الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

المسارات الأوغسطينية تضيء.. الجزائر عاصمة التسامح الديني

Author
الأيام نيوز 13 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

وتأتي هذه المحطة في سياق احتفاء الجزائر بإرثها الحضاري المتعدّد، وإصرارها على ترسيخ صورتها كأرض للسلام والتعايش، وفضاء عرف عبر تاريخه الطويل تعاقب حضارات وثقافات مختلفة. هذا الحضور يأتي امتدادا لتجربة تاريخية صاغت علاقة البلاد بالتنوع، وجعلتها نقطة التقاء بين الضفتين الإفريقية والمتوسطية، وبين المرجعيات الإسلامية والمسيحية والإنسانية المشتركة. غير أن رمزية هذا الحدث لا تقف عند هذا البعد الاحتفائي، بل تفتح نقاشا أوسع حول دلالاته وتقاطعاته، وحول الرسائل التي يمكن أن تمتد إلى الفضاء الأوروبي، في ظل تصاعد خطابات سياسية توظف الدين والهجرة والهوية لتغذية صراعات داخلية بالغة التعقيد.

إنها لحظة استثنائية تعكس إرادة جزائرية لترسيخ قيم السلم والتعايش، وتؤكد حضور الجزائر كجسر للتواصل الحضاري وصوت مدافع عن قيم السلام والإنسانية. فاستقبال شخصية دينية عالمية بهذا الحجم يعيد التذكير بتاريخ طويل من التفاعل الحضاري، ويبرز موقع الجزائر كفضاء للتلاقي والحوار بدل الانغلاق والصراع. كما يعزز تقاطع الرسالة الروحية للزيارة مع الرؤية الجزائرية القائمة على الحوار واحترام سيادة الدول، ونبذ الكراهية والتطرف، ما يمنحها امتدادا يتجاوز اللحظة الدينية نحو أفق إنساني أوسع.

وتتوسع الأسئلة التي يثيرها هذا الحدث داخل النقاشات الفكرية والإعلامية، لتشمل أسباب الانزعاج الذي تبديه بعض التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا من زيارة تحمل خطابا سلاميا إلى بلد يقدّم نفسه كفضاء للتعايش. كما يبرز تساؤل مواز حول الخلفيات التي جعلت الفضاء البابوي يضع الجزائر ضمن أولى محطاته الخارجية، في لحظة يعاد فيها تشكيل خرائط التأثير الرمزي للدين عالميا، بما يتجاوز الحسابات التقليدية إلى رهانات القوة الناعمة.

ويتعمق هذا النقاش عند مقاربة موقع الجزائر ذاته، وكيف نجحت في ترسيخ صورتها أرضا للتسامح الديني والحوار المنفتح بين المرجعيات الروحية المختلفة. ويستند هذا الحضور إلى تراكب تاريخي وثقافي وديني جعل البلاد نقطة التقاء بين الإرث المتوسطي والإفريقي، وبين التجربة الإسلامية والمسيحية والإنسانية المشتركة، بما يمنحها قدرة على تقديم نموذج يقوم على إدارة الاختلاف بدل إلغائه.

كما يستعيد هذا السياق حضور القديس أوغسطينوس مرجعا فكريا وروحيا يربط الذاكرة المحلية بالامتداد الإنساني الأوسع، ويعيد طرح سؤال العلاقة التي يعيد الفضاء الفاتيكاني صياغتها مع هذا الإرث، وكيف يُستثمر في بناء خطاب جديد حول الدين والعقل والتعايش. وفي السياق نفسه، يكتسب ملف “المسارات الأوغسطينية” الذي تعمل الجزائر على تقديمه إلى منظمة اليونسكو أهمية متزايدة، باعتباره جزءا من رؤية شاملة لتثمين التراث الثقافي والديني وإعادة إدماجه ضمن الفضاء الإنساني المشترك، بما يعزز موقع البلاد داخل الخريطة الحضارية العالمية.

وتتداخل هذه الأسئلة مع مقاربة ترى أن استضافة هذا الحدث تستحضر تاريخ الجزائر الطويل الذي عرف تعاقب حضارات متعددة، وتعيد التأكيد على إرثها القائم على التعايش والتسامح والدفاع عن قيم السلام. ويترسخ من خلال ذلك تصور للجزائر كجسر للتواصل وصوت مدافع عن الإنسان وكرامته، حيث يتحول مفهوم السلام إلى قيمة حضارية عليا تستمد قوتها من تجارب الشعوب التي واجهت القهر وسعت إلى تثبيت الكرامة.

ومن منظور أوسع، يعكس هذا الحدث بعدا دبلوماسيا يتجاوز منطق التوازنات التقليدية نحو منطق التأثير عبر القوة الناعمة، حيث تتقاطع القيم الدينية والإنسانية في صياغة نماذج جديدة للعلاقات الدولية تقوم على الانفتاح والحكمة. وفي هذا الإطار، يبرز الفضاء الجزائري والفاتيكان نموذجا لإمكانية بناء علاقات تستند إلى المشترك القيمي بدل الصراع.

محلّلون لـ”الأيام نيوز”: زيارة البابا تضرب خطاب الإسلاموفوبيا وتعزز التعايش

تتّجه الجزائر إلى تعزيز حضورها الفكري والثقافي على المستويين الإفريقي والمتوسطي، من خلال تنظيم اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر، التي أعلنت عنها وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، والمقررة من 28 إلى 30 أفريل بالعاصمة، بمشاركة نخبة من الباحثين والمفكرين من مختلف الدول، في دورة خُصصت للاحتفاء بفكر القديس أوغسطينوس بوصفه رمزا للتفاعل الحضاري بين ضفتي المتوسط وإفريقيا.

وتأتي هذه التظاهرة الفكرية في سياق أوسع يشهد تحركات ثقافية ودبلوماسية تعكس رغبة الجزائر في إعادة تثبيت موقعها كجسر للحوار الحضاري والديني، خاصة في ظل التحضير لزيارة البابا المرتقبة إلى الجزائر، وهي الزيارة التي تحمل، بحسب تصريحات الدكتور إسماعيل خلف الله لـ”الأيام نيوز”، أبعادا تتجاوز الطابع البروتوكولي لتدخل في إطار الرسائل السياسية والثقافية ذات الدلالات العميقة.

يرى الدكتور إسماعيل خلف الله أن زيارة البابا إلى الجزائر تندرج ضمن سياق سياسي وثقافي حساس، خاصة في ظل ما وصفه بمحاولات بعض التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا تقديم الجزائر بصورة نمطية باعتبارها معادية للغرب أو متشددة في علاقتها مع المسيحية. ويؤكد في تصريحه لـ”الأيام نيوز” أن هذه الخطابات تقوم على اعتبارات أيديولوجية وتاريخية، وتسعى إلى عزل الجزائر وإضعاف حضورها في الفضاء الأوروبي والمتوسطي.

ويشير خلف الله إلى أن زيارة البابا، بوصفه أعلى مرجعية كاثوليكية، تحمل رسالة قوية للحوار والسلام، وهو ما يجعلها، وفق تعبيره، تهدد الخطابات التي تقوم على فكرة الصراع الحضاري. فاستقبال الجزائر لهذه الزيارة يقدم صورة مغايرة تماما لما تروج له بعض الأطراف المتشددة، ويؤكد قدرة الجزائر على لعب دور في تعزيز التفاهم بين الأديان والثقافات.

ويضيف المتحدث أن هذه الزيارة تمثل مكسبا للدبلوماسية الجزائرية، إذ تمنح البلاد صورة إيجابية وتعزز حضورها الدولي، خاصة في إفريقيا، مشيرا إلى أن هذا التطور قد يشكل، في المقابل، خسارة سياسية للتيارات التي تستثمر في توتر العلاقات الجزائرية الأوروبية، وخاصة في فرنسا، حيث يتم توظيف هذا الملف في سياقات سياسية داخلية.

كما يلفت خلف الله إلى أن اليمين المتطرف استثمر طويلا في تعثر العلاقات بين الجزائر وباريس، محاولا تضخيم الخلافات واستغلالها سياسيا. غير أن زيارة البابا، بحسب تحليله، قد تُضعف هذه المقاربة وتُحرج الخطاب المتشدد الذي يعتمد على تصوير الجزائر كدولة منغلقة أو بعيدة عن الحوار الحضاري.

وفي السياق نفسه، يرى المتحدث أن هذه الزيارة تمثل أيضا ضربة لخطاب “الإسلاموفوبيا” الذي يروّج له في بعض الأوساط السياسية الأوروبية، خاصة في ظل وجود جالية جزائرية كبيرة في فرنسا. فزيارة البابا إلى الجزائر، وفق هذا الطرح، تعكس نموذجا للتعايش الديني، وتُضعف الخطابات التي تربط بين الإسلام والهجرة ومخاوف الهوية.

الجزائر.. عمق تاريخي يؤهلها للتسامح الديني

وفي قراءته لدلالات الزيارة، يؤكد الدكتور إسماعيل خلف الله أن إصرار البابا على زيارة الجزائر يعكس إدراكا لأهمية هذا البلد من حيث موقعه الحضاري والتاريخي، مشيرا إلى أن الجزائر تمتلك رصيدا تاريخيا متنوعا في مجال التعدد الديني، حيث عرفت وجود الوثنيات والمسيحية قبل دخول الإسلام.

ويضيف أن هذا التراكم التاريخي جعل الجزائر فضاء للتفاعل الحضاري، وهو ما يعزز فكرة اعتبارها أرضا للحوار بين الأديان. كما يشير إلى أن الإسلام في الجزائر اتسم عبر التاريخ بالاعتدال والانفتاح، الأمر الذي ساهم في ترسيخ قيم التعايش والتسامح داخل المجتمع.

ويؤكد خلف الله أن التجربة الجزائرية، خاصة خلال فترات مواجهة الفكر المتطرف، عززت رفض المجتمع الجزائري للتشدد، وهو ما يجعل البلاد، بحسب تحليله، مؤهلة للعب دور إقليمي في نشر ثقافة الحوار والانفتاح.

