الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

المسار الطاقوي بين الجزائر والنيجر.. قفزة تاريخية نحو شراكة إستراتيجية واعدة

Author
إيمان عبروس 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد المسار الطاقوي بين الجزائر والنيجر تطورا متسارعا يعكس توجها استراتيجيا نحو تعزيز الشراكة الإفريقية وبناء تكامل اقتصادي، قائم على استثمار الموارد الطبيعية وتطوير البنى التحتية وتوسيع مجالات التعاون في قطاع المحروقات والطاقة.

ويأتي هذا التقارب في سياق تحولات اقتصادية عالمية متسارعة فرضت على الدول الإفريقية إعادة صياغة أولوياتها التنموية، بما يعزز قدرتها على تحقيق الأمن الطاقوي وترسيخ التنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار، تبرز المشاريع المشتركة بين البلدين كرافعة أساسية لإعادة تشكيل الخريطة الطاقوية في القارة، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وتنموية وجيوسياسية قادرة على ربط إفريقيا بالأسواق الدولية عبر مسارات طاقوية جديدة.

ديناميكية إفريقية جديدة نحو التكامل الطاقوي

يعكس التعاون الجزائري – النيجري توجها إفريقيا متصاعدا نحو بناء منظومات اقتصادية متكاملة تعتمد على التكامل في الموارد والخبرات، مع التركيز على تطوير قطاع الطاقة باعتباره محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الشأن الطاقوي، أحمد طرطار، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن العلاقات الجزائرية النيجرية تشكل امتدادا لرؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز موقع الجزائر كفاعل محوري في دعم التنمية الإفريقية، من خلال تشجيع الاستثمار وتوسيع التبادل التجاري وتطوير البنية التحتية القارية.

وأشار إلى أن هذا التوجه يعكس قدرة الجزائر على أداء دور الوسيط الاقتصادي في القارة، من خلال ربط إفريقيا بالأسواق العالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن قدراتها الطاقوية وخبرتها الطويلة في قطاع المحروقات.

تعاون طاقوي متعدد الأبعاد

كما أكد طرطار أن الشراكة الجزائرية النيجرية تتجه نحو نموذج تعاون متكامل يتجاوز الإطار التقليدي لتبادل الطاقة، ليشمل مجالات أوسع ترتبط بنقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية وبناء مشاريع مشتركة في مجالات الكهرباء والطاقات المتجددة.

و نوه إلى أن هذه الديناميكية تشمل أيضا دعم مشاريع البنية التحتية الطاقوية داخل النيجر، عبر مرافقة المؤسسات الوطنية في تنفيذ مشاريع إنتاج الكهرباء وتوسيع شبكات التوزيع، بما يعزز قدراتها في تلبية الطلب الداخلي المتزايد على الطاقة.

كما تتضمن الشراكة برامج لتأهيل الكوادر البشرية النيجرية من خلال التكوين المتخصص في الجزائر، اعتماداً على مراكز تدريب رائدة في قطاع الطاقة، ما يتيح نقل المعرفة وتعزيز القدرات التقنية على المستوى الإقليمي.

نقل الخبرة الجزائرية وتكوين الكفاءات الإفريقية

وحسب المتحدث، تحتل مسألة نقل الخبرة مكانة مركزية في التعاون بين البلدين، إذ تعتمد الجزائر على منظومة تكوين متقدمة في مجالات المحروقات والغاز والطاقة، عبر مؤسسات متخصصة ومراكز تدريب تابعة لقطاع الطاقة. والتي تبرز دور معاهد التكوين التابعة لمجمع سوناطراك، إضافة إلى مؤسسات البحث والتطوير التي توفر برامج متقدمة في التسيير الطاقوي والهندسة البترولية.

وتسهم هذه البنية التكوينية في إعداد جيل جديد من الكفاءات الإفريقية القادرة على قيادة مشاريع الطاقة الحديثة، بما يعزز استقلالية الدول الإفريقية في إدارة مواردها الطبيعية.

مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.. رهان استراتيجي

وأشار الخبير في الشأن الطاقوي إلى أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يشكل أحد أبرز المشاريع الطاقوية الاستراتيجية في القارة الإفريقية، لما يوفره من إمكانات اقتصادية هائلة للدول المشاركة فيه، خاصة الجزائر والنيجر ونيجيريا.

ويمتد هذا المشروع عبر مسار جغرافي طويل يربط حقول الغاز في نيجيريا بشبكات النقل في الجزائر، وصولا إلى الأسواق الأوروبية، ما يمنحه بعدا استراتيجيا مزدوجا يجمع بين تعزيز الأمن الطاقوي وتوسيع فرص التصدير.

ويتيح المشروع خلق ديناميكية اقتصادية جديدة على طول مساره، من خلال تطوير البنى التحتية، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل، وتعزيز الربط بين المناطق الاقتصادية المختلفة.

بنية تحتية عابرة للحدود ومحرك للتنمية

يمثل تطوير البنية التحتية الطاقوية إحدى الركائز الأساسية لتعزيز التكامل الإفريقي، إذ يساهم في ربط الاقتصادات الوطنية بعضها ببعض، وفتح آفاق جديدة للتبادل التجاري والاستثماري.

وتشمل هذه البنية شبكات نقل الغاز والكهرباء، والطرق اللوجستية، والمرافق المرتبطة بالمشاريع الطاقوية الكبرى، بما يسمح بتحقيق اندماج اقتصادي تدريجي بين دول القارة.

كما تساهم هذه المشاريع في تحسين الظروف المعيشية للسكان، من خلال توفير الطاقة وتطوير الخدمات الأساسية، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويدعم التنمية المحلية.

رؤية اقتصادية لتعزيز الأمن الطاقوي الإفريقي

يرى البروفيسور نصر الدين ساري، الأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية والبحث في قضايا التنمية المحلية، أن التعاون الجزائري-النيجري يشكل خطوة استراتيجية في مسار تعزيز الأمن الطاقوي الإفريقي.

ويؤكد ساري، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن هذا التعاون يعكس إرادة مشتركة لبناء منظومة طاقوية متكاملة تعتمد على استغلال الموارد الإفريقية وتطوير مشاريع مشتركة قادرة على دعم التنمية الاقتصادية.

كما يبرز أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يمثل ركيزة أساسية في هذا المسار، من خلال دوره في تعزيز الترابط الاقتصادي بين الدول الإفريقية وفتح قنوات جديدة نحو الأسواق العالمية.

التكامل الطاقوي وتطوير سلاسل القيمة

كما أشار ساري إلى أن الشراكة بين الجزائر والنيجر تتجه نحو تعزيز سلاسل القيمة في قطاع الطاقة، عبر تطوير أنشطة الاستكشاف والإنتاج والتكرير والخدمات المرتبطة بالمحروقات.

وتسهم هذه الديناميكية في رفع القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتحويلها إلى منتجات وخدمات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، ما يعزز موقع إفريقيا في الاقتصاد العالمي.

كما يفتح هذا التوجه المجال أمام شراكات جديدة في مجالات الصناعات البترولية والخدمات التقنية والتكوين، بما يدعم التنمية المستدامة ويخلق فرصاً اقتصادية جديدة.

كما أوضح ساري أن التحول العالمي نحو الطاقات النظيفة يشكل فرصة استراتيجية لإفريقيا لإعادة تموقعها داخل المنظومة الطاقوية الدولية، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة وتطوير مشاريع منخفضة الانبعاثات.

وتتمتع الجزائر والنيجر بإمكانات كبيرة في مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، ما يمنحهما قدرة على تطوير مشاريع مستقبلية ذات قيمة مضافة عالية تتماشى مع متطلبات الاقتصاد العالمي الجديد.

كما يعزز هذا التحول فرص جذب الاستثمارات الدولية وتطوير شراكات جديدة قائمة على الابتكار والتكنولوجيا.

نحو شراكة إفريقية نموذجية

تتجه العلاقات الجزائرية – النيجرية نحو بناء نموذج شراكة إفريقية متكاملة يقوم على التكامل الاقتصادي، وتبادل الخبرات وتطوير البنى التحتية وتعزيز التعاون الطاقوي.

ويعكس هذا النموذج رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل الإمكانات الإفريقية إلى قوة اقتصادية حقيقية قادرة على المنافسة عالمياً، مع تعزيز التنمية المستدامة وخلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة.

ومع استمرار المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها أنبوب الغاز العابر للصحراء، تتعزز مكانة الجزائر والنيجر كفاعلين محوريين في إعادة تشكيل المشهد الطاقوي الإفريقي، بما يرسخ أسس التكامل والتنمية في القارة.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي