقتراب من البطل أم من الإنسان الذي يقف خلف هذه الصورة التاريخية؟

خالد شنة: حرصت منذ البداية على الاقتراب من الإنسان قبل المناضل، لأن قوة موريس لابان لا تكمن في لحظات المواجهة الكبرى وحدها، بل في المسار الفكري والإنساني الذي قاده إليها. نحن أمام رجل لم يصل إلى الثورة صدفة، بل عبر رحلة طويلة من الوعي والتجربة، حمل خلالها حساسية كبيرة تجاه قضايا العدالة وحقوق الشعوب.

رفض أن يرى الواقع بعين واحدة، واقترب من الناس ومن تفاصيل حياتهم اليومية، فأدرك التناقض بين الخطاب الاستعماري الذي يتحدث عن الحضارة، وبين واقع التمييز والاستغلال الذي كان يعيشه الجزائريون.

في فيلم “الغصة”، حاولت تتبع هذا المسار المتماسك، وإبراز كيف تحولت القناعة الفكرية عند موريس إلى التزام عملي. ما يهمني ليس تقديم رجل غيّر موقفه فجأة، بل إنسان ظل وفيا لقيمه، وتطورت مواقفه مع تعمق وعيه. لقد تمرّد على المنظومة الاستعمارية التي نشأ داخلها، لا لأنها فرضت عليه واقعا معينا، بل لأنه امتلك القدرة على نقدها ومساءلتها عندما اصطدمت بما يؤمن به من عدالة وكرامة.

وهنا تكمن قوة شخصية موريس لابان، سينمائيا وإنسانيا؛ فقد واجه المنظومة الاستعمارية التي نشأ داخلها، ورفض أن يكون أسير الامتيازات التي منحتها له أصوله الأوروبية. وعندما أدرك حقيقة الظلم الذي كان يعيشه الجزائريون، اتخذ موقفا أخلاقيا واضحا بالانحياز إلى شعبهم. بالنسبة إلي، هذه هي النقطة الأكثر عمقا في شخصيته؛ إذ لم يغيّر وطنه، بل غيّر موقعه منه، فانتقل من الامتياز الذي فرضه عليه النظام الاستعماري إلى النضال من أجل تحرير الأرض التي ولد فيها.

الأيام نيوز: استشهاد موريس لابان في 5 جوان 1956 رفقة رفاقه في منطقة بني بودوان يمثل لحظة مركزية في الفيلم. كيف تعاملت سينمائيا مع هذا المشهد، خاصة أن النهاية تختصر مسارا طويلا من الاختيارات والتضحيات؟

خالد شنة: مشهد الاستشهاد كان من أكثر اللحظات التي حملتني مسؤولية كبيرة أثناء صناعة الفيلم، لأننا لا نتعامل مع نهاية شخصية فقط، بل مع لحظة تختصر فلسفة حياة كاملة. في 5 جوان 1956، كان موريس لابان المعروف بين رفاقه باسم “مسعود” ضمن مجموعة من المجاهدين في منطقة بني بودوان بولاية الشلف، رفقة عبد القادر زلماط وبلقاسم حنون وجيلالي موساوي والمناضل الكبير هنري مايو. هناك، وجدوا أنفسهم أمام مواجهة غير متكافئة مع القوات الاستعمارية بمشاركة اتباع الخائن البشاغا سعيد بوعلام.

ما يهمني في تصوير تلك اللحظة ليس الجانب العسكري فقط، وإنما المعنى الإنساني الكامن فيها. الرجل الذي بدأ رحلته من خلال فكرة العدالة، وصل إلى النهاية وهو يحمل القناعة نفسها التي قادته منذ البداية. لم يتراجع عندما أصبح الثمن حياته، ولم يبحث عن طريق للنجاة، بل اختار أن يبقى وفيا للموقف الذي آمن به.

في الفيلم حاولت أن أقترب من هذه اللحظة بروح إنسانية، بعيدا عن تحويلها إلى مشهد بطولي تقليدي. أردت أن يشعر المشاهد بثقل الرحلة التي أوصلت موريس إلى هناك؛ أن يتذكر الطفل الذي ولد في بسكرة، والشاب الذي درس، والمناضل الذي واجه السجن والملاحقة، والرجل الذي ترك عائلته وهو يعرف أن الطريق قد يقوده إلى النهاية.

هناك صورة بقيت حاضرة في ذهني خلال العمل على الفيلم: موريس الذي كان يوما ما واقفا في بسكرة يتأمل انطلاق الثورة، ينتهي به المسار فوق جبال بني بودوان مدافعا عنها بالسلاح. بين الشرفة الأولى والمشهد الأخير توجد حياة كاملة من الاختيارات. هذه المسافة هي التي حاولت السينما أن ترصدها.

