الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

المشاركة السياسية للمرأة بين الصور النمطية والإطار الدستوري

Author
بثينة صايفي 10 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في كل استحقاق انتخابي تعود إلى الواجهة نقاشات وجدل واسع حول مشاركة المرأة في الحياة السياسية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بترشحها للمجالس المنتخبة أو تقلدها مناصب المسؤولية، وبينما يكفل الدستور والقوانين الجزائرية المساواة في الحقوق السياسية بين الجنسين، لا تزال بعض الأحكام المسبقة والصور النمطية تفرض نفسها في النقاش العام، حيث تُقيَّم المرأة أحيانا انطلاقا من مظهرها أو جنسها بدل كفاءتها وبرنامجها السياسي.

وفي هذا السياق، يسلط أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، الضوء على الخلفيات القانونية والاجتماعية لهذه الظاهرة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لم يعد في النصوص القانونية، بل في تغيير العقليات وترسيخ ثقافة سياسية تقوم على الكفاءة والمواطنة والمساواة.

 

النظرة النمطية للمرأة في العمل السياسي.. إرث اجتماعي ما زال حاضراً

يرى أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، أن الجدل الذي يثار كلما تقدمت امرأة لخوض غمار الانتخابات أو تقلد مسؤولية سياسية، لا يمكن فصله عن تراكمات ثقافية واجتماعية تعود إلى عقود طويلة، حيث ترسخت في الوعي الجماعي تصورات نمطية تقلل من قدرة المرأة على ممارسة العمل السياسي أو اتخاذ القرار، فبدلاً من تقييم المترشحات وفق برامجهن الانتخابية وكفاءاتهن العلمية وخبراتهن المهنية، غالبا ما تتحول النقاشات إلى قضايا هامشية تتعلق بالمظهر الخارجي أو الحياة الشخصية أو أدوار المرأة التقليدية داخل الأسرة.

ويؤكد بودهان أن هذه الأحكام المسبقة لا تستند إلى معايير موضوعية، بل تعكس استمرار بعض الموروثات الفكرية التي تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالا ذكوريا بامتياز، رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها المجتمعات الحديثة وما حققته النساء من نجاحات في مختلف المجالات، ويضيف أن هذا النوع من الخطاب يؤدي إلى تهميش النقاش الحقيقي حول الكفاءة والقدرة على التسيير وصناعة القرار، ويحوّل الأنظار عن القضايا الجوهرية التي يفترض أن تشكل أساس التنافس السياسي.

كما يلفت المتحدث إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في بعض الأحيان في إعادة إنتاج هذه الصور النمطية، من خلال حملات السخرية والتنمر التي تتعرض لها بعض المترشحات، حيث يتم التركيز على الشكل أو المظهر أو السمات الشخصية أكثر من التركيز على البرامج والأفكار والمشاريع التي يحملنها، ويرى أن هذا السلوك يعكس خللاً في الثقافة السياسية أكثر مما يعكس تقييما حقيقيا للأداء أو الكفاءة.

ويشدد بودهان على أن استمرار هذه النظرة يطرح تحديا مجتمعيا يتجاوز المرأة وحدها، لأنه يمس جوهر الممارسة الديمقراطية التي تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين، فكلما تم الحكم على المرشحين وفق اعتبارات غير موضوعية، تراجعت فرص بناء مؤسسات تمثيلية قائمة على الكفاءة والجدارة، لذلك، فإن تجاوز هذه النظرة النمطية يقتضي تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية مشاركة المرأة في الحياة العامة، وترسيخ ثقافة سياسية تجعل من الكفاءة والقدرة على خدمة الصالح العام المعيار الأساسي للحكم على أي مترشح أو مترشحة.

 

الدستور يحسم الجدل حول حق المرأة في الترشح

ويؤكد أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، أن مسألة مشاركة المرأة في الحياة السياسية لم تعد محل نقاش من الناحية القانونية، بالنظر إلى وضوح النصوص الدستورية والتشريعية التي تكفل للمرأة الحقوق السياسية نفسها التي يتمتع بها الرجل، فالدستور الجزائري، بحسبه، يقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ويضمن حق المشاركة في تسيير الشؤون العامة دون تمييز قائم على الجنس أو أي اعتبارات أخرى.

ويشير بودهان إلى أن الجدل الذي يثار أحيانا حول أحقية المرأة في الترشح أو شغل المناصب السياسية لا يجد له سندا في المنظومة القانونية الوطنية، لأن المشرّع حسم هذه المسألة منذ سنوات من خلال تكريس مبدأ المساواة في الوصول إلى الوظائف والمهام العامة والتمثيل السياسي، وعليه، فإن حق المرأة في الترشح للبرلمان أو المجالس المحلية أو تقلد المناصب التنفيذية يعد حقا دستوريا أصيلا، وليس امتيازا أو استثناء يمنح لفئة معينة.

وأضاف أن النصوص القانونية الجزائرية لم تكتفِ بمجرد الاعتراف النظري بحقوق المرأة السياسية، بل سعت إلى تعزيز حضورها في مختلف مؤسسات الدولة وتشجيع مشاركتها في صنع القرار، انطلاقا من قناعة مفادها أن التنمية السياسية والديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بإقصاء نصف المجتمع أو الحد من مساهمته في إدارة الشأن العام.

ويرى المتحدث أن الإشكال الحقيقي لم يعد قانونيا بقدر ما هو ثقافي واجتماعي، إذ لا تزال بعض العقليات تنظر إلى مشاركة المرأة السياسية من زاوية الأحكام المسبقة والصور النمطية، رغم أن القانون لا يفرّق بين المترشحين على أساس الجنس، وإنما يعتمد معايير موضوعية ترتبط بالشروط القانونية والكفاءة والقدرة على تمثيل المواطنين، ولذلك، فإن الاحتكام إلى الدستور والقانون كفيل، بحسبه، بتجاوز الكثير من النقاشات العقيمة التي تعيد طرح قضايا حسمتها النصوص القانونية منذ زمن.

كما شدد بودهان على أن التجربة الجزائرية أثبتت قدرة المرأة على الاضطلاع بمسؤوليات سياسية وإدارية رفيعة المستوى، حيث شغلت مناصب وزارية وبرلمانية وقيادية مختلفة، ما يؤكد أن معيار النجاح في العمل العام لا يرتبط بالجنس، بل بالكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، ومن هذا المنطلق، يدعو إلى ترسيخ ثقافة المواطنة التي تجعل من الحقوق السياسية حقا مكفولا لجميع المواطنين دون تمييز، وإلى توجيه النقاش العمومي نحو تقييم البرامج والأفكار والإنجازات بدل الانشغال باعتبارات لا علاقة لها بجوهر العمل السياسي.

 

Haut du formulaire

Bas du formulaire

الكفاءة لا الشكل.. المعيار الحقيقي للحكم على المرشحين

وفي معرض حديثه عن الانتقادات التي تستهدف بعض المترشحات بسبب مظهرهن أو جمالهن، شدد المتحدث على أن ربط الجمال بنقص الكفاءة أو ضعف القدرات السياسية يمثل حكما مسبقا لا يستند إلى أي أساس موضوعي، ويرى أن تقييم المترشحين، رجالا ونساء، ينبغي أن يكون وفق معايير الكفاءة والبرنامج الانتخابي والخبرة والقدرة على خدمة المصلحة العامة، وليس بناء على اعتبارات شكلية لا علاقة لها بالعمل السياسي.

ولإبراز قدرة المرأة على تقلد أعلى المناصب، استشهد بودهان بعديد النماذج الدولية التي وصلت فيها النساء إلى رئاسة الدول والحكومات، إضافة إلى توليهن حقائب وزارية ومناصب قيادية في المؤسسات الاقتصادية والعسكرية، ويعتبر أن هذه التجارب تشكل دليلاً واضحا على أن معيار النجاح في المسؤوليات العامة يرتبط بالكفاءة والقدرة على الإنجاز، وليس بالنوع الاجتماعي.

 

العنف الرقمي ضد النساء.. تحدٍ متزايد في الحملات الانتخابية

وتطرق أستاذ القانون الدستوري إلى ظاهرة العنف الرقمي التي تستهدف النساء، خاصة خلال الفترات الانتخابية، حيث تتعرض بعض المترشحات لحملات تنمر وتشويه وسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأوضح أن هذه الممارسات قد تؤثر سلبا على مشاركة المرأة في الحياة السياسية، غير أنها لا ينبغي أن تتحوّل إلى عامل ردع يمنعها من ممارسة حقوقها الدستورية.

ويرى بودهان أن معالجة هذه الظواهر لا تقتصر على النصوص القانونية فحسب، بل تتطلب أيضا عملا ثقافيا وتربويا يهدف إلى تغيير العقليات وترسيخ ثقافة المساواة واحترام المرأة، كما دعا إلى تجاوز الأحكام المسبقة والصور النمطية التي ما تزال تؤثر في نظرة بعض فئات المجتمع إلى مشاركة المرأة في الشأن العام.

 

المرأة مطالبة بكسر دائرة الخوف

وأكد المتحدث أن المرأة مطالبة اليوم بالاستفادة من الضمانات التي يوفرها الدستور والقانون، وعدم الاستسلام لمحاولات الترهيب الفكري أو الضغوط الاجتماعية التي تستهدف إبعادها عن الفضاء العام، فالمشاركة السياسية، بحسبه، حق دستوري ومواطني ينبغي ممارسته بثقة ومسؤولية.

وختم بودهان بالتأكيد على ضرورة أن ينصب اهتمام الناخبين والرأي العام على البرامج والأفكار والكفاءات التي تقدمها المترشحات، بدلاً من التركيز على المظهر الخارجي أو الاعتبارات الشخصية، كما دعا إلى إرساء ثقافة سياسية تقوم على تقييم المرأة وفق قدراتها وإنجازاتها ومساهمتها في خدمة المجتمع، بما يساهم في تكريس مشاركة أكثر عدالة وفعالية للنساء في الحياة السياسية.