كما يبرز المتحدث أهمية الإرث المسيحي في الجزائر، خاصة ارتباطه بشخصيات فكرية بارزة مثل القديس أوغسطينوس، الذي يمثل أحد أعمدة الفكر المسيحي العالمي. ويعتبر أن هذا البعد التاريخي يمنح الجزائر موقعا مميزا في الحوار الديني والثقافي، ويعزز العلاقات مع الفاتيكان.

وفي سياق متصل، يؤكد خلف الله في تصريحاته لـ”الأيام نيوز” أهمية مشروع “المسارات الأوغسطينية”، الذي تعمل الجزائر على تقديمه ضمن ملفات الترشيح إلى منظمة اليونسكو، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل تحولا استراتيجيا في مقاربة حماية التراث الوطني.

وأوضح أن قرار تشكيل لجنة وطنية للإشراف على هذا الملف يعكس رؤية شاملة تهدف إلى حماية الذاكرة التاريخية للجزائر وتثمين مواقعها الأثرية، خاصة تلك المرتبطة بحياة القديس أوغسطينوس، والتي تنتشر في عدة مناطق من شرق البلاد، لاسيما سوق أهراس والمناطق المجاورة.

وأشار خلف الله إلى أن هذه المبادرة لا تقتصر على البعد الثقافي فقط، بل تمتد إلى تعزيز مكانة الجزائر دوليا، من خلال إدراج هذه المواقع ضمن قائمة التراث العالمي، وهو ما يمنحها حماية دولية إضافية ويعزز جاذبيتها السياحية والعلمية.

كما أكد أن العناية بالمسارات الأوغسطينية تمثل جسرا حضاريا بين الثقافات، وتبرز مساهمة الجزائر في التاريخ الإنساني المشترك، مضيفا أن هذه الخطوة ستسهم في تشجيع البحث العلمي والدراسات الأثرية، وإعادة قراءة تاريخ المنطقة بشكل أكثر عمقا.

طيفور: الجزائر تتحول إلى مركز للحوار الديني العالمي

وفي السياق ذاته، أكد المحلل السياسي، فاروق طيفور، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الانزعاج الذي تبديه بعض التيارات اليمينية في أوروبا لا يرتبط بالزيارة في حد ذاتها، بل بما تمثله من تهديد مباشر للسردية التي يقوم عليها خطاب اليمين المتطرف، القائم على فكرة “صراع الحضارات”. وأوضح أن زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى الجزائر بخطاب يدعو إلى التعايش، تقوّض هذا التصور، وتعيد تعريف المسيحية كدين لا كهوية مغلقة تتغذى من الحقد الإيديولوجي.

وأضاف طيفور أن إصرار البابا ليون الرابع عشر على زيارة الجزائر يعكس رؤية استراتيجية تتجاوز البعد الديني التقليدي، خاصة في ظل تصاعد توظيف الدين في الصراعات الدولية. ويرى أن الفاتيكان يسعى إلى تقديم نموذج بديل يثبت أن الدين يمكن أن يكون عامل تهدئة، لا أداة صراع، مشيرا إلى أن الجزائر توفر أرضية مناسبة لهذا الطرح بحكم استقرارها وتركيبتها الدينية.

كما اعتبر طيفور أن الجزائر تستمد أهليتها لهذا الدور من تراكب تاريخي وحضاري فريد يجمع بين الإرث الروماني والمسيحي المبكر، ممثلا في شخصية القديس أوغسطينوس، وبين عمقها الإسلامي وهويتها المتوسطية. ويرى أن هذا التعدد عزز نموذج “الهوية الواثقة” القادرة على التفاعل دون انغلاق، كما أن موقع الجزائر الجغرافي كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا يعزز من قدرتها على لعب دور منصة للحوار الحضاري.

وفي قراءة أخرى، أشار طيفور إلى أن ارتباط البابا ليون الرابع عشر فكريا بإرث القديس أوغسطينوس يمنح الزيارة بعدا رمزيا إضافيا، حيث يمثل أوغسطينوس نموذجا للمفكر المنفتح القادر على التوفيق بين الإيمان والعقل. ويرى أن استدعاء هذا الإرث يعكس رغبة في إبراز الجذور غير الأوروبية للمسيحية، وتأكيد أن الحوار الحضاري متجذر في التاريخ المشترك بين الشعوب.

كما توقف طيفور عند مشروع “المسارات الأوغسطينية” الذي تسعى الجزائر إلى تسجيله لدى اليونسكو، معتبرا أنه يمثل خطوة استراتيجية في توظيف التراث الثقافي كأداة قوة ناعمة. وأوضح أن المشروع لا يقتصر على حماية الإرث التاريخي، بل يهدف إلى إعادة تموضع الجزائر ضمن الخريطة الحضارية العالمية، وتعزيز حضورها في مجالات السياحة الثقافية والتعاون الأكاديمي.

وفي قراءة تكميلية لدلالات الزيارة، أكد عبد الحق بن سعدي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الحديث عن تحول الجزائر إلى عاصمة للتسامح الديني يظل مسارا معقدا ومتشابكا، يتطلب جهودا طويلة المدى ورؤية استراتيجية متكاملة، مشددا على أن الأمر لا يرتبط بحدث ظرفي أو نشاط محدد، بل بإرادة سياسية ومجتمعية متواصلة. وأوضح أن ترسيخ ثقافة التسامح الديني يستوجب نشر المعرفة وتعزيز التربية المنفتحة على التعددية، بما يسمح بتقبل الآراء المختلفة وتكريس ثقافة الحوار داخل المجتمع، وهو ما يتطلب وقتا وجهدا كبيرين لتحقيق النتائج المرجوة.

وأشار بن سعدي إلى أن تحقيق هذا الهدف يستدعي أيضا تعميم مبدأ الحرية وتجسيده قانونيا ومؤسساتيا، مع ضمان التطبيق الصارم للقوانين لتفادي استغلال المسألة الدينية في إثارة التوترات أو زعزعة الاستقرار. ويرى أن احترام الديانات المختلفة وضمان حرية ممارسة الشعائر وعدم التمييز بين الطوائف يمثل أساسا لبناء نموذج متكامل للتسامح الديني، ما يعزز مكانة الجزائر كفضاء للحوار والتعايش في المدى البعيد.

وفي سياق متصل، تطرق بن سعدي إلى شخصية البابا ليون الرابع عشر، معتبرا أن مواقفه تعكس تأثرا واضحا بفكر القديس أوغسطينوس، خاصة فيما يتعلق بقضايا التسامح والعدالة الاجتماعية والحوار بين الشعوب. وأوضح أن البابا الجديد أبدى اهتماما بملفات الهجرة والبيئة، كما اتخذ مواقف ذات طابع اجتماعي تعكس رؤية منفتحة للحوار العالمي.

وأضاف بن سعدي أن البابا ليون الرابع عشر يسير أيضا على خطى ليون الثالث عشر، الذي اشتهر بالدفاع عن حقوق العمال والعدالة الاجتماعية، مشيرا إلى أن البابا الجديد ينتمي إلى رهبنة القديس أوغسطين، وقد ترأسها لمدة اثنتي عشرة سنة، ما يعزز ارتباطه الفكري بإرث أوغسطينوس. كما لفت إلى أن أول خطاب للبابا بعد انتخابه ركز على أهمية الحوار بين الشعوب والأديان، وترسيخ قيم السلام والتسامح، وهو ما يمنح زيارته إلى الجزائر بعدا إضافيا يعزز مكانتها كأرض للحوار الحضاري.

استمرارية هذا التوجه في الخطاب الجزائري المعاصر

من جانبه، أكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، مبروك زيد الخير، أن زيارة البابا إلى الجزائر تمثل محطة استثنائية تعكس إرادة مشتركة لترسيخ قيم السلم والتعايش. وأوضح في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية أن استقبال الجزائر للحبر الأعظم يستحضر تاريخها الطويل الذي تعاقبت عليه حضارات متعددة، ما جعلها فضاء للتواصل الحضاري وصوتا مدافعا عن قيم السلام والإنسانية. ويبرز هذا الطرح البعد التاريخي للزيارة، إذ لا تنفصل عن إرث الجزائر كأرض للتعدد الثقافي والديني، ومجال للتفاعل الحضاري عبر قرون طويلة.

وأشار زيد الخير إلى أن شعار “السلام عليكم” الذي تحمله هذه الزيارة يعكس فلسفة عميقة لمعنى السلم، مؤكدا أن هذا المفهوم أصبح ضرورة حضارية في ظل التحديات العالمية الراهنة. ويرى أن هذه الزيارة لا تندرج فقط ضمن البعد الديني، بل تمثل أيضا رسالة إنسانية تدعو إلى التعاون ونبذ الصراعات، خاصة في عالم تتزايد فيه مظاهر التوتر والانقسام. وتبرز هذه القراءة كيف تتحول الزيارة إلى منصة رمزية لتجديد الدعوة إلى الحوار، في وقت تتصاعد فيه النزاعات الإقليمية والدولية.

كما أبرز رئيس المجلس الإسلامي الأعلى البعد الدبلوماسي للزيارة، معتبرا أن العلاقات الدولية لم تعد تقتصر على التوازنات السياسية التقليدية، بل باتت ترتكز على ما يعرف بالقوة الناعمة، التي تعتمد على القيم الإنسانية والثقافية. وفي هذا الإطار، يرى أن الجزائر والفاتيكان يقدمان نموذجا للعلاقات الدولية القائمة على الحكمة والرؤية المتبصرة، من خلال اشتراكهما في الدفاع عن قيم السلام والحوار. ويعكس هذا التصور اتجاها متزايدا في الدبلوماسية المعاصرة، حيث أصبحت الثقافة والدين أدوات مؤثرة في بناء الثقة بين الدول.

ولم يغفل زيد الخير الإشارة إلى البعد الإنساني لهذه الزيارة، معتبرا أنها تمثل فرصة للتأكيد على ضرورة نصرة المظلومين والوقوف إلى جانب الشعوب المستضعفة، بما يجعل الجزائر منصة للحوار البناء ومنطلقا لرسالة حضارية قائمة على حماية الإنسان وصون كرامته. وأضاف أن هذه الأبعاد تمنح الزيارة زخما خاصا، يجعلها حدثا استثنائيا يعكس معاني السلام والتسامح في زمن تتزايد فيه الصراعات.

كما توقف رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عند البعدين التاريخي والروحي للزيارة، مشيرا إلى ارتباطها بإرث القديس أوغسطينوس، الذي نشأ في أرض الجزائر وترك بصمة عميقة في الفكر الإنساني. ويرى أن استحضار هذا الإرث يمثل جسرا يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الجزائر كانت عبر التاريخ منبعا للقيم الإنسانية السامية. وفي هذا الإطار، تكتسب الزيارة بعدا رمزيا يعزز حضور الجزائر في مسارات الحوار الحضاري العالمي.

مصطفى شريف.. الحوار الديني خيار استراتيجي للجزائر

ومن جهة أخرى، تكتسب هذه الزيارة بعدا فكريا إضافيا من خلال التحليلات التي قدمها مصطفى شريف خلال استضافته في برنامج “بكل صراحة” على التلفزيون الجزائري، حيث قدم قراءة متعددة المستويات لدلالات زيارة البابا إلى الجزائر. وقد وضع شريف هذه الزيارة ضمن سياق أوسع يرتبط بمكانة الجزائر في العلاقات الدولية، مشيرا إلى أن استقبال شخصية دينية بحجم البابا يعكس إدراكا متزايدا لدور الجزائر كفاعل يسعى إلى تعزيز السلم العالمي.

وأشار شريف إلى أن الحديث عن الجزائر كجسر للحوار الحضاري لم يعد مجرد توصيف نظري، بل أصبح مرتبطا بممارسات دبلوماسية وثقافية متراكمة. ويرى أن هذه الزيارة تعكس رغبة الجزائر في تقديم نموذج بديل عن منطق الصراع، قائم على التعايش وإدارة الاختلاف. ويؤكد هذا التحليل أن الجزائر تسعى إلى تعزيز موقعها كوسيط حضاري في الفضاءين الإفريقي والمتوسطي.

كما ربط المفكر الجزائري هذا التوجه بالمرجعيات التاريخية للدولة الجزائرية، وعلى رأسها بيان أول نوفمبر 1954، الذي أسس لمنظومة قيمية تقوم على التوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح على العالم. ويرى أن هذه الخلفية التاريخية منحت الجزائر مصداقية في تعاملها مع قضايا الحوار بين الشعوب، وهو ما ينعكس في استقبالها لشخصيات دينية عالمية.

وفي حديثه عن حوار الأديان، استحضر شريف رمزين تاريخيين بارزين هما الأمير عبد القادر والقديس أوغسطينوس، باعتبارهما نموذجين للتسامح والتعايش. فالأول يجسد تجربة إنسانية رائدة في التسامح، خاصة خلال مواقفه في حماية مسيحيي دمشق، فيما يمثل الثاني امتدادا فكريا وإنسانيا عميقا في الفضاء المتوسطي.

كما تطرق شريف إلى تجربته الشخصية في الحوار مع الفاتيكان، مشيرا إلى لقاءاته مع عدد من البابوات، من بينهم يوحنا بولس الثاني وبنديكتوس السادس عشر وفرانسيس، مؤكدا أن هذه اللقاءات شكلت محطات مهمة لتعزيز الحوار الإسلامي المسيحي. وأوضح أن هذه التجارب أظهرت وجود اهتمام متبادل بتعزيز التواصل بين العالمين الإسلامي والمسيحي، بعيدا عن الصور النمطية التي تعيق الفهم المشترك.

وعند تطرقه لزيارة البابا ليون الرابع عشر، اعتبر شريف أن هذه المحطة قد تسهم في إعادة تشكيل بعض التصورات حول الجزائر، خاصة في ظل محاولات تقديم صورة أحادية عنها في بعض الخطابات الدولية. ويرى أن هذه الزيارة تتيح إبراز جوانب أخرى من الواقع الجزائري، المرتبطة بالتعدد الثقافي والديني والانفتاح الحضاري.

كما شدد المفكر الجزائري على أن حوار الأديان في السياق الجزائري لا ينفصل عن التحديات العالمية، بل يندرج ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى تخفيف التوترات وتعزيز التفاهم بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، يرى أن الجزائر تسعى إلى الإسهام في بناء أرضيات مشتركة للحوار، مستفيدة من رصيدها التاريخي وتجربتها في التعايش.

وتعكس زيارة البابا ليون الرابع عشر التي تنطلق اليوم الاثنين إلى الجزائر، استمرارية هذا التوجه في الخطاب الجزائري المعاصر، حيث تتقاطع الدبلوماسية الثقافية مع البعد الروحي والإنساني، لتشكل هذه الزيارة محطة مهمة في مسار تعزيز الحوار بين الأديان، وترسيخ صورة الجزائر كجسر حضاري يسعى إلى نشر قيم السلام والتعايش في عالم يزداد حاجة إلى التفاهم والتعاون.

الجزائر.. رهانات السياحة الذاكراتية

​تشكل الجغرافيا الحاضنة للتاريخ الفكري، إحدى أهم الركائز التي تعتمد عليها الدول في تثبيت هويتها، وإبراز مساهمتها الفعلية في مسار الحضارة الإنسانية. وتتجاوز المعالم الأثرية كونها شواهد مادية محضة، لتصبح أوعية تحفظ الذاكرة الجماعية ومسارات التطور الفلسفي والروحي عبر العصور.

وضمن هذا المنظور الاستراتيجي، الرامي إلى صون الإرث الحضاري العريق للجزائر وتأطيره مؤسساتيا، أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، على تنصيب اللجنة الوطنية المكلفة بمتابعة ملف “المسارات الأغسطينية في الجزائر”، تحضيرا لتقديمه إلى منظمة اليونسكو. وتؤسس هذه الخطوة لمرحلة متقدمة من العمل المنهجي الذي يربط بين الحفريات الأكاديمية، وحماية الممتلكات الثقافية، وتطوير آليات التنمية المحلية المرتكزة على السياحة الذاكراتية.

​يمثل مشروع “المسارات الأغسطينية” ملحمة مكانية تمتد على مسافة تقارب 1500 كيلومتر، رابطة بين مدن الشرق والوسط الجزائري القديم، في نسيج واحد يعيد رسم الخارطة الفكرية للمنطقة.

ويضم هذا الملف مجموعة متميزة من المواقع الأثرية والمعالم التاريخية التي شكلت مسرحا للحياة الثقافية والروحية والاجتماعية في العصور الغابرة. وتتمثل هذه المحطات في: هيبون (عنابة)، وكالاما (ڤالمة)، وتيبيليس (سلاوة عنونة)، وتوبيرسيكو- نوميداروم (خميسة)، ومادور (مداوروش)، وتاغاست (سوق أهراس)، وكاستيلوم تيديتانوروم (تيديس)، وثاغورة (تاورة)، وميلاف (ميلة)، وسيتيفيس (سطيف)، وقيصرية (شرشال)، وكارتيناس (تنس)، وتيفاست (تبسة)، وثوبونا (طبنة بباتنة).

​وتسمح هذه الجغرافيا الواسعة باكتشاف التنوع المعماري والوظيفي للحواضر الجزائرية القديمة، حيث تندمج القلاع العسكرية بالمدن الفلسفية والمراكز التجارية الكبرى. وتؤكد هذه المواقع، من خلال شواهدها القائمة، أن الجزائر لم تكن مجرد جغرافيا عابرة في حوض المتوسط، إنما كانت مركزا حيويا لصناعة القرار الفكري والروحي.

ويساهم هذا المسار في إبراز التراكم الحضاري الذي شهدته بلادنا، حيث تفاعلت الشخصية الجزائرية مع مختلف التيارات الفكرية العالمية، وأنتجت نموذجا حضاريا متفردا يجمع بين الأصالة المحلية والانفتاح العالمي، ما جعل من هذه المدن منارات معرفية كانت تصدر النور الفكري إلى القارات الأخرى.

​هندسة الملف التقني.. المقاربة العلمية في إدارة التراث العالمي

تعتمد اللجنة الوطنية المنصبة، التي تضم نخبة من الخبراء والمختصين في مجالات علم الآثار، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، وخبراء تثمين التراث، على منهجية علمية دقيقة تهدف لضمان المتابعة الدقيقة لكل تفاصيل ملف التصنيف.

وتتركز مهام هذه اللجنة حول المتابعة الميدانية والتوثيق الأكاديمي، وضمان التنسيق الأمثل مع الهيئات الوطنية واليونسكو. وتعمل هذه النخب على وضع استراتيجيات مبتكرة لتثمين هذه المسارات باعتبارها وجهة ثقافية عالمية، والترويج لها بأسلوب يعكس قيمتها التاريخية الاستثنائية.

​وتتضمن مهام اللجنة الإشراف المباشر على برامج الحفظ والصون للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية ضمن هذه المسارات، بالتعاون الوثيق مع الباحثين المتخصصين. ويشكل تشجيع البحث العلمي والدراسات الأكاديمية ركيزة أساسية لتعميق الفهم بهذا الإرث الحضاري الغني، وضمان تقديمه في ملف تقني يستوفي المعايير الدولية الصارمة لمنظمة اليونسكو.

وتؤسس هذه المقاربة العلمية لمرحلة جديدة من تسيير الممتلكات الثقافية، تعتمد على البيانات الأولية والسياقات الثقافية الدقيقة، ما يرفع من حظوظ الجزائر في حيازة اعتراف دولي بمكانة هذه المسارات، كجزء لا يتجزأ من التراث الإنساني المشترك.

​أغسطين.. عبقرية الأرض التي أضاءت العالم بفكرها

​يستمد المشروع “الأغسطيني” اسمه وقوته من الشخصية التاريخية الفذة التي ولدت ونمت في ربوع هذه الأرض؛ “أغسطين”. ويأتي هذا المشروع ليبرز العمق التاريخي والثقافي للجزائر، مؤكدا أن الفكر الأغسطيني هو نتاج خالص للبيئة الجزائرية القديمة.

لقد شكّل فكر هذا الرجل جسرا عابرا للقارات والأديان، ومنبعا للنور الفكري الذي ساهم في صياغة مفاهيم العدالة والحرية والبحث عن الحقيقة، ويتميز “مسار أغسطين” بخصائص تجعله متفردا ومنافسا للمسارات العالمية الكبرى، لكونه يجسد التفاعل العميق بين الإيمان والعقل في سياق ثقافي متعدد الأبعاد.

​ويسمح هذا التوجه بتقديم الرواية التاريخية الوطنية برؤية تبرز الانصهار الحضاري الذي شهدته الجزائر، وكيف استطاعت الشخصيات الجزائرية القديمة التأثير في الوعي الإنساني العالمي. ويمثل المسار شهادة حية على التنوع الحضاري والفكري الذي عرفته بلادنا، رابطا بين الحواضر النوميدية العريقة، ومقدما إياها للعالم كشواهد حية على عبقرية الأرض الجزائرية.

ويتحول المسار بذلك إلى فضاء معرفي مفتوح، يتيح للباحثين والزوار اكتشاف القيمة الرمزية للمؤهلات الثقافية في الحوض المتوسطي، ويعزز من كبرياء الانتماء لهوية وطنية ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ.

​السياحة الذاكراتية.. تحويل المواقع الأثرية إلى أقطاب للتنمية

يفتح تصنيف “المسارات الأغسطينية” آفاقا رحبة لتطوير نمط سياحي متخصص يعرف بـ”السياحة الذاكراتية”، ويهدف هذا التوجه إلى تحويل المواقع الأثرية المتناثرة إلى فضاءات نابضة بالحياة، ترفد الحركية الثقافية وتخلق ديناميكية اقتصادية محلية في الولايات والمناطق التي يمر بها المسار.

ويساهم استغلال هذه المسارات في تنويع العرض السياحي الوطني، وتجاوز الأنماط التقليدية نحو سياحة ثقافية ومعرفية ذات قيمة مضافة عالية، تجذب النخب الأكاديمية والباحثين والزوار المهتمين بالتاريخ والآثار من مختلف دول العالم.

​وتؤدي هذه الحركية الاقتصادية إلى تنشيط قطاعات الخدمات المرافقة، وتطوير البنى التحتية للمناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، وتنشيط الحرف التقليدية المرتبطة بالهوية المحلية. وتدعم هذه الديناميكية جهود تنويع مصادر الدخل الوطني استنادا إلى الموارد التراثية، مع احترام صارم لخصوصية المعالم وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

ويتحوّل الموقع الأثري، بفضل هذه الرؤية، من “طلل جامد” إلى مورد اقتصادي متجدد، يساهم في تحسين المستوى المعيشي للسكان المحليين، ويعزز من وعيهم بأهمية الحفاظ على موروثهم، كونه جزءا من ثروتهم الوطنية المستقبلية.

في هذا السياق، يؤكد الباحث في التراث، محمد رحال، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن مشروع “المسارات الأوغسطينية” يمثل مقاربة تنموية حضارية تقوم على تجميع أبرز المعالم الأثرية النوميدية عبر ولايات الوطن، ضمن مسار يمتد على نحو 1500 كلم، ويضم مواقع مثل هيبون وتاغيت وتاغورة.

وأوضح أن الهدف من المشروع هو التعريف بهذه المواقع والترويج لها عبر إدراجها ضمن ملف موحد لدى منظمة اليونسكو، بما يضمن حمايتها كجزء من التراث الثقافي والإنساني، مشيرا إلى طرحه خلال الدورة الثامنة والأربعين بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية. وأضاف أن هذه المسارات تربط الجزائر بفضائها المتوسطي والإفريقي، وتسهم في إبراز عمقها التاريخي والفلسفي، بما يدعم السياحة الثقافية والاقتصادية ويعزز مكانة الاقتصاد التراثي.

​الترويج الدولي.. بناء صورة ذهنية جديدة للوجهة الجزائرية

​يعد الترويج للمسارات الأغسطينية، على نطاق واسع، جزءا أصيلا من مهام اللجنة الوطنية، حيث تهدف الاستراتيجية المعتمدة إلى زحزحة الصور النمطية وتقديم الجزائر كقطب سياحي وثقافي من الطراز الأول.

ويساهم حضور الخبراء الدوليين في أقطاب التميز الأثرية الجزائرية في خلق احتكاك مباشر مع القيمة الحقيقية للموروث الوطني، سواء من حيث البعد التاريخي والجمالي، أو من حيث القيمة الرمزية للمؤهلات السياحية في العالم.

ويتحوّل الزائر المتخصص، بفضل هذه المسارات، من مجرد “سائح” إلى “سفير معرفي”، ينقل صورة واقعية ومبنية على التجربة الشخصية عن ثراء الجزائر، وتساهم المنصات الرقمية والجولات الافتراضية والدعائم البصرية الحديثة في تقريب هذه المسارات من الجمهور العالمي، ما يسهل عملية الوصول إلى المعلومات والبيانات الأولية المرتبطة بكل موقع.

ويؤدي هذا الانفتاح الترويجي إلى تعزيز تنافسية الوجهة الجزائرية في سوق السياحة الثقافية العالمية، ويضع البلاد في مصاف الدول التي تمتلك “مسارات تراثية كبرى” تضاهي المسارات التاريخية في أوروبا وحوض المتوسط، ما يساهم في بناء سمعة دولية قوية تستند إلى الحقائق التاريخية والشواهد الأثرية الملموسة.

​البحث العلمي كدرع لحماية الموروث وتطويره

​ في سياق يتجه نحو إعادة تثمين المرجعيات الفكرية ضمن المقاربة الثقافية، يبرز الاهتمام بالفكر الأوغسطيني كمدخل لإعادة قراءة التاريخ الجزائري من زاوية معرفية تتقاطع فيها الفلسفة بالهوية. في هذا الإطار، يرى الكاتب والناقد ومدير سابق للثقافة بعدة ولايات، أ. إدريس بوديبة، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن هناك عودة لوعي جديد يدعو إلى تثمين النقاط المضيئة في تاريخ الجزائر بمختلف مراحله، معتبرا أن الفكر الأوغسطيني يندرج ضمن هذه الرؤية الشاملة، لكونه يشكل جسرا ممتدا بين التراث الكلاسيكي اليوناني والوجدان الغربي الحديث.

وأوضح أن هذا الفكر يتميز بقدرته على التجدد من خلال قراءات متواصلة، ما يجعله رؤية فكرية مؤثرة في تشكيل الوعي والتعامل مع الأزمات المعاصرة، مشددا على ضرورة اضطلاع الجامعات الجزائرية ومراكز البحث بدور محوري في ترميم الذاكرة الوطنية من منظور علمي يراعي التحولات الكونية.

وأضاف أن إعادة اكتشاف “الجزائر الخالدة”، عبر هذا العمق الفكري، يتيح للجامعة الجزائرية أن تتبوأ موقعا قياديا في الدراسات الأوغسطينية، ويعزز حضورها في المؤتمرات والمحافل الدولية، خاصة وأن شخصية أوغسطين تُعد من أكثر الشخصيات استقطابا للبحوث والندوات عبر العالم.

وأشار إلى أن هذا الاهتمام لا يقتصر على البعد الأكاديمي، بل يحمل رسالة ثقافية للعالم، مفادها أن الجزائر تحتفي بجميع أبنائها الذين ساهموا في إثراء الفكر والحضارة الإنسانية، بغض النظر عن اختلاف المعتقدات أو السياقات التاريخية، وهو ما يعزز صورتها كفضاء حضاري منفتح ومتعدد.

هيبون.. متحف يحكي حضارات المتوسط

يُعدّ متحف موقع هيبون الأثري بمدينة عنابة من أبرز المعالم الثقافية التي تعكس العمق التاريخي والحضاري للجزائر في حوض البحر الأبيض المتوسط.

ويقع المتحف داخل الموقع الأثري لمدينة هيبون القديمة، التي تعود جذورها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، قبل أن تتحول لاحقا إلى واحدة من أهم المدن الرومانية والدينية في الجزائر، ومقر أسقفية القديس أوغسطين خلال القرن الرابع الميلادي.

ويضم المتحف مجموعة ثرية من القطع الأثرية التي تم اكتشافها خلال عمليات التنقيب بالموقع، تشمل فسيفساء رومانية، تماثيل حجرية، نقوش لاتينية، أدوات معيشية، ومجسمات معمارية تعكس الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية لسكان المدينة عبر مختلف الحقب التاريخية، من العهد النوميدي إلى الروماني والبيزنطي. كما يقدم المتحف قراءة متكاملة لتطور مدينة هيبون باعتبارها مركزا تجاريا ودينيا مهما، لعب دورا بارزا في تشكيل الحياة الفكرية والثقافية بالمنطقة.

ويمثل المتحف فضاء علميا وبحثيا مفتوحا للباحثين والطلبة والمهتمين بالتراث، إلى جانب كونه محطة رئيسية ضمن المسار الثقافي المرتبط بالقديس أوغسطين، ما يعزز مكانته كوجهة سياحية ثقافية متميزة. ويخضع المتحف لبرامج دورية في الترميم والتوثيق، بهدف الحفاظ على هذا الإرث الحضاري وتثمينه، بما يساهم في تعزيز الهوية الوطنية وتنشيط السياحة الثقافية في مدينة عنابة.

من أوغسطين إلى زيارة البابا ليون الرابع عشر.. سوق أهراس في واجهة المشهد العالمي

قد يكون جمال المدن في طبيعتها الخلابة من أنهار ووديان وخضرة تكتنز الحياة بكل تفاصيلها، فتتشابه في ذلك كثير من المدن عبر العالم. تتكرر المشاهد الطبيعية وتترك الأثر نفسه في عين الناظر. غير أن مدينة جزائرية في أقصى الشرق منحت الجمال معنى أوسع، ربطت فيه الطبيعة بالتاريخ، وحوّلت المكان إلى ذاكرة حيّة تتحرك عبر الزمن، وإلى فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا مع الفكر والروح والسياسة، وتُستعاد فيه الذاكرة في لحظة سياسية ودينية بالغة الرمزية مع وصول بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر في زيارة تبدأ اليوم.

تتمثل هذه المدينة في سوق أهراس، حيث يلتقي الموقع الجغرافي بالعمق التاريخي والامتداد الحضاري في فضاء واحد. تقع المدينة عند التخوم الشرقية للجزائر، في منطقة تتصل فيها الحدود مع تونس، فتتشكل علاقة جغرافية خاصة بين بلدين يقتسمان الأرض والذاكرة، ويعيدان إنتاج معنى الجوار بوصفه امتدادا ثقافيا لا فصل حدودي. في هذا الفضاء يظهر المكان مساحة ممتدة من المعنى، تتجاوز المسافة الفيزيائية نحو قراءة أعمق للتاريخ والإنسان، وتكتسب اليوم بعدا إضافيا مع حضور دولي لافت يرافق زيارة البابا.

يتضمن برنامج زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، المقررة بداية من اليوم الاثنين، عدة محطات موزعة بين ولايتي الجزائر وعنابة، وفق ما أعلنته المنصة الإعلامية للفاتيكان. يستقبل مطار الجزائر العاصمة البابا استقبالا رسميا، ثم يتوجه إلى مقام الشهيد لوضع إكليل من الزهور تخليدا لذكرى شهداء الثورة الجزائرية، في مشهد يربط الذاكرة الوطنية الجزائرية بالبعد الإنساني العالمي.

يلتقي البابا رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في محطة سياسية تعكس الطابع الرسمي للزيارة وأبعادها الدبلوماسية. كما يلتقي سلطات وممثلي المجتمع المدني والهيئة الدبلوماسية في الجامع الكبير بالعاصمة، في لقاء يبرز بعد التواصل مع الفاعلين الاجتماعيين والدينيين. ويختتم اليوم الأول بلقاء مع الجماعة الكاثوليكية في بازيليك “السيدة الإفريقية” بالعاصمة، في لحظة ذات طابع روحي مباشر.

في اليوم الثاني يتوجه البابا إلى ولاية عنابة لزيارة المدينة القديمة هيبون، حيث شغل القديس أوغسطين منصب أسقف. تشمل الجولة الموقع الأثري لهيبون ودار استقبال المسنين التابعة للأخوات الصغيرات للفقراء، ثم يحتفل بالقداس في بازيليك القديس أوغسطين. تتمحور الزيارة حول السلام والمصالحة والوحدة والأمل، مع نقل مباشر لمختلف محطاتها، ما يمنحها حضورا عالميا متواصلا.

هذا الحضور البابوي يرتبط مباشرة بإرث فكري وروحي ينطلق من قلب سوق أهراس، من تيفاست، الاسم القديم للمدينة، حيث وُلد أوغسطين سنة 354 ميلادية، أحد أبرز مفكري المسيحية وآباء الكنيسة اللاتينية. نشأ في بيئة فكرية معقدة شكلت مشروعه الفلسفي واللاهوتي، قبل أن يترك أثرا واسعا في الفكر الغربي. ما تزال بقايا تلك المرحلة حاضرة عبر أعمدة وطرقات حجرية تكشف مستوى التنظيم الحضري القديم.

قرب تيفاست تقع مادوروش، مدينة ارتبطت بالحياة الفكرية في العهد الروماني، واحتضنت الكاتب لوكيوس أبوليوس صاحب “الحمار الذهبي”، أحد أقدم الأعمال السردية في التاريخ. لعبت المدينة دور مركز تعليمي ساهم في نشر المعرفة، وشكلت حلقة مهمة داخل الشبكة الفكرية للجزائر بوصفها عاصمة شمال إفريقيا القديمة. في الجهة الأخرى تظهر خميسة بمسرحها الروماني المبني على منحدر طبيعي، حيث اجتمع الفن بالهندسة في فضاء مفتوح على الطبيعة.

هذه المواقع تكشف طبقات زمنية متراكمة تعكس تعاقب النوميديين والرومان والفترات اللاحقة. يمنح هذا التعدد التاريخي سوق أهراس قيمة استثنائية، لأنها تقدم نموذجا لفضاء تشكل عبر التحولات المتواصلة بين الإنسان والمكان، ويجعلها جزءا من سردية ثقافية عالمية تتقاطع مع زيارة البابا في بعدها الرمزي المتعلق بالحوار بين الحضارات.

إلى جانب هذا العمق التاريخي، تلعب الطبيعة دورا محوريا في تشكيل هوية المنطقة. تمتد الغابات في مناطق المزرعة وبوحجار، وتغطي الجبال مساحات واسعة تمنح المشهد توازنا بصريا واضحا. تشق الوديان مثل الشارف وملاق طريقها بين الصخور، فتؤسس نظاما بيئيا حيا يضمن استمرارية الحياة النباتية والحيوانية.

تجمع سوق أهراس بين الطابع الجبلي والهضبي والغابي، ما يخلق تنوعا بصريا بين الجبال والسهول والغابات. تحيط بها سلاسل جبلية مثل ماونة وبوزبيد وسدادة، وتشكل إطارا طبيعيا يحدد ملامح المجال الجغرافي ويمنحه شخصية واضحة.

تحتضن هذه الجبال غابات كثيفة مثل غابة بوحجار التي تضم الزان والبلوط والصنوبر الحلبي. كما تمثل غابة المزرعة فضاء بيئيا متنوعا يجمع الحياة البرية بالنباتات المحلية، ويستعمل للنشاطات البيئية والتخييم العائلي، ما يجعل الطبيعة جزءا من الحياة اليومية.

الأودية تضيف بعدا حيويا لهذا النظام الطبيعي. يمتد وادي الشارف لمسافات طويلة ويغذي الأراضي الزراعية، بينما يضيف وادي ملاق تنوعا تضاريسيا بين الصخور والمنحدرات والبرك المائية. تنتشر منابع مائية في مناطق الحدادة والحبّة والمشروحة، وتتحول إلى نقاط جذب طبيعية خلال الفصول المعتدلة.

يدعم سد ملاق وسد الشافية هذا التوازن البيئي، من خلال تزويد المنطقة بالمياه وتطوير السياحة البيئية. تحيط بهما غابات ومساحات خضراء تمنحهما طابعا هادئا يجمع بين الوظيفة التنموية والجمال الطبيعي. وتتشكل السهول مثل سهل سدراتة وسهول المراهنة كمجالات زراعية خصبة تنتج الزيتون والتين والعنب، ما يعكس اقتصادا متوازنا يرتبط مباشرة بالمجال البيئي. وفي عمق هذا التراكم الطبيعي والتاريخي، تبرز سوق أهراس كفضاء ثقافي وروحي عميق الارتباط بالذاكرة الإنسانية. يرتبط هذا البعد بشخصية القديس أوغسطين، أحد أهم مفكري المسيحية في التاريخ.

وُلد أوغسطين في طاغاست (سوق أهراس حاليا) سنة 354 ميلادية، ونشأ في بيئة فكرية شكلت رؤيته الفلسفية واللاهوتية. وفق موسوعة بريتانيكا، جمع بين الفكر الأفلاطوني والتقاليد المسيحية، وصاغ رؤية فكرية امتد تأثيرها لقرون طويلة في الفكر الغربي.

يمتد هذا الإرث ليجعل سوق أهراس جزءا من ذاكرة فكرية عالمية. لذلك أعادت الجزائر إدراج “المسارات الأوغسطينية” ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو في أبريل 2025، في خطوة تعيد قراءة البعد الحضاري للمنطقة ضمن إطار دولي.

في هذا السياق يكتسب أوغسطين بعدا رمزيا يتجاوز الانتماء الديني نحو البعد الإنساني. ويعبر بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر عن رغبته في زيارة الجزائر والمواقع المرتبطة به، ضمن رؤية تقوم على تعزيز الحوار بين الأديان وبناء الجسور بين الثقافات، ما يمنح الزيارة طابعا يتجاوز البروتوكول الديني نحو أفق دبلوماسي أوسع.

تأتي هذه الزيارة في ظرف دولي يتسم بالاستقطاب، ما يجعل الجزائر فضاء اختبار لخطاب التعايش. يعكس اختيارها إدراكا لدورها التاريخي كأرض التقاء حضارات، حيث تعايشت الثقافات منذ العصور القديمة، من المسيحية المبكرة إلى الإسلام، مرورا بمراكز علمية كبرى في بجاية وتلمسان.

تقدم الجزائر نفسها اليوم بوصفها فاعلا دبلوماسيا في قضايا السلام والهجرة والمناخ، وهو ما يتقاطع مع خطاب الفاتيكان الداعي إلى نبذ العنف وتعزيز الحوار، ما يمنح الزيارة بعدا سياسيا يتجاوز البعد الرمزي.

على المستوى الثقافي المحلي، تحافظ سوق أهراس على موروثها الأمازيغي الشاوي من خلال النسيج التقليدي مثل الملحفة، والحلي الفضية، والفخار المزخرف بالرموز المحلية، إضافة إلى البرنوس والقشابية، ما يعكس استمرارية الهوية عبر الزمن.

عمرانيا، تجمع المدينة بين الطابع المحلي والتأثيرات المتوسطية، حيث تتجاور الأقواس والواجهات البسيطة مع المباني الحديثة، بينما تحتفظ البنايات القديمة بآثار العثمانيين والفترة الاستعمارية، ما يضيف طبقات متراكبة إلى المشهد الحضري.

معبد مينارف في تبسة.. تيفست القديمة كما ترويها الهندسة

يفتح معبد مينارف في تبسة نافذة واسعة على العمارة الرومانية في الجزائر، حيث يلتقي الحجر بالتاريخ في بناء ما زال يحتفظ بملامحه الأساسية رغم تعاقب القرون. يحمل هذا الصرح اسم الإلهة مينرفا، رمز الحكمة والفنون في الميثولوجيا الرومانية، ويجسد مرحلة تاريخية مرت بها مدينة تيفست القديمة ضمن سياق حضاري واسع شهدته المنطقة. يطرح المعبد أسئلة حول سر استمراره، وكيف صاغ المهندسون في تلك الفترة بناء قادرا على مقاومة الزمن والزلازل والتغيرات المناخية، كما يضع تبسة ضمن امتداد تاريخي تعيد قراءته اليوم زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر.

تأتي هذه الزيارة في سياق يسلط الضوء على الإرث التاريخي للجزائر، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع الشواهد الأثرية الممتدة من العصور القديمة. وفي هذا الإطار، لا يظهر معبد مينارف كمعلم منفصل، بل كجزء من شبكة حضارية أوسع ضمت مراحل متعددة، تركت كل منها آثارها في مدن مثل تبسة وسوق أهراس وعنابة، ضمن مسار طويل من التحولات التاريخية والثقافية.

التصميم الهندسي لمعبد مينارف يعكس خصائص العمارة الرومانية في تلك المرحلة. يقوم البناء على قاعدة مرتفعة تقارب أربعة أمتار، ما وفر له حماية من الرطوبة ومن تغيرات الأرض. اعتمد الداخل على فراغات تقنية وأقواس حجرية ساعدت في توزيع الأحمال، وهو ما يعكس مستوى متقدما من المعرفة الهندسية في سياقها التاريخي.

يمتد المعبد على مساحة متوازنة، ويقود درج حجري نحو الفضاء الداخلي الذي ارتبط بطقوس دينية في تلك الفترة. تتوزع الأعمدة والتيجان الكورنثية بشكل متناسق، ما يمنح البناء توازنا بصريا واضحا، ويعكس تصورا معماريا يقوم على الدقة والتنظيم.

تحمل الزخارف عناصر من الميثولوجيا الرومانية، حيث تظهر شخصيات مثل هرقل وباخوس وميدوسا ضمن تكوينات حجرية معقدة. تعكس هذه الرموز الجانب الفكري والديني السائد في ذلك السياق التاريخي، وتكشف عن دور الفن في التعبير عن المعتقدات والخيال الرمزي داخل المجتمع آنذاك، دون أن يشكل ذلك امتدادا حيا في الحاضر، بل باعتباره جزءا من سجل تاريخي محفوظ.

يقع معبد مينارف داخل مدينة تيفست القديمة، التي تعرف اليوم بتبسة، ضمن فضاء شهد تعاقب حضارات متعددة. تلتقي في هذا المكان آثار رومانية وبيزنطية وإسلامية لاحقة، ما يعكس تراكما تاريخيا طويلا تشكل عبر فترات مختلفة من التحول والاستقرار. هذا التعدد يمنح الموقع قيمة وثائقية تساعد على فهم تطور العمران وأنماط العيش في المنطقة عبر الزمن.

يشغل معبد مينارف اليوم موقعه ضمن هذا السياق الأثري بوصفه جزءا من ذاكرة مادية تعكس مرحلة تاريخية محددة من تاريخ الجزائر. كما يندرج ضمن شبكة أوسع من المواقع الأثرية في الجزائر، التي تشمل تبسة وسوق أهراس وغيرهما، حيث تتجاور الشواهد القديمة مع الواقع المعاصر في مشهد واحد.

في هذا الإطار، تكتسب زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر بعدا رمزيا إضافيا، لأنها تعيد تسليط الضوء على مناطق ارتبطت بتاريخ ديني وثقافي قديم، وعلى مدن احتفظت بذاكرة متعددة الطبقات. وتأتي هذه الزيارة في سياق دولي يركز على الحوار بين الأديان والتعايش، ما يمنح قراءة جديدة لهذه المواقع باعتبارها جزءا من ذاكرة إنسانية مشتركة، دون ربطها بأي تمجيد لمرحلة تاريخية بعينها.

الإرث الأوغسطيني بين التاريخ والراهن.. نحو إعادة بناء الحوار المتوسطي

تتفق قراءتا كل من الأستاذ في التاريخ نور الدين شعباني والباحث السياسي نميري عز الدين، على أن استحضار الإرث الأوغسطيني في السياق الراهن لا يندرج ضمن بعد تاريخي صرف، بل يشكل مدخلا لتعزيز الحوار بين إفريقيا وأوروبا وترسيخ موقع الجزائر كفضاء للتلاقي الحضاري. كما يُجمعان على أن هذا الإرث يمكن أن يتحول إلى رافعة ثقافية ومعرفية تدعم قيم التعايش والانفتاح، وتعيد قراءة التاريخ المتوسطي بوصفه مجالا مشتركا لتفاعل الأفكار والثقافات.

في مدينة عنابة، حيث التاريخ يعانق الحاضر، شهد موقع هيبون الأثري وكنيسة القديس أوغسطين حركية مكثفة وتحضيرات واسعة ترحيبا بقداسة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر اليوم الاثنين. وفي هذا السياق، أوضحت مديرة الثقافة والفنون لولاية عنابة، صليحة برقوق، أن القطاع باشر، بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، تنفيذ عمليات تهيئة نوعية مست الفضاءات الدينية والأثرية المعنية بالزيارة، بما يضمن جاهزيتها لاستقبال هذا الحدث ذي البعد الرمزي والتاريخي.

وتضمنت هذه التحضيرات وضع لوحات تعريفية غنية بالمعلومات عبر مختلف أجزاء موقع هيبون، لإبراز قيمته التاريخية والأثرية، إلى جانب اتخاذ ترتيبات خاصة لاستقبال الوفود والزوار المرتقب قدومهم من عدة دول، خاصة من أوروبا، ضمن برنامج زيارة البابا التي تشمل أيضا الجزائر العاصمة.

وعلى مستوى كنيسة القديس أوغسطين، جرت أشغال تنظيف وصيانة المقتنيات الفنية، مع تكليف مختصة في ترميم التحف الفنية بهذه العملية، إلى جانب تدخل فرق تقنية مختصة لضمان جاهزية الموقع في أفضل الظروف. كما شملت التحضيرات إنجاز أعمال توثيق وتعريف جديدة تسلط الضوء على شخصية القديس أوغسطين، إضافة إلى طرح مشروع لإنشاء مركز للدراسات الأوغسطينية عُرض على وزيرة الثقافة والفنون خلال زيارتها الأخيرة إلى الولاية.

ومن المرتقب إدراج هذه المعالم ضمن مسار ثقافي قيد التحضير، يُنتظر تصنيفه من قبل اليونسكو ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي في إطار مسار هيبون الأثري، بهدف تعزيز السياحة الثقافية واستقطاب الباحثين والمهتمين بتاريخ وفكر القديس أوغسطين ومكانته في التراث الإنساني.

شعباني: أوغسطين جسر بين إفريقيا وأوروبا

وفي السياق ذاته، أكد الأستاذ في التاريخ نور الدين شعباني في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الاحتفاء بفكر القديس أوغسطين لا يقتصر على استعادة شخصية دينية وتاريخية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة فتح مسارات الحوار الحضاري بين إفريقيا وأوروبا، بالنظر إلى الطابع المركب لهذا الفكر الذي يجمع بين البعد اللاهوتي المسيحي والتأثير الفلسفي الأفلاطوني، ما جعله – بحسب تعبيره – يمثل جسرا فكريا ممتدا بين ضفتي المتوسط.

وأوضح شعباني أن فكر أوغسطين يقوم على تداخل معرفي بين العقل والإيمان، وهو ما سمح له بالمساهمة في تشكيل نقاشات فلسفية ولاهوتية عميقة داخل السياق المسيحي القديم. وأضاف أن هذا الفكر لم يتشكل في فراغ جغرافي أو ثقافي، بل في بيئة أمازيغية شمال إفريقية، ما يمنحه تعددية في المرجعيات ويبرز إسهام المنطقة في إنتاج الفكر الديني والفلسفي في العالم القديم، بعيدا عن القراءات الأحادية للتاريخ.

وأشار المتحدث إلى أن أوغسطين انخرط في سجالات فكرية داخل محيطه المتوسطي، من خلال محاورته لتيارات لاهوتية وفكرية كانت سائدة في تلك المرحلة، مثل الدوناتية والبيلاجيّة والأريوسية، وهو ما جعله – وفق تعبيره – أحد الفاعلين في بلورة اتجاهات داخل الفكر المسيحي الغربي، مع إدخال رؤية ذات أثر إفريقي في صياغة هذا المسار. كما لفت إلى أن إنتاجه الفكري في قضايا العناية الإلهية والنعمة والخطيئة تجاوز زمنه التاريخي، ليأخذ لاحقا بعدا إنسانيا أوسع داخل الفكر العالمي.

كما اعتبر شعباني أن إعادة إحياء الاهتمام بهذا الإرث لا يحمل فقط قيمة معرفية، بل يعكس أيضا إعادة توازن في قراءة التاريخ الفكري والديني للمتوسط، ويؤكد دور شمال إفريقيا كفضاء مساهم في بناء هذا المجال الحضاري المشترك، الذي تشكل عبر طبقات ثقافية ودينية متعددة.

وختم بالقول إن استحضار هذا البعد في السياق الراهن، بما في ذلك الزيارات ذات الطابع الرمزي والديني، يعيد تثبيت فكرة أن المتوسط لم يكن فضاء انغلاق، بل مجال تفاعل تاريخي طويل، ساهمت فيه مختلف مكوناته في إنتاج رؤى فكرية ما تزال حاضرة إلى اليوم في النقاشات حول الحوار والتعدد والتسامح.

إرث أوغسطين يعود إلى الواجهة

وتشهد مدينة عنابة حركية رمزية إضافية ترتبط بعودة الاهتمام الدولي بموقع هيبون وذاكرته التاريخية، في سياق زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر، التي تضع الإرث الأوغسطيني في دائرة الاهتمام العالمي، بما يحمله من بعد فكري وروحي تشكل في هذا الفضاء المتوسطي القديم.

يمثل موقع هيبون امتدادا لمدينة تاريخية لعبت أدوارا متعددة عبر العصور، بدءا من كونها ميناء فينيقيا، ثم مركزا نوميديا، قبل أن تدخل ضمن المجال الروماني في شمال إفريقيا. لم يكن هذا التحول مجرد انتقال إداري، بل عملية إعادة تشكيل مستمرة للمدينة وفق التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها المنطقة. ورغم ذلك، احتفظت هيبون بوظيفتها المينائية، خاصة في تصدير الحبوب وزيت الزيتون نحو مراكز المتوسط.

في هذا السياق الحضري، برز القديس أوغسطين بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بالمدينة، حيث استقر فيها وتولى منصب أسقفها خلال القرن الرابع الميلادي. هناك كتب جانبا مهما من أعماله اللاهوتية والفلسفية التي تركت أثرا واسعا في تاريخ الفكر الإنساني، ما جعل هيبون جزءا من سيرته الفكرية والروحية.

