الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

المعايير البيئية الأوروبية تعيد رسم مستقبل الصناعات الغذائية الجزائرية

Author
صبرينة عيلان 15 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

دخلت الصادرات الجزائرية من المشروبات والعصائر منعطفا حاسما في مسار تواجدها بالأسواق الدولية، بعد دخول القرار الأوروبي الملزم برفع نسبة البلاستيك المعاد تدويره (rPET) في القارورات حيز التنفيذ مطلع عام 2025.

هذا التحول التنظيمي الذي تفرضه توجيهات الحد من البلاستيك (SUPD)، يضع المنتج الجزائري أمام اختبار حقيقي للمواءمة بين الجودة التجارية والمعايير البيئية الصارمة.

وفي قراءة لهذا المشهد، يرى الدكتور كريم ومان، المدير العام السابق للوكالة الوطنية للنفايات، أن هذا الإجراء ليس مجرد عقبة تقنية، بل هو إعلان رسمي عن ميلاد اقتصاد عالمي جديد تقوده الاستدامة، مؤكدا في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر أمام فرصة ذهبية لبناء صناعة تدوير متكاملة تضمن لها مقعدا دائما في الأسواق الخضراء.

وأكد الدكتور كريم ومان أن دخول الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من التشريعات البيئية الخاصة بالبلاستيك أحادي الاستخدام، يضع الصادرات الجزائرية، خاصة في قطاع المشروبات والعصائر، أمام تحديات تنظيمية وصناعية غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام فرصة استراتيجية قد تسمح للجزائر ببناء صناعة وطنية متكاملة في مجال إعادة تدوير البلاستيك والاقتصاد الدائري.

وأوضح الدكتور كريم ومان أن القرار الأوروبي المتعلق بإلزام قارورات المشروبات البلاستيكية أحادية الاستخدام باحتواء نسبة لا تقل عن 25 بالمئة من مادة PET المعاد تدويرها، المعروفة بـ rPET، ابتداء من الفاتح جانفي 2025، ليس مجرد إجراء بيئي معزول، بل يمثل تحوّلا عميقا في فلسفة الصناعة الأوروبية، التي باتت تربط بين التجارة والاقتصاد الأخضر والاستدامة البيئية.

وأشار المتحدث إلى أن هذا الإجراء يأتي في إطار توجيه الاتحاد الأوروبي الخاص بالحد من البلاستيك أحادي الاستخدام المعروف باسم SUPD، والذي لا يقتصر تطبيقه على المنتجات المصنعة داخل أوروبا فقط، بل يشمل أيضًا المنتجات المستوردة من مختلف دول العالم، بما فيها الجزائر.

ما المقصود بمادة PET المعاد تدويرها؟

المقصود بها إلزام احتواء القارورات البلاستيكية أحادية الاستخدام على نسبة لا تقل عن 25% من مادة PET المعاد تدويرها (rPET) هو أن القارورة البلاستيكية التي تُستعمل مرة واحدة (مثل قارورات المياه والعصائر والمشروبات الغازية) يجب أن تُصنّع بحيث تحتوي على ربع على الأقل من مكوّناتها البلاستيكية من مادة مُعاد تدويرها.
بمعنى أوضح:
• مادة PET هي البلاستيك الشائع المستخدم في صناعة قوارير المشروبات.
• rPET تعني PET مُعاد تدويره (أي تم جمعه من نفايات بلاستيكية، تنظيفه، معالجته، ثم إعادة تحويله إلى مادة صالحة للاستخدام الصناعي).
• القرار الأوروبي يفرض أن كل قارورة تُطرح في السوق يجب أن تتضمن 25% على الأقل من هذا البلاستيك المعاد تدويره بدل الاعتماد الكامل على البلاستيك الجديد.

الصادرات الجزائرية اصطدمت بالتحوّل البيئي الأوروبي

وأضاف الدكتور كريم ومان أن الجزائر تأثرت بشكل مباشر بهذه التحولات التنظيمية الجديدة، خاصة في قطاع المشروبات والعصائر الموجهة نحو الأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا.

وأوضح أن عددا من المنتجات الجزائرية لم تكن مطابقة في البداية للمعايير الجديدة المتعلقة بنسبة البلاستيك المعاد تدويره داخل القارورات، ما تسