المستقبل بعيون المخابرات الأمريكية.. 5 سيناريوهات للنظام العالمي في عام 2040

إذا كنت ممّن يعتقدون بأن ما يحدث في العالم هو مجرّد سحابة صيف، سرعان ما تنقشع، وكل هذه الأزمات في المناخ والغذاء والصحة والطاقة والأمن.. هي عوارض أمراض “وهمية” سيتعافى منها العالم قريبا، فلا ننصحك بقراءة هذا التقرير. هكذا نصحت إحدى الصحف الغربية قُرّاءها، ربما حتى لا “تستنزف” رصيد التفاؤل لديهم. نحن لن نقدّم لك أيّ نصيحة، لأننا نعتقد بأن التفاؤل هو ثروة مستقبلية موجودة في “بنوك التفاؤل للتوفير والاحتياط”، وليس من الحكمة “إهدارها” في هذه الظروف العالمية الراهنة.

جرت العادة، كل أربع سنوات، أن يُقدّم مجلس المخابرات الوطني الأمريكي، الذي تأسس عام 1979 ويتبع مدير المخابرات الوطنية، تقريراً يسمى “الاتجاهات العالمية”، إلى رئيس الولايات المتحدة يوم تنصيبه. والهدف منه هو تزويد صانعي السياسة الأمريكية، بأقوى المعلومات وأعمق التحليلات والتقديرات للاتجاهات الرئيسية التي ستشكل البيئة الاستراتيجية للولايات المتحدة لعقدين مُقبلين على الأقل. ويتميّز التقرير بموضوعيته وحياديته، فهو لا يأخذ في الاعتبار توافق محتواه مع سياسة الإدارة الأمريكية في زمن تسليمه. ويرتكز إعداده على معلومات استخباراتية مُتعدّدة المصادر، بالإضافة إلى دراسات الخبراء والوثائق والتقارير وغيرها من المواد والمصادر. وقد صدر أول تقرير في عام 1997، والأحدث كان في مارس / آذار 2021 تحت عنوان “الاتجاهات العالمية 2040: عالم أكثر إثارة للجدل”.

رؤية سلبية تغشَى كل دول العالم

استند تقرر 2021، إضافة إلى مصادره “التقليدية”، إلى وجهات النظر والآراء المتنوعة من مختلف القطاعات التي تنتمي إلى بيئات دولية متعددة، “بدءاً من طلاب المدارس الثانوية في واشنطن العاصمة، مروراً بمنظمات المجتمع المدني في إفريقيا، وقادة الأعمال في آسيا، ومن لهم خبرة واسعة في الاستشراف من الباحثين في أوروبا وآسيا، وصولاً إلى مجموعات الدفاع عن البيئة في أمريكا الجنوبية”. وهذا التنويع في المصادر “قدّم للتقرير أفكاراً وخبرات جديدة، وساعد على تحديد وفهم تحيّزاته، ونقاطه العمياء”، كما ورد في مقدّمة التقرير.

قدّم تقرير 2021 رؤية سلبية لما سيكون عليه النظام الدولي خلال السنوات القادمة. وتوقّع مزيدا من الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يستثن أيّ دولة في العالم. كما توقّع بأن جائحة كورونا ستستمر لعقدين مُقبلين، ويكون لها تداعيات في ظهور الاتجاهات السلبية التي تؤثّر على البنى المجتمعية.

5 سيناريوهات للنظام العالمي في 2040

رسم التقرير خمسة سيناريوهات لما سيكون عليه النظام العالمي بحلول عام 2040، من بينها قيادة الولايات المتحدة للديمقراطيات الصاعدة في دول العالم الثالث في قارتي آسيا وإفريقيا. ويتوقّع السيناريو الآخر، “حدوث كارثة بيئية وأزمة غذاء، في ظل غياب الولايات المتحدة عن قيادة النظام الدولي”. وأما السيناريوهات الثلاثة الأخرى، فتتوقع “التعايش التنافسي بين واشنطن وبكين”، وشيوع عالم فوضوي يحتكم إلى منطق القوة في حلّ المشاكل والنزاعات بين الدّول، وانهيار العولمة الذي ينتج عنه توالد مجموعة من التحالفات الدولية. وفيما يلي السيناريوهات كما تصوّرها التقرير:

– نهضة الديمقراطيات الصاعدة بقيادة أمريكية

تُحافظ الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي، من خلال قيادة مجموعة من الديمقراطيات الصاعدة، وتجديد ثقة الأمريكيين في مؤسساتهم الديمقراطية، وتطوّر قدرة واشنطن في الاستجابة الفعالة للتهديدات العالمية، وتحقيق تقدّم أكبر في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، من خلال “تعزيز النمو الاقتصادي مدفوعًا بالشراكة بين القطاعين العام والخاص”.

ويرى التقرير بأن الديمقراطيات الصاعدة ستستفيد من الإنجازات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية الأمريكية، بينما ستبقى الصين وروسيا “تعانيان من تزامن النمو الاقتصادي المُتعثر مع العوامل الديموغرافية الواضحة، وتقويض الأنظمة السلطوية الناجمة عن ممارسة القمع الشديد، والاعتماد المفرط على المراقبة والضوابط الصارمة التي أفضت إلى قتل فرص الابتكار، وعدم القدرة على إتاحة الفرص لتنمية المواهب، لعدم الاستثمار في البنية التحتية المطلوبة لدعم الابتكار المستمر، فضلًا عن طلب رجال الأعمال وكبار العلماء اللجوء إلى الدولة الأمريكية”. ويضيف التقرير بأن الوضع الذي سيؤول إليه حال موسكو وبكين، سيدفعهما إلى “إلى ممارسة العديد من الأعمال العدائية، ولا سيما مع الدول المجاورة لهما، وسيصبح سلوكهما أقل توقّعًا، كما أن الصين ستعاني من ارتفاع معدلات الشيخوخة، وعدم التمكّن من تحويل اقتصادها إلى اقتصاد استهلاكي، فضلًا عن ارتفاع معدلات الديون الخاصة، في حين ستتراجع روسيا وتدخل مرحلة صراع النخب في فترة ما بعد بوتين”.

– عالم فوضوي تقُوده الصين

يتمّ تجاهل قواعد النظام الدولي من طرف قوى كبرى على رأسها روسيا والصين. وتعجز التكنولوجيا عن إيجاد حلول لمشكلات البشر والكوكب، وخاصة بسبب محدودية التعاون الدولي. وإتاحة الفرصة للجماعات الإرهابية والإجرامية لتنتشر و”يتعاظم” دورها الهدّام، فتُصبح من أكبر التحديات التي تهدّد مختلف المجتمعات، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

وفي ظل تباطؤ النمو الاقتصادي للدول، وتنامي الانقسامات السياسية والاجتماعية، ستستغل الصين حالة الفوضى، لتوسيع نفوذها الدولي، “وعلى الرغم من صعود الصين لقيادة النظام الدولي، فإنها لا تمتلك القدرات العسكرية اللازمة التي تُمكّنها من إيجاد حلول للعديد من التحديات العالمية الملحة، وعلى رأسها التغير المناخي، وحالة عدم الاستقرار في الدول النامية”. وبحلول عام 2035، من المحتمل أن تكون الصين قد ضمّت إليها تايوان، وتوجهت إلى التوسع في عدد من الأقاليم الأخرى، “إذ ستكون الصين بحلول هذا العام، قد تمكنت من اكتساب مكانة دولية مهمة في النظام العالمي، ولن يكون بمقدور أي دولة إقليمية مجابهة الصعود الصيني”.

– تعايش بين واشنطن وبكين

هو السيناريو الأفضل في التقرير، حيث أن واشنطن وبكين ستتعايشان في إطار “منافسة القوى العظمى”، ويحكمهما الاحترام والقبول المتبادل للقواعد الحاكمة، ويكون بينهما ترابط اقتصادي، وتعاون في “إعادة توجيه الميزانيات الوطنية، للاستجابة للأوبئة العالمية والتعافي الاقتصادي، والمساعدة في مشاريع البنية التحتية للدول”، ممّا “يؤدي إلى انخفاض احتمالات اندلاع حرب كبرى، وخاصةً في ظل تنامي فرص إدارة وحل المشكلات الدولية من خلال التعاون العالمي، وتزايد الابتكار التكنولوجي، ولجوء الدول إلى التجسس وشن الهجمات الإلكترونية، للتمكن من تحقيق الأهداف، دون الحاجة إلى خوض حروب كبرى. وبصفة عامة، تظل تحديات التغيرات المناخية قائمةً لتمثل عنصرًا لعدم الاستقرار على المدى البعيد”.

– انهيار العولمة والتحوّل إلى التحالفات الإقليمية

في هذا السيناريو، ستنهار العولمة وستظهر العديد من التكتلات الاقتصادية والعسكرية، لضمان الحماية من التهديدات الدولية التي سوف تتزايد، والتوجّه إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. وستتمحور هذه التكتلات حول “الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، إضافة إلى عدد من الدول الإقليمية. وستتعطل حركة التجارة الدولية، وستفقد العديد من القطاعات أهميتها وقدرتها على الربح، مثل قطاع السياحة على سبيل المثال”. وستكون الدول النامية ضحية للتكتلات والتحالفات، لا سيما في المجال الاقتصادي، ولن يكون هناك أدنى اهتمام بقضايا الكوكب، لا سيما، قضية المناخ. ويرى السيناريو بأن التكتلات لن تكون منسجمة، وغير قادرة على التكيّف مع بعضها البعض، وسوف تندلع الحروب “الصغيرة” بين الدول، وتنتشر الأسلحة النووية بشكل كبير.

– ثورة عالمية من “القاعدة إلى القمة”

إذا لم تتمكّن الولايات المتحدة من قيادة النظام الدولي، فإن هذا السيناريو يتوقّع اندلاع ثورة من “القاعدة إلى القمة”، تكون نتيجة حتمية لتغيرات عالمية “مدمرة”، حيث “ستتفاقم أزمة نقص الغذاء، نظرًا إلى حدوث كارثة بيئية كبيرة على المستوى العالمي، نتيجة تدهور بيئي كأحد تداعيات التغير المناخي، وسيكون الشباب غير واثق بقدرة حكوماتهم على حل المشكلات استنادًا إلى إخفاقها في التعامل مع الوباء الحالي”.

كما يرى هذا السيناريو، بأن الاتحاد الأوروبي سيتحالف مع الصين وعدد من المنظمات غير الحكومية، من أجل معالجة تغير المناخ، وانتشار الفقر، ونضوب الموارد الطبيعية. وسوف تنتشر المجاعة في مختلف المدن الصينية، وهو الأمر الذي يجبر بكين أن تتعاون مع الاتحاد الأوروبي، في تعزيز تقنيات الطاقة النظيفة.

ملاحظات على هامش التقرير

لا يبدو تقرير “الاتجاهات العالمية 2040: عالم أكثر إثارة للجدل” بالعمق والقوة التي تجعل منه “مرجعا” استشرافيا يُمكن للإدارة الأمريكية أن ترتكز عليه في بناء سياساتها المستقبلية لعقدين قادمين من الزمن، فالقارئ يستطيع أن يرصد، من خلال السيناريوهات السابقة، ملاحظة تفيد بأن العالم إذا قادته أمريكا، فسيكون “مثاليا”، حيث ستزدهر الديموقراطيات الصاعدة وتستفيد من التقدّم الاقتصادي والتكنولوجي الذي سوف تحقّقه أمريكا. بينما، إذا قادت الصين هذا العالم، فسيكون فوضويا ويشهد أزمات في المناخ والغذاء والحروب البينية بين الدّول. ويُمكن طرح السؤال التالي، استنادا إلى السيناريو الأوّل: ما الذي منع أمريكا طيلة العقود الماضية، أن تُفيد الديمقراطيات الصاعدة في أفغانستان والعراق، وتحقّق الرقي والازدهار الاقتصادي المجتمعي فيهما، رغم أنها هي التي حملت الديموقراطية، بالقوة العسكرية، إلى تلك الدول، وجعلت منها “صاعدة” في السلّم الديموقراطي؟

كما يُمكن طرح سؤال آخر، استنادا إلى السيناريو الثاني: لماذا تتأزم الأوضاع الطبيعية (المناخ، الجفاف، نقص التغذية)، عندما تقود الصين هذا العالم، فهل الطبيعة تشترط قيادة أمريكا للعالم حتى “تحلّ” مشاكلها؟

نعتقد بأن التقرير هو نوع من الترويج السياسي لتوجيه الرأي العام العالمي، يحاول أن يربط تفاؤل الشعوب بقيادة أمريكا للعالم، ويجعل من قيادة غيرها له، جحيما فوق الأرض، قبل القيامة.