الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

المسؤولية الطبية والإنصات للمريض.. ركيزتان لتحسين جودة التكفل الصحي

Author
بثينة صايفي 10 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد جودة التكفل الصحي مرتبطة بالجانب الطبي والعلاجي فقط، بل أصبحت ترتبط أيضا بمدى قدرة الطبيب على الإنصات للمريض وفهم مخاوفه ومرافقته خلال مختلف مراحل العلاج.

فالمريض الذي يدخل عيادة الطبيب لا يحمل معه أعراضا جسدية فحسب، وإنما يأتي أيضا محمّلا بأسئلة وهواجس ومخاوف تتطلب الإصغاء والتعامل معها بقدر من التعاطف والمسؤولية.

 

الإنصات للمريض يخفف شعور الإهمال والترك

وفي هذا السياق، يشدد البروفيسور خالد لعيادي على أن شعور المريض بأنه متروك أو غير مفهوم من قبل محيطه الطبي ليس أمرا هامشيا، بل واقع قد ينعكس بشكل مباشر على نفسيته وعلى نظرته إلى مسار التكفل والعلاج، فالمريض لا يدخل إلى عيادة الطبيب حاملا أعراضا أو شكاوى جسدية فقط، وإنما قد يكون محمّلا أيضا بالقلق والخوف والتساؤلات المرتبطة بمرضه، وتشخيصه، والعلاج الذي سيخضع له، فضلا عن مخاوفه بشأن تطور حالته الصحية ومستقبله.

ومن هذا المنطلق، يرى المتحدث أن الإنصات الجيد ينبغي أن يكون جزءا أساسيا من مسؤولية الطبيب، باعتباره الخطوة الأولى لفهم المريض واحتياجاته الحقيقية، فقبل الانتقال إلى التشخيص أو وصف العلاج، يحتاج المريض إلى أن يشعر بأن الطبيب يستمع إليه فعلا، ويمنحه الوقت الكافي للتعبير عن آلامه ومخاوفه وطرح مختلف الأسئلة التي تشغله، دون أن يشعر بأنه مستعجل أو أن حديثه غير مهم.

ويؤكد البروفيسور أن المريض قد يحضر للاستشارة وهو يفكر مسبقا في مجموعة من الأسئلة التي يريد طرحها على طبيبه، سواء تعلق الأمر بالعلاج أو بالتشخيص أو بالتوقعات المرتبطة بحالته، غير أن مقاطعته أو اختصار حديثه بشكل مفرط قد يحول دون وصول هذه الانشغالات إلى الطبيب، وبالتالي قد يفوّت فرصة مهمة لفهم الجانب النفسي والإنساني للحالة إلى جانب أعراضها الطبية.

كما أن الاستماع، بحسب المتحدث، لا يعني مجرد السماح للمريض بالكلام، وإنما يتطلب إبداء قدر من التعاطف ومحاولة فهم ما يعيشه المريض فعليا، فالمرافقة الطبية لا تتوقف عند تقديم العلاج، وإنما تشمل أيضا طمأنة المريض، وتوضيح الخيارات المتاحة أمامه، والإجابة عن تساؤلاته، ومساعدته على فهم مسار التكفل حتى يكون شريكا في القرار المتعلق بصحته.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التعاطف الطبي باعتباره عنصرا مهما في بناء علاقة قائمة على الثقة بين الطبيب والمريض، فحين يشعر المريض بأن طبيبه يستمع إليه ويأخذ مخاوفه على محمل الجد، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن حالته، وأكثر استعدادا لفهم التوجيهات الطبية والالتزام بالعلاج المقترح.

ويرى البروفيسور خالد لعيادي أن هذا البعد الإنساني يصبح أكثر أهمية عندما يمر المريض بمرحلة صعبة أو يعيش حالة من القلق وعدم اليقين، إذ يمكن لطريقة تعامل الطبيب معه أن تحد من شعوره بالإهمال أو التخلي عنه، ولذلك فإن الطبيب مطالب، قدر الإمكان، بأن يوازن بين الجانب التقني للعلاج والجانب الإنساني في التكفل، وأن يجعل من الإنصات والمرافقة جزءا من ممارسته اليومية.

ولا يعني التأكيد على أهمية الإنصات، يوضح المتحدث، توجيه الاتهام إلى الأطباء، خصوصا أن الممارسة الطبية تتم في كثير من الأحيان في ظل ضغط مهني وعبء كبير من المرضى وضيق الوقت، غير أن هذه الظروف، رغم صعوبتها، لا تلغي الحاجة إلى بذل كل جهد ممكن للحفاظ على جودة التواصل، لأن دقائق إضافية من الإصغاء قد تكون كفيلة بمنح المريض شعورا أكبر بالأمان والثقة.

وبذلك، يصبح الإنصات للمريض أكثر من مجرد سلوك مهني، بل جزءا من المسؤولية الطبية التي تقوم على فهم المريض ومرافقته وتوجيهه، بما يسمح بإقامة علاقة علاجية أكثر إنسانية ويساهم في تحسين جودة التكفل الصحي.

 

المسؤولية الطبية تتجاوز وصف العلاج

ويرى البروفيسور أن كل هذه المقاربة يمكن اختزالها في مفهوم أساسي هو “المسؤولية”، موضحا أن الطبيب المسؤول هو الذي يمتلك القدرة على مرافقة المريض، وإظهار التعاطف معه، وتوجيهه بالشكل المناسب، بما يسمح ببناء علاقة علاجية قائمة على الثقة والتفاهم.

وفي هذا السياق، يؤكد أن اختيار العلاج الأنسب ينبغي أن يكون ثمرة نقاش وتفاهم بين الطبيب والمريض، من أجل اعتماد المسار العلاجي الأكثر ملاءمة لحالته، بما يسمح بتحقيق أفضل استجابة ممكنة والتخفيف من معاناته، ويرى البروفيسور خالد لعيادي أن المقاربة السليمة للتكفل بالمريض يمكن اختزالها في مفهوم أساسي هو المسؤولية الطبية، التي لا ينبغي حصرها في تشخيص المرض ووصف الدواء أو العلاج المناسب، وإنما تمتد إلى مختلف مراحل العلاقة بين الطبيب والمريض، فمسؤولية الطبيب تبدأ، بحسبه، من الإنصات الجيد للمريض وفهم ما يعانيه، ولا تنتهي عند تقديم العلاج، بل تشمل أيضا مرافقته وتوجيهه ومساعدته على تجاوز مختلف المخاوف المرتبطة بحالته الصحية.

ويؤكد المتحدث أن الطبيب المسؤول هو الذي يدرك أن المريض ليس مجرد حالة طبية أو ملف يحمل تشخيصا وأعراضا، وإنما إنسان يحتاج إلى من يستمع إليه ويتفهم وضعه ويأخذ مخاوفه بعين الاعتبار. ومن هنا تبرز أهمية التعاطف في الممارسة الطبية، باعتباره عاملا يساعد على بناء علاقة علاجية قائمة على الثقة والتفاهم، ويمنح المريض شعورا بأنه يحظى بالتكفل والاهتمام وليس مجرد متلقٍ لوصفة علاجية.

كما أن المسؤولية، وفق هذه المقاربة، تفرض على الطبيب أن يشرح للمريض وضعه الصحي والخيارات المتاحة أمامه، وأن يتيح له المجال لطرح أسئلته والاستفسار عن مختلف جوانب العلاج وتطور حالته، فكلما كان المريض أكثر فهما لما يمر به، كان أكثر قدرة على المشاركة في مسار التكفل واتخاذ القرارات المتعلقة بصحته بالتعاون مع طبيبه.

وفي هذا السياق، يشدد البروفيسور خالد لعيادي على أن اختيار العلاج الأنسب لا ينبغي أن يكون عملية منفصلة عن المريض، وإنما ثمرة نقاش وتفاهم بين الطبيب والمريض، بعد تقييم الحالة الصحية وفهم خصوصيتها واحتياجات صاحبها، فالعلاج الأكثر ملاءمة ليس بالضرورة مجرد خيار تقني، بل هو أيضا مسار ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار وضع المريض وقدرته على التعامل مع العلاج وتطلعاته ومخاوفه.

وتسمح هذه المقاربة، بحسبه، بإقامة علاقة علاجية أكثر توازنا، يكون فيها الطبيب موجها ومرافقا للمريض، وليس فقط مقدما للعلاج، كما تساعد على تعزيز الثقة المتبادلة، وهي عنصر أساسي في نجاح التكفل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحالات تتطلب متابعة طويلة أو قرارات علاجية متعددة.

ولا تعني هذه المسؤولية أن الطبيب قادر دائما على تحقيق النتائج التي يتطلع إليها المريض، وإنما تعني، بالدرجة الأولى، أن يبذل ما في وسعه لفهم الحالة، واختيار المسار العلاجي الأكثر ملاءمة، وشرح الخيارات المتاحة، ومرافقة المريض خلال مراحل العلاج. فالمسؤولية هنا ترتبط أيضا بطريقة ممارسة المهنة وبالحرص على أن يشعر المريض بأنه شريك في مساره العلاجي.

ومن هذا المنظور، تصبح المسؤولية الطبية مفهوما أوسع من مجرد الالتزام بالجانب التقني، إذ تجمع بين الكفاءة المهنية والإنصات والتعاطف والتوجيه، وهي عناصر، يرى البروفيسور خالد لعيادي، من شأنها أن تساهم في تحسين جودة التكفل، والتخفيف قدر الإمكان من معاناة المرضى، وتعزيز الثقة في العلاقة التي تجمعهم بمقدمي الرعاية الصحية.

 

وقت الاستشارة جزء من جودة التكفل

وينبه البروفيسور خالد لعيادي أيضا إلى أهمية تفادي الاستعجال خلال الاستشارات الطبية، معتبرا أن الطبيب مطالب بمنح المريض الوقت الكافي للتعبير عن انشغالاته وطرح أسئلته.

فالمريض، كما يوضح، كثيرا ما يدخل إلى عيادة الطبيب وهو يحمل قائمة من الأسئلة التي حضّرها مسبقا، سواء تعلق الأمر بالعلاج أو بالتشخيص أو بالتوقعات المستقبلية لحالته الصحية، ولذلك فإن منحه فرصة الحديث إلى النهاية يعد أمرا ضروريا لفهم احتياجاته ومخاوفه بشكل أفضل.

ويشير المتحدث إلى أن المريض قد يجد نفسه أمام وضعيتين مختلفتين أثناء الاستشارة: إما أن يكون بين يدي طبيب يصغي إليه حتى النهاية ويمنحه الوقت الكافي للتعبير، أو أمام طبيب يتعامل مع الاستشارة بشكل استعجالي ويقاطعه، ما قد يحول دون إتمامه لما كان يريد طرحه من أسئلة وانشغالات.

ويؤكد أن هذه الملاحظة لا تعني توجيه الاتهام إلى الأطباء، وإنما تسليط الضوء على أهمية الإنصات باعتباره عنصرا أساسيا في العلاقة العلاجية.

 

ضغط العمل لا يلغي واجب الإنصات

وفي المقابل، يلفت البروفيسور خالد لعيادي إلى أن بعض الأطباء يعملون في ظروف تتسم بضغط كبير وعبء مهني مرتفع، وهو ما قد يؤثر أحيانا على الوقت والصبر المتاحين لكل مريض.

غير أنه يرى أن ذلك ينبغي ألا يحول دون بذل الطبيب أقصى ما يستطيع من أجل الحفاظ على جودة التواصل مع مرضاه، والاستماع إليهم باهتمام، ومحاولة فهم ما يواجهونه، بما يسمح في النهاية باقتراح علاجات وتكفل يتناسبان مع احتياجات كل حالة.

 

التعاطف والتوجيه نحو علاج أنسب

ويخلص البروفيسور خالد لعيادي إلى أن التكفل الصحي الجيد لا يقوم على الجانب الطبي والتقني وحده، وإنما يتطلب أيضا بعدا إنسانيا يقوم على الاستماع والتعاطف والمرافقة. فكلما تمكن الطبيب من فهم المريض بشكل أفضل، كان أكثر قدرة على توجيهه واختيار النهج العلاجي المناسب، بما يعزز الثقة ويحد من شعور المريض بالإهمال أو التخلي عنه.

↑