الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
إفريقيا

المشاريع الكبرى في الجزائر.. استثمارات ضخمة لبناء اقتصاد قائم على الإنتاج المحلي

Author
سارة حميدي 29 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الجزائر نحو إعادة تشكيل نموذجها التنموي، من خلال إطلاق وتنفيذ عدد من المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى، خلال السنوات الأخيرة، عبر الانتقال التدريجي من التركيز على إنجاز المنشآت والهياكل الأساسية إلى بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة محلية وتعزيز تنويع الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشأن الاقتصادي، فارس هباش، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الأهمية الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن فقط في حجم الأموال المرصودة أو في ضخامة المنشآت التي يتم إنجازها، وإنما في قدرتها على إحداث تحول في طريقة إنتاج الثروة داخل الاقتصاد الوطني، من خلال تطوير سلاسل إنتاج متكاملة ورفع نسبة المحتوى المحلي وإتاحة فرص أوسع أمام المؤسسات الجزائرية للمشاركة في مختلف مراحل النشاط الاقتصادي.

الطاقة.. من تصدير الموارد إلى تثمينها محليا

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن قطاع الطاقة يظل أحد المحاور الأساسية في هذا التحول، بالنظر إلى المشاريع الكبرى المرتبطة بالمحروقات والطاقات الجديدة، والتي يمكن أن تعزز مكانة الجزائر كمورد موثوق للطاقة بالتوازي مع توسيع دائرة تثمين الموارد محليا.

ويقول فارس هباش إن الرهان لم يعد يقتصر على تصدير المواد الأولية، وإنما يتجه نحو تطوير الصناعات التحويلية والبتروكيميائية والخدمات الهندسية والتكوين المتخصص بما يسمح بإنشاء منظومة اقتصادية مرتبطة بالطاقة تتجاوز النشاط الاستخراجي إلى قطاعات ذات قيمة مضافة أكبر.

المشاريع المنجمية.. فرصة لبناء سلاسل صناعية متكاملة

يعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة سطيف، أن قطاع المناجم يبرز كأحد المجالات التي يمكن أن تؤدي دورا محوريا في إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، خصوصا إذا تم الانتقال من مجرد استخراج الموارد الطبيعية إلى تثمينها وتصنيعها عبر مراحل متكاملة.

ويشير إلى أن أهمية المشاريع المنجمية الكبرى لا تتوقف عند استخراج الحديد أو الفوسفات وغيرها من الموارد، بل تمتد إلى تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها وإنشاء شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وفتح المجال أمام المؤسسات الجزائرية للمشاركة في سلسلة القيمة.

ويسمح هذا المسار، حسب الخبير، بإنتاج مواد وسيطة ومنتجات صناعية موجهة إلى السوق الوطنية وإلى الأسواق الخارجية، وبالتالي رفع القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية الجزائرية.

الصناعة.. المشروع الناجح هو الذي يخلق منظومة حوله

وفي المجال الصناعي، يرى المحلل الاقتصادي أن المشاريع الكبرى يمكن أن تشكل رافعة لتطوير النسيج الصناعي الوطني، خصوصا من خلال تشجيع الشراكات وتوطين التكنولوجيا ورفع القدرات التقنية والإنتاجية للمؤسسات الجزائرية.

ويشدد المتحدث ذاته، على أن نجاح المشروع الصناعي لا ينبغي أن يقاس بعدد المصانع أو الوحدات الإنتاجية التي تم إنجازها فقط، وإنما بقدرته على خلق منظومة اقتصادية متكاملة تضم الموردين المحليين، ومراكز البحث، ومؤسسات التكوين المهني والجامعي، والخدمات التقنية والهندسية.

البنية التحتية.. أساس جذب الاستثمار وتحريك النشاط الاقتصادي

تحتل مشاريع البنية التحتية مكانة أساسية في هذه الرؤية، باعتبارها العمود الفقري لأي تحول اقتصادي مستدام.

ويعتبر المحلل الاقتصادي فارس هباش أن تطوير شبكات النقل والسكك الحديدية والموانئ والمنظومات اللوجستية، من شأنه رفع كفاءة الاقتصاد وتقليص تكاليف نقل السلع وتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق، فضلا عن تعزيز اندماج المناطق الداخلية في الدورة الاقتصادية الوطنية، كما أن تحسين الربط بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والتصدير يمكن أن يساهم في توسيع الخريطة الجغرافية للنشاط الاقتصادي، وعدم تركز الاستثمارات في مناطق محددة فقط، يضيف المتحدث ذاته.

المعرفة ونقل التكنولوجيا.. القيمة غير المرئية للمشاريع الكبرى

لا تقتصر أهمية المشاريع الاستراتيجية، حسب الخبير الاقتصادي، على آثارها المادية المباشرة، إذ يمكن أن تتحول إلى منصات لتراكم المعرفة والخبرة ونقل التكنولوجيا.

ويؤكد هباش أن كل مشروع كبير يمكن أن يشكل مدرسة اقتصادية وتقنية لتطوير الكفاءات الوطنية ورفع مستوى التأهيل المهني وتعزيز قدرة المؤسسات الجزائرية على التحكم في التقنيات الحديثة.

ويعتبر أن هذا البعد المعرفي يمثل أحد أهم عناصر بناء اقتصاد تنافسي، خصوصا في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

تنويع الصادرات.. الهدف النهائي للقيمة المضافة

ويرتبط نجاح هذا المسار، وفق هباش، بقدرة الجزائر على توسيع قاعدة صادراتها خارج المحروقات، من خلال زيادة المنتجات والخدمات القابلة للتسويق في الأسواق الخارجية.

فالمشاريع الكبرى، بحسب الخبير، يمكن أن تفتح المجال أمام تصدير منتجات صناعية وتحويلية ومنتجات منجمية مصنعة، إضافة إلى خدمات مرتبطة بالطاقة والهندسة والصناعة.

كيف يقاس نجاح المشاريع الكبرى؟

ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة سطيف، فارس هباش، أن تقييم هذه المشاريع يجب ألا يتوقف عند حجم الاستثمارات أو عدد المنشآت المنجزة، رغم أهمية هذه المؤشرات في قياس حجم الجهد التنموي.

ويعتبر أن المؤشرات الأكثر دلالة على المدى الطويل تتمثل في مدى قدرة هذه المشاريع على خلق ديناميكية إنتاجية جديدة ورفع إنتاجية المؤسسات وتحفيز الابتكار وخلق وظائف نوعية قائمة على المهارات والمعرفة، فضلا عن تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وبالتالي، فإن نجاح المشروع الاستراتيجي، في هذا التصور، يقاس بقدرته على خلق آثار اقتصادية تتجاوز حدود المشروع نفسه وتمتد إلى محيطه الإنتاجي والخدمي والمعرفي.

نحو نموذج اقتصادي أكثر تنوعا

ويخلص الخبير الاقتصادي فارس هباش إلى أن المشاريع الاستراتيجية الكبرى يمكن أن تشكل إحدى الأدوات الأساسية لإعادة بناء النموذج الاقتصادي الجزائري على أسس أكثر تنوعا واستدامة.

ويتمثل التحدي، حسب هباش، في الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يقوم على تثمين هذه الموارد وتصنيعها وربطها بشبكات إنتاج وطنية وإقليمية ودولية.

ومع تكامل هذه المشاريع مع سياسات دعم الاستثمار وتطوير المؤسسات وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز البحث والتكوين، يمكن أن يتحول الاستثمار إلى محرك للنمو تصبح القيمة المضافة المحلية أساسا لصناعة الثروة، بينما تشكل الكفاءة البشرية والابتكار ركيزتين لتعزيز تنافسية الاقتصاد الجزائري على المدى الطويل.

أبرز المشاريع الاستراتيجية الكبرى في الجزائر

للإشارة، تشمل منظومة المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي أطلقتها الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، عددا من القطاعات ذات التأثير المباشر في بنية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها مشروع استغلال منجم الحديد غارا جبيلات وربطه بالخط المنجمي الغربي بشار–تندوف، ومشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة بولاية تبسة والخط المنجمي الشرقي الرابط بين مناطق الإنتاج وميناء عنابة، ومشروع استغلال منجم الزنك والرصاص بتالة حمزة–وادي أميزور ببجاية، إلى جانب مشاريع تطوير الصناعات التحويلية والحديد والصلب والبتروكيمياء، ومشاريع تطوير المحروقات والطاقات المتجددة وبرنامج إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وتطوير الهيدروجين الأخضر.

كما تشمل هذه الديناميكية مشاريع البنية التحتية والنقل، وفي مقدمتها خطوط السكك الحديدية التي تربط مناطق الجنوب والهضاب بالمراكز الاقتصادية والموانئ مثل خط الجزائر–الأغواط–غرداية–المنيعة–عين صالح–تمنراست ومشاريع ربط الموانئ والمناطق الصناعية والمناجم، إضافة إلى مشاريع تحلية مياه البحر وتعزيز الأمن المائي ومشاريع تطوير الموانئ والطرق وشبكات الربط اللوجستي.

وتتكامل هذه المشاريع مع مشاريع الاستثمار في الصناعة والفلاحة والطاقة واللوجستيك، لتشكل في مجموعها منظومة تهدف إلى استغلال الموارد الوطنية وتثمينها محليا وتطوير سلاسل إنتاج متكاملة، وتحسين الربط بين مناطق الإنتاج والأسواق، ورفع القيمة المضافة المحلية وتقليص تكاليف النقل والاستيراد وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتوسيع مساهمة المؤسسات الجزائرية في المناولة والخدمات والصناعة، فضلا عن دعم الصادرات خارج المحروقات.

↑