تعود هذه الذاكرة اليوم إلى الواجهة مع زيارة البابا، الذي يولي اهتماما خاصا بشخصية أوغسطين باعتبارها رمزا للحوار الفكري والديني، ما يمنح حضوره في الجزائر بعدا يتجاوز السياق التاريخي نحو قراءة معاصرة للعلاقة بين الثقافات والأديان.

يعرض موقع هيبون هذه الطبقات التاريخية عبر فضائه الأثري الذي يحتفظ بشواهد مادية متنوعة تعكس تعاقب المراحل الحضارية في المنطقة. وتظهر آثار الفسيفساء مشاهد للحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية، بينما تكشف التماثيل والنقوش عن تصورات سياسية ودينية سادت في تلك الفترات، في حين تقدم القطع الأثرية الصغرى تفاصيل دقيقة عن أنماط العيش والتبادل داخل المجتمع القديم.

لا يتوقف حضور هيبون عند بعدها الأثري، لأن المدينة ترتبط أيضا بمسار فكري واسع جعل منها نقطة مرجعية في تاريخ الفكر المتوسطي. ومن هذا المنظور تكتسب زيارة البابا الحالية دلالة إضافية، لأنها تعيد تسليط الضوء على هذا الإرث ضمن سياق معاصر يقوم على إبراز الحوار بين الثقافات وإعادة قراءة التاريخ خارج حدوده الزمنية الضيقة.

من جهته، أكد الباحث السياسي نميري عز الدين في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن تثمين فكر القديس أوغسطين يساهم في تعزيز موقع الجزائر كفضاء للتقارب الثقافي والديني في المنطقة، باعتبارها نقطة التقاء تاريخية بين الضفتين المتوسطية والإفريقية، ومرجعا في إدارة التعدد الحضاري.

وأوضح نميري عز الدين أن استحضار هذا الإرث الفكري لا ينبغي أن يبقى في دائرة الرمزية التاريخية، بل يمكن تحويله إلى رافعة فعلية للتقارب بين الشعوب، من خلال ترسيخ قيم الحوار والانفتاح، وتكريس ثقافة التعايش السلمي بين الأديان والثقافات.

وأضاف أن إدماج فكر أوغسطين ضمن النقاشات الأكاديمية والبرامج الجامعية من شأنه دعم بناء وعي معرفي جديد لدى الأجيال الصاعدة، يقوم على فهم الاختلاف بدل إقصائه، وعلى تعزيز المشترك الإنساني بدل الانغلاق الهوياتي.

وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تمتلك رصيدا معتبرا في مبادرات الحوار بين الأديان والحضارات، مذكرا بمبادرات مطلع الألفية الثانية في هذا المجال، ما يجعلها – حسبه – مؤهلة للعب دور متجدد في هذا المسار على المستوى الإقليمي والمتوسطي. وختم بأن تحويل هذا الإرث إلى مجال اشتغال ثقافي ومعرفي مستمر من شأنه دعم الاستقرار الفكري والاجتماعي، وتعزيز التعاون بين دول المتوسط، في مواجهة مختلف أشكال التطرف والانغلاق.

تيبازة… مدينة الضوء والبحر والحنين

تتميّز الجزائر بتنوّع طبيعي وتاريخي لافت يمتد من السواحل المتوسطية الهادئة إلى قمم الأطلس الشامخة، ومن الكثبان الصحراوية إلى الواحات الداخلية، في لوحة جغرافية تُجسّد تداخل الطبيعة مع التاريخ. وفي هذا الامتداد الساحلي، وعلى بُعد نحو 65 كيلومترا غربي العاصمة، تبرز تيبازة كإحدى أهم المدن التي تختزل هذا التفاعل بين الجغرافيا والذاكرة، حيث يلتقي البحر بالآثار، وتجاور الطبيعة طبقات حضارية متراكمة تركتها الفينيقية والرومانية والبيزنطية والمسيحية المبكرة.

تقف تيبازة اليوم كفضاء مفتوح على البحر المتوسط، حيث تمتد الشواطئ والخلجان أمام مدينة تحمل في عمقها آثار حضارات متعاقبة. هذا التداخل بين الطبيعي والتاريخي جعل منها موقعا ذا قيمة استثنائية، في السياق السياحي وفي السياق الأثري والتاريخي على حد سواء. فالمشهد العام للمدينة يظهر كأرشيف ممتد لتاريخ المتوسط القديم، تتداخل فيه الأزمنة داخل فضاء مكاني واحد.

لم تكن تيبازة محطة عابرة في التاريخ، فقد تحولت إلى فضاء إنساني وثقافي ألهم العديد من الكتّاب والفنانين، وفي مقدمتهم ألبير كامو الذي وجد فيها انعكاسا لصفاء الضوء وعمق التأمل في الحياة. في كتاباته، خاصة “أعراس تيبازة”، تحولت المدينة إلى علامة جمالية ترتبط بالتأمل في الوجود، حيث يمتزج صفاء البحر مع الإحساس العميق بالزمن.

جبل شنوة.. بين الطبيعة والامتداد الرمزي

في الجهة الغربية لتيبازة، ينهض جبل شنوة بارتفاع يقارب 905 أمتار، مشرفا على مشهد بانورامي يجمع بين البحر والجبال. هذا الجبل يمثل عنصرا طبيعيا مهما، ويشكل في الوقت نفسه فضاء ثقافيا، حيث تنتشر على سفوحه قرى أمازيغية ما تزال تحافظ على لغتها الشاوية وعاداتها التقليدية، ما يمنح المنطقة بعدا هوياتيا متجذرا.

من أعالي الجبل يمتد النظر نحو البحر المفتوح في لوحة تتبدل ألوانها مع تغير الضوء، خاصة عند الغروب حين تتحول المياه إلى مساحات ذهبية تعكس هدوء المكان وعمقه الرمزي. كما توفر مساراته الطبيعية تجربة تجمع بين المشي والاستكشاف، حيث يلتقي الصنوبر بنسيم البحر في انسجام نادر بين الإنسان والطبيعة.

يمثل الموقع الأثري لتيبازة أحد أهم الشواهد على الوجود الروماني في شمال إفريقيا وخاصة الجزائر. فقد كانت المدينة مركزا حضريا مزدهرا، تظهر ملامحه في بقايا المدرجات الرومانية والحمّامات العمومية والمعابد التي تعكس مستوى التنظيم العمراني في تلك المرحلة. هذه المعالم تحمل دلالة واضحة على مدينة عاشت حركية اقتصادية ودينية نشطة.

ومع انتشار المسيحية آنذاك في المنطقة، تحولت تيبازة إلى مركز ديني مهم، حيث شُيدت كنائس كبرى مثل الكنيسة ذات الأجنحة السبعة وكنيسة القديسة سالسا، إضافة إلى مقابر صخرية وسراديب جنائزية تعكس تحولات روحية عميقة عرفتها المدينة.

كما يحتفظ المتحف الأثري بقطع فريدة تشمل الفسيفساء والتماثيل والنقوش اللاتينية التي تكشف تفاصيل الحياة اليومية. وتكتمل هذه الطبقات التاريخية بمتحف شرشال القريب، الذي يضم تماثيل رخامية ضخمة لآلهة وشخصيات ملكية موريتانية، ما يعكس غنى الإنتاج الفني في المنطقة خلال العهد الروماني.

الضريح الملكي لموريتانيا.. ذاكرة السلطة والرمز

على مقربة من تيبازة، يرتفع الضريح الملكي لموريتانيا المعروف بـ”قبر الرومية”، كأحد أبرز المعالم الجنائزية في شمال إفريقيا. يجمع هذا الصرح بين العمارة الأمازيغية والتأثيرات الرومانية، ويُعتقد أنه يضم رفات الملك يوبا الثاني وزوجته كليوباترا سليني.

يمثل هذا الضريح علامة حضارية بارزة على مرحلة كان فيها شمال إفريقيا جزءا فاعلا في التفاعلات المتوسطية، حيث امتزجت السلطة بالثقافة داخل بناء رمزي يعكس قوة الدولة وتنظيمها. ومن موقعه المرتفع، يطل على البحر والسهل في مشهد يختزل العلاقة بين التاريخ والطبيعة والذاكرة.

في السياق الراهن، تكتسب تيبازة بعدا رمزيا إضافيا مع زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر، والتي تعيد تسليط الضوء على البعد الروحي والتاريخي للمنطقة. فوجود مواقع مسيحية قديمة داخل تيبازة، إلى جانب الإرث الأوغسطيني في شمال إفريقيا، يضع المدينة ضمن مسار الذاكرة الدينية للمتوسط.

هذه الزيارة تفتح أفقا جديدا لقراءة التاريخ المشترك بين الضفتين، حيث تظهر تيبازة كفضاء يعكس تشكل الحوار الحضاري عبر قرون طويلة. إنها لحظة تستعيد فيها المدينة حضورها كجسر رمزي بين الثقافات والأديان، في سياق عالمي يبحث عن إعادة بناء العلاقة مع الماضي.

تحتفظ تيبازة بحياة بحرية نشطة تعكس استمرار علاقتها العضوية بالبحر. فالميناء الصغير يشكل مركزا يوميا لحركة الصيادين، بينما تنتشر مطاعم تقدم أطباقا بحرية تعكس هوية المدينة، من السردين المشوي إلى الروبيان والدنيس.

كما تمتد الشواطئ والخلجان على طول الساحل، مانحة المدينة طابعا يجمع بين الهدوء والحيوية. وفي المساء، تتحول تيبازة إلى فضاء هادئ ينسجم فيه البحر مع الإضاءة الطبيعية، في صورة تعكس توازنا بين التاريخ والحاضر.

​”اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” بالجزائر.. نحو صياغة المشترك الإنساني عبر الفكر الأغسطيني

​تستعد العاصمة الجزائرية لاحتضان تظاهرة فكرية من طراز رفيع، تضع الجزائر في قلب النقاش الفلسفي العالمي، حيث أعلنت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، عن تنظيم “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” في الفترة الممتدة من الـ28 إلى الـ30 أفريل الجاري.

ويمثل هذا الحدث محطة استراتيجية في مسار السياسة الثقافية الوطنية الرامية إلى إبراز العمق التاريخي والمعرفي للجزائر، عبر استحضار واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرا في مسار الفكر البشري؛ القديس أوغسطينوس.

وتأتي هذه الدورة لتكرس دور الجزائر كحلقة وصل فكرية وجسر حضاري يربط بين ضفتي المتوسط، ومساحة للحوار بين القارة الإفريقية والوجدان العالمي، في محفل يجمع نخبة من الباحثين والمفكرين من مختلف الجنسيات لمناقشة قضايا الوجود، والهوية، والتفاعل الثقافي.

​​يشكل اختيار شخصية القديس أوغسطينوس كرمز لهذه الدورة من اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر توجها معرفيا دقيقا، يهدف إلى إعادة الاعتبار للجذور الفكرية الضاربة في عمق التربة الجزائرية.

ويمثل فكر أوغسطينوس، الذي تبلور في حواضر نوميدية عريقة مثل تاغاست ومدور وهيبون، مادة خصبة للنقاش الأكاديمي المعاصر، لكونه يعكس العبقرية الجزائرية القديمة في قدرتها على إنتاج قيم إنسانية عابرة للحدود.

وتعتبر هذه اللقاءات فرصة متجددة لتعزيز دور الجزائر كفاعل أساسي في تشكيل الوعي الفلسفي العالمي، بعيدا عن القراءات السطحية التي تحصر التاريخ في فترات زمنية معزولة، حيث يبرز أوغسطين كشاهد حي على تواصل العطاء الفكري لهذه الأرض عبر آلاف السنين.

وتشهد هذه التظاهرة مشاركة دولية واسعة تضم نخبة من أبرز الباحثين في الدراسات الأنثروبولوجية والفلسفية، ما يحول العاصمة إلى فضاء عالمي للتبادل المعرفي. ويسمح هذا الحضور الدولي المكثف بفتح آفاق جديدة لقراءة التراث الجزائري القديم برؤية معاصرة، تبرز كيف استطاعت الشخصية الجزائرية الانخراط في القضايا الفلسفية الكبرى وتقديم إجابات عميقة حول الوجود والزمن والروح، وهي الإشكالات التي لا تزال تشغل الفكر البشري حتى اليوم.

​استعادة الذاكرة وإبراز العمق الحضاري.. قراءة في البعد الرمزي

​في هذا السياق المعرفي المتشعب، يؤكد الشاعر والخبير لدى المجلس الأعلى للغة العربية، الدكتور محمد حراث في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن استحضار شخصية القديس أوغسطينوس في مثل هذه اللقاءات يحمل بعدا رمزيا عميقا، يتجاوز مجرد الاحتفاء بشخصية تاريخية، ليشكل إعادة وصل بين الحاضر وجذور فكرية ضاربة في عمق التاريخ.

ويرى الدكتور حراث أن أوغسطينوس يُعد أحد أعمدة الفكر الإنساني العالمي، حيث أسهم في تشكيل الفلسفة الغربية وطرح إشكالات كبرى حول وجود الإنسان، ما يمنح هذا الاحتفاء بعدا فكريا يتجاوز الإطار المحلي ليتصل بالأفق العالمي الشامل.

​ويوضح الدكتور حراث أن استدعاء هذه الشخصية الفذة في السياق الجزائري المعاصر يعزز الذاكرة الثقافية الوطنية، من خلال التأكيد على أن الجزائر ليست مجرد فضاء جغرافي، بل هي حاضنة تاريخية للفكر والإبداع الإنساني.

ويبرز هذا التوجه الاستراتيجي أن أرض الجزائر أنجبت عقولا أثّرت بشكل جذري ومباشر في مسار الحضارة الإنسانية، وهو ما يرسّخ لدى الأجيال وعيا عميقا بقيمة الانتماء لهذه التربة الولادة.

ويشير الخبير إلى أن هذا التوجه يعزز الشعور بالفخر الوطني، ويدفع النخب نحو إعادة قراءة التراث بروح نقدية ومعاصرة، بما يمنح الثقافة الجزائرية امتدادا عالميا ورسالة حضارية موجهة إلى العالم، تؤكد على أن الجزائر كانت ولا تزال منبعا للعطاء المعرفي.

​الجزائر كحلقة وصل فكرية بين إفريقيا وأوروبا

​تتجاوز “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر” الجانب الأكاديمي الصرف لتصبح أداة للدبلوماسية الثقافية التي تعيد رسم ملامح الحضور الجزائري في الحوض المتوسطي. وتبرز الدورة الحالية كيف تمثل الجزائر نقطة التلاقي الطبيعية بين الفكر الإفريقي والجذور الفلسفية المتوسطية، حيث يمثل القديس أوغسطينوس النموذج الأمثل لهذا التمازج.

فهو الفيلسوف الإفريقي الذي وضع القواعد الفكرية التي قامت عليها الكثير من التصورات في الضفة الشمالية للمتوسط، ما يجعل من الاحتفاء به استرجاعا لحق الجزائر التاريخي في ريادة العمل الفكري العالمي.

​وتعمل هذه اللقاءات على تفعيل النقاش حول “المشترك الإنساني”، من خلال تسليط الضوء على القيم التي نادى بها أوغسطينوس والتي تلتقي في جوهرها مع تطلعات الشعوب المعاصرة في البحث عن التسامح والعدالة والفهم العميق للآخر.

ويساهم المشاركون من مختلف الدول في إثراء هذا الحوار عبر تقديم دراسات مقارنة تبرز كيف استلهمت الفلسفات الحديثة والمعاصرة أسسها من المدرسة الجزائرية القديمة، ما يعزز من مكانة الجزائر كمرجعية معرفية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ الأفكار وتطور المجتمعات.

​يمثل الجانب البحثي الركيزة الأساسية لهذه التظاهرة، حيث يتم التركيز على تفعيل دور الجامعات ومراكز البحث الجزائرية في دراسة الإرث الأغسطيني وتوظيفه في السياق الثقافي الحالي. وتطمح هذه اللقاءات إلى تحفيز الباحثين الشباب على الغوص في أعماق التراث الفلسفي الوطني، وتطوير أدوات نقدية تتيح فهم التحولات الحضارية التي مرت بها الجزائر.

ويؤدي هذا الحراك العلمي إلى “ترميم الذاكرة” عبر استعادة النصوص والشخصيات التي شكلت وجدان المنطقة، وتقديمها في قوالب معرفية تتماشى مع متطلبات العصر. ​ويساهم التفاعل بين الباحثين المحليين والدوليين في خلق بيئة أكاديمية خصبة، تسمح بتبادل الخبرات في مجال تحقيق المخطوطات ودراسة الآثار الفكرية.

ويعزز هذا التعاون من قدرة المؤسسات الثقافية الجزائرية على إدارة الملفات الكبرى المتعلقة بتصنيف التراث وتدويله، حيث تصبح شخصية أوغسطينوس مفتاحا لفتح أبواب التعاون العلمي بين المؤسسات الأكاديمية الإفريقية والمتوسطية، بما يخدم الرؤية الشاملة للدولة في تثمين مواردها الروحية والمعرفية.

​الرسالة الحضارية والأفق العالمي

​تختزل اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر رسالة الجزائر للعالم؛ وهي رسالة مبنية على الاحتفاء بجميع الأبناء الذين ساهموا في بناء صرح الحضارة، وتأكيد على أن الثقافة الجزائرية هي ثقافة حوار وانفتاح.

إن استحضار أوغسطينوس في قلب العاصمة الجزائرية هو تكريس لسيادة الذاكرة، وإعلان صريح عن امتلاك الجزائر لتاريخ فكري عظيم يتنفس برئة عالمية، ويمنح هذا التوجه الثقافة الوطنية امتدادا لا ينقطع، حيث تلتقي جذور “تاغاست” و”هيبون” بتطلعات الجزائر الجديدة نحو الريادة والتميز.

​وتؤسس هذه اللقاءات لمرحلة جديدة من الوعي بالذات، حيث يتم التعامل مع التاريخ كقوة دافعة نحو المستقبل، وكوسيلة لترسيخ الهوية الوطنية في أبعادها المتعددة.

إن الاحتفاء بالقديس أوغسطينوس كرمز للتفاعل الحضاري هو في جوهره احتفاء بالجزائر كأرض ولادة للعبقرية، وكمساهم أساسي في صياغة القيم الإنسانية الكونية. وتظل هذه المبادرات الفكرية الضمانة الحقيقية لصون الموروث وتوريثه للأجيال، ليبقى الوعي بعظمة التاريخ الجزائري هو المحرك الأساسي لبناء غد ثقافي مشرق، يضع الجزائر في مقامها المستحق كمنارة للفكر ومهد للحضارات الإنسانية العابرة للأزمان.

في هذا الإطار، يؤكد الكاتب والناشط الثقافي وعضو لجنة تنظيم زيارة بابا الفاتيكان للجزائر، كريم كعرار، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن استحضار شخصية القديس أوغسطينوس في مثل هذه التظاهرات يشكل خطوة ذات دلالة عميقة في مسار بناء الذاكرة الثقافية الوطنية، باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين انطلقت أفكارهم من العمق الجزائري لتبلغ تأثيراتها الفكر الإنساني عبر القرون.

وأوضح أن هذا التوجه يتيح إعادة ربط الجزائريين بجذورهم الفكرية، من خلال إبراز الامتداد المعرفي الذي شكلته هذه الشخصية، بما يعزز الوعي بتاريخ الجزائر كفضاء لإنتاج الفكر والحوار، وليس فقط كامتداد جغرافي.

وأضاف أن الاحتفاء بأوغسطينوس ضمن هذه اللقاءات يكرّس صورة الجزائر كأرض للتلاقح الثقافي والديني، حيث تعايشت حضارات متعددة وأسهمت في تشكيل مشهد فكري متنوع، مشيرا إلى أن هذا البعد يتجاوز الاستحضار التاريخي نحو استثمار القيم التي يحملها هذا الفكر، مثل الحوار والتسامح والانفتاح، في سياق معاصر.

كما اعتبر أن هذه المبادرة تمثل رسالة ثقافية موجهة إلى الخارج، تؤكد أن الجزائر تمتلك رصيدا فكريا عميقا يمكن أن يسهم في النقاشات الفكرية الدولية، وأنها قادرة على إعادة تقديم ذاتها كفاعل ثقافي، انطلاقا من إرثها الحضاري المتنوع.