الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

المسارات الأغسطينية في الجزائر.. بين التوثيق الأثري ورهانات السياحة الذاكرتية

Author
هارون عمري 12 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل الجغرافيا الحاضنة للتاريخ الفكري إحدى أهم الركائز التي تعتمد عليها الدول في تثبيت هويتها، وإبراز مساهمتها الفعلية في مسار الحضارة الإنسانية، وتتجاوز المعالم الأثرية كونها شواهد مادية محضة، لتصبح أوعية تحفظ الذاكرة الجماعية ومسارات التطور الفلسفي والروحي عبر العصور.

وضمن هذا المنظور الاستراتيجي، الرامي إلى صون الإرث الحضاري العريق للجزائر وتأطيره مؤسساتيا، أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، على تنصيب اللجنة الوطنية المكلفة بمتابعة ملف “المسارات الأغسطينية في الجزائر”، تحضيرا لتقديمه إلى منظمة اليونسكو.

وتؤسس هذه الخطوة لمرحلة متقدمة من العمل المنهجي الذي يربط بين الحفريات الأكاديمية، وحماية الممتلكات الثقافية، وتطوير آليات التنمية المحلية المرتكزة على السياحة الذاكراتية.

الجغرافيا الفكرية.. قراءة في امتداد الحواضر النوميدية عبر التاريخ

​يمثل مشروع “المسارات الأغسطينية” ملحمة مكانية تمتد على مسافة تقارب 1500 كيلومتر، رابطة بين مدن الشرق والوسط الجزائري القديم، في نسيج واحد يعيد رسم الخارطة الفكرية للمنطقة.

ويضم هذا الملف مجموعة متميزة من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية التي شكلت مسرحا للحياة الثقافية والروحية والاجتماعية في العصور الغابرة. وتتمثل هذه المحطات في؛ هيبون (عنابة)، وكالاما (ڤالمة)، وتيبيليس (سلاوة عنونة)، وتوبيرسيكو- نوميداروم (خميسة)، ومادور (مداوروش)، وتاغاست (سوق أهراس)، وكاستيلوم تيديتانوروم (تيديس)، وثاغورة (تاورة)، وميلاف (ميلة)، وسيتيفيس (سطيف)، وقيصرية (شرشال)، وكارتيناس (تنس)، وتيفاست (تبسة)، وثوبونا (طبنة بباتنة).

​وتسمح هذه الجغرافيا الواسعة باكتشاف التنوع المعماري والوظيفي للحواضر الجزائرية القديمة، حيث تندمج القلاع العسكرية بالمدن الفلسفية والمراكز التجارية الكبرى.

وتؤكد هذه المواقع، من خلال شواهدها القائمة، أن الجزائر لم تكن مجرد جغرافيا عابرة في حوض المتوسط، إنما كانت مركزا حيويا لصناعة القرار الفكري والروحي. ويساهم هذا المسار في إبراز التراكم الحضاري الذي شهدته بلادنا، حيث تفاعلت الشخصية الجزائرية مع مختلف التيارات الفكرية العالمية، وأنتجت نموذجا حضاريا متفردا يجمع بين الأصالة المحلية والانفتاح العالمي، ما جعل من هذه المدن منارات معرفية كانت تصدر النور الفكري إلى القارات الأخرى.

​هندسة الملف التقني.. المقاربة العلمية في إدارة التراث العالمي

تعتمد اللجنة الوطنية المنصبة، التي تضم نخبة من الخبراء والمختصين في مجالات علم الآثار، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، وخبراء تثمين التراث، على منهجية علمية دقيقة تهدف لضمان المتابعة الدقيقة لكل تفاصيل ملف التصنيف.

وتتركز مهام هذه اللجنة حول المتابعة الميدانية والتوثيق الأكاديمي، وضمان التنسيق الأمثل مع الهيئات الوطنية واليونسكو. وتعمل هذه النخب على وضع استراتيجيات مبتكرة لتثمين هذه المسارات باعتبارها وجهة ثقافية عالمية، والترويج لها بأسلوب يعكس قيمتها التاريخية الاستثنائية.

​وتتضمن مهام اللجنة الإشراف المباشر على برامج الحفظ والصون للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية ضمن هذه المسارات، بالتعاون الوثيق مع الباحثين المتخصصين.

ويشكل تشجيع البحث العلمي والدراسات الأكاديمية ركيزة أساسية لتعميق الفهم بهذا الإرث الحضاري الغني، وضمان تقديمه في ملف تقني يستوفي المعايير الدولية الصارمة لمنظمة اليونسكو.

وتؤسس هذه المقاربة العلمية لمرحلة جديدة من تسيير الممتلكات الثقافية، تعتمد على البيانات الأولية والسياقات الثقافية الدقيقة، ما يرفع من حظوظ الجزائر في حيازة اعتراف دولي بمكانة هذه المسارات، كجزء لا يتجزأ من التراث الإنساني المشترك.

صورة تمثيلية لشخصية أغوسطين

​أغسطين.. عبقرية الأرض التي أضاءت العالم بفكرها

​يستمد المشروع “الأغسطيني” اسمه وقوته من الشخصية التاريخية الفذة التي ولدت ونمت في ربوع هذه الأرض؛ “أغسطين”. ويأتي هذا المشروع ليبرز العمق التاريخي والثقافي للجزائر، مؤكدا أن الفكر الأغسطيني هو نتاج خالص للبيئة الجزائرية القديمة.

لقد شكّل فكر هذا الرجل جسرا عابرا للقارات والأديان، ومنبعا للنور الفكري الذي ساهم في صياغة مفاهيم العدالة والحرية والبحث عن الحقيقة، ويتميز “مسار أغسطين” بخصائص تجعله متفردا ومنافسا للمسارات العالمية الكبرى، لكونه يجسد التفاعل العميق بين الإيمان والعقل في سياق ثقافي متعدد الأبعاد.

​ويسمح هذا التوجه بتقديم الرواية التاريخية الوطنية برؤية تبرز الانصهار الحضاري الذي شهدته الجزائر، وكيف استطاعت الشخصيات الجزائرية القديمة التأثير في الوعي الإنساني العالمي.

ويمثل المسار شهادة حية على التنوع الحضاري والفكري الذي عرفته بلادنا، رابطا بين الحواضر النوميدية العريقة، ومقدما إياها للعالم كشواهد حية على عبقرية الأرض الجزائرية.

ويتحول المسار بذلك إلى فضاء معرفي مفتوح، يتيح للباحثين والزوار اكتشاف القيمة الرمزية للمؤهلات الثقافية في الحوض المتوسطي، ويعزز من كبرياء الانتماء لهوية وطنية ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ.

​السياحة الذاكراتية.. تحويل المواقع الأثرية إلى أقطاب للتنمية

يفتح تصنيف “المسارات الأغسطينية” آفاقا رحبة لتطوير نمط سياحي متخصص يعرف بـ”السياحة الذاكراتية”، ويهدف هذا التوجه إلى تحويل المواقع الأثرية المتناثرة إلى فضاءات نابضة بالحياة، ترفد الحركية الثقافية وتخلق ديناميكية اقتصادية محلية في الولايات والمناطق التي يمر بها المسار.

ويساهم استغلال هذه المسارات في تنويع العرض السياحي الوطني، وتجاوز الأنماط التقليدية نحو سياحة ثقافية ومعرفية ذات قيمة مضافة عالية، تجذب النخب الأكاديمية والباحثين والزوار المهتمين بالتاريخ والآثار من مختلف دول العالم.

​وتؤدي هذه الحركية الاقتصادية إلى تنشيط قطاعات الخدمات المرافقة، وتطوير البنى التحتية للمناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، وتنشيط الحرف التقليدية المرتبطة بالهوية المحلية.

وتدعم هذه الديناميكية جهود تنويع مصادر الدخل الوطني استنادا إلى الموارد التراثية، مع احترام صارم لخصوصية المعالم وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

ويتحوّل الموقع الأثري، بفضل هذه الرؤية، من “طلل جامد” إلى مورد اقتصادي متجدد، يساهم في تحسين المستوى المعيشي للسكان المحليين، ويعزز من وعيهم بأهمية الحفاظ على موروثهم، كونه جزءا من ثروتهم الوطنية المستقبلية.

​من حماية التراث إلى بناء اقتصاد ثقافي

في هذا السياق، يؤكد الباحث في التراث، محمد رحال، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن مشروع “المسارات الأوغسطينية” يمثل مقاربة تنموية حضارية تقوم على تجميع أبرز المعالم الأثرية النوميدية عبر ولايات الوطن، ضمن مسار يمتد على نحو 1500 كلم، ويضم مواقع مثل هيبون وتاغيت وتاغورة.

وأوضح أن الهدف من المشروع هو التعريف بهذه المواقع والترويج لها عبر إدراجها ضمن ملف موحد لدى منظمة اليونسكو، بما يضمن حمايتها كجزء من التراث الثقافي والإنساني، مشيرا إلى طرحه خلال الدورة الثامنة والأربعين بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية.

محمد رحّال

وأضاف أن هذه المسارات تربط الجزائر بفضائها المتوسطي والإفريقي، وتسهم في إبراز عمقها التاريخي والفلسفي، بما يدعم السياحة الثقافية والاقتصادية ويعزز مكانة الاقتصاد التراثي.

​الترويج الدولي.. بناء صورة ذهنية جديدة للوجهة الجزائرية

​يعد الترويج للمسارات الأغسطينية، على نطاق واسع، جزءا أصيلا من مهام اللجنة الوطنية، حيث تهدف الاستراتيجية المعتمدة إلى زحزحة الصور النمطية وتقديم الجزائر كقطب سياحي وثقافي من الطراز الأول.

ويساهم حضور الخبراء الدوليين في أقطاب التميز الأثرية الجزائرية في خلق احتكاك مباشر مع القيمة الحقيقية للموروث الوطني، سواء من حيث البعد التاريخي والجمالي، أو من حيث القيمة الرمزية للمؤهلات السياحية في العالم.

ويتحوّل الزائر المتخصص، بفضل هذه المسارات، من مجرد “سائح” إلى “سفير معرفي”، ينقل صورة واقعية ومبنية على التجربة الشخصية عن ثراء الجزائر، وتساهم المنصات الرقمية والجولات الافتراضية والدعائم البصرية الحديثة في تقريب هذه المسارات من الجمهور العالمي، ما يسهل عملية الوصول إلى المعلومات والبيانات الأولية المرتبطة بكل موقع.

ويؤدي هذا الانفتاح الترويجي إلى تعزيز تنافسية الوجهة الجزائرية في سوق السياحة الثقافية العالمية، ويضع البلاد في مصاف الدول التي تمتلك “مسارات تراثية كبرى” تضاهي المسارات التاريخية في أوروبا وحوض المتوسط، ما يساهم في بناء سمعة دولية قوية تستند إلى الحقائق التاريخية والشواهد الأثرية الملموسة.

أ. إدريس بوديبة

البحث العلمي كدرع لحماية الموروث وتطويره

​ في سياق يتجه نحو إعادة تثمين المرجعيات الفكرية ضمن المقاربة الثقافية، يبرز الاهتمام بالفكر الأوغسطيني كمدخل لإعادة قراءة التاريخ الجزائري من زاوية معرفية تتقاطع فيها الفلسفة بالهوية.

في هذا الإطار، يرى الكاتب والناقد ومدير سابق للثقافة بعدة ولايات، أ. إدريس بوديبة، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن هناك عودة لوعي جديد يدعو إلى تثمين النقاط المضيئة في تاريخ الجزائر بمختلف مراحله، معتبرا أن الفكر الأوغسطيني يندرج ضمن هذه الرؤية الشاملة، لكونه يشكل جسرا ممتدا بين التراث الكلاسيكي اليوناني والوجدان الغربي الحديث.

وأوضح أن هذا الفكر يتميز بقدرته على التجدد من خلال قراءات متواصلة، ما يجعله رؤية فكرية مؤثرة في تشكيل الوعي والتعامل مع الأزمات المعاصرة، مشددا على ضرورة اضطلاع الجامعات الجزائرية ومراكز البحث بدور محوري في ترميم الذاكرة الوطنية من منظور علمي يراعي التحولات الكونية.

وأضاف أن إعادة اكتشاف “الجزائر الخالدة”، عبر هذا العمق الفكري، يتيح للجامعة الجزائرية أن تتبوأ موقعا قياديا في الدراسات الأوغسطينية، ويعزز حضورها في المؤتمرات والمحافل الدولية، خاصة وأن شخصية أوغسطين تُعد من أكثر الشخصيات استقطابا للبحوث والندوات عبر العالم.

وأشار إلى أن هذا الاهتمام لا يقتصر على البعد الأكاديمي، بل يحمل رسالة ثقافية للعالم، مفادها أن الجزائر تحتفي بجميع أبنائها الذين ساهموا في إثراء الفكر والحضارة الإنسانية، بغض النظر عن اختلاف المعتقدات أو السياقات التاريخية، وهو ما يعزز صورتها كفضاء حضاري منفتح ومتعدد.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"