الأيام نيوز: خلال بحثك لإنجاز “الغصة”، انتقلت بين الأرشيفات والشهادات والأماكن المرتبطة بحياة موريس لابان. ما الذي اكتشفته خلال هذه الرحلة؟ وهل غيّر البحث الطويل نظرتك إلى الشخصية؟

خالد شنة: بالتأكيد، لأن البحث جعلني أكتشف أن موريس لابان أكبر من الصورة المختصرة التي وصلت إلى الناس. عندما بدأت المشروع سنة 2022، كنت أمام اسم وشخصية تاريخية، لكن مع مرور الوقت تحولت الرحلة إلى بحث في الإنسان قبل التاريخ. عدت إلى الأرشيفات، واطلعت على شهادات رفاقه، واعتمدت على مراجع تاريخية، ثم زرت الأماكن التي ارتبطت بمساره من بسكرة إلى المناطق التي شهدت نشاطه الثوري.

الحديث مع حفيدته ماتيلد لابان كان محطة مؤثرة جدا بالنسبة لي. هناك اكتشفت أن قصة موريس لم تتوقف عند لحظة استشهاده، بل بقيت حاضرة داخل عائلته، تحمل معها أسئلة الذاكرة والاعتراف والألم. شعرت أنني أمام جرح إنساني امتد عبر أجيال، وأن الفيلم لا يبحث فقط عن استعادة اسم منسي، وإنما عن إعادة فتح نقاش حول معنى التضحية والوفاء للإنسان الذي اختار قضية يؤمن بها.

كما توقفت كثيرا عند شهادة المجاهد الراحل حميد غراب حول موريس، عندما وصفه بأنه رجل عاش مثله العليا بعمق ولم يخدع نفسه ولا الآخرين، وقدم حياته لأنه كان يعتقد أنه لا يوجد خيار آخر. هذه الشهادة اختصرت بالنسبة لي جوهر الشخصية؛ رجل لم يغير موقفه حسب الظروف، بل حافظ على الخط نفسه من إسبانيا إلى بني بودوان.

Maurice Laban Par Mustapha Boutadjine, Paris 1996

الأيام نيوز: يحمل عنوان الفيلم “الغصة” دلالة قوية. ماذا تعني هذه الغصة بالنسبة إليك؟ وهل ترتبط بموريس لابان فقط أم بذاكرة أوسع؟

خالد شنة: الغصة بالنسبة لي هي ذلك الألم الذي يبقى عندما يشعر الإنسان بأن جزءا من الحقيقة لم يأخذ مكانه الطبيعي. هي قصة موريس لابان، لكنها أيضا قصة الذاكرة عندما تتأخر في إنصاف من قدموا حياتهم من أجل مبادئ آمنوا بها.

اخترت هذا العنوان لأن موريس يمثل سؤالا مفتوحا حول الإنسان والحرية والانتماء. هو رجل ولد في الجزائر، وعاش تفاصيلها، واختار أن يدافع عنها عندما دخلت مرحلة المواجهة. الغصة هنا ليست حزنا فقط، وإنما إحساس بالمسؤولية تجاه ذاكرة يجب أن تبقى حية.

الفيلم لا يقدم موريس باعتباره استثناء منفصلا، بل باعتباره دليلا على قوة الثورة الجزائرية وقدرتها على الوصول إلى كل إنسان آمن بالعدل. قصته تقول إن المبادئ الكبرى تستطيع أن تتجاوز الحدود والأصول عندما يجد الإنسان نفسه أمام قضية عادلة. لهذا أرى أن “الغصة” ليست فقط عنوان فيلم عن الماضي، بل سؤال يوجه إلى الحاضر أيضا: كيف نحافظ على ذاكرة أولئك الذين اختاروا القيم على حساب الامتيازات، ودفعوا حياتهم ثمنا لمواقفهم؟

الأيام نيوز: بعد سنوات من العمل على الفيلم، ماذا تريد أن يبقى في ذهن المشاهد بعد مشاهدة “الغصة”؟

خالد شنة: أتمنى أن يخرج المشاهد وهو يرى موريس لابان كإنسان قبل أن يراه رمزا. أريد أن يشعر بأن وراء الاسم حياة كاملة؛ أحلاما، وأسئلة، وخيارات، وتضحيات. السينما بالنسبة لي ليست إعادة سرد الأحداث فقط، بل محاولة لاستعادة روح الشخصيات.

موريس ترك لنا درسا بسيطا وعميقا في الوقت نفسه: الإنسان لا تحدده فقط الظروف التي يولد داخلها، بل الموقف الذي يختاره عندما يواجه اختبارا أخلاقيا حقيقيا. هو لم يرث انتماءه للثورة، بل اختاره بوعي، ثم حمل مسؤوليته حتى النهاية.

وهذا هو السبب الذي جعلني أقترب منه بكل هذا الشغف. بالنسبة لي، موريس لابان ليس فقط موضوع فيلم، وإنما شخصية ستبقى حاضرة في مساري الفني والفكري، لأنه يمثل أجمل ما يمكن أن تصل إليه الإنسانية عندما ينتصر الضمير على الامتياز، والمبدأ على الخوف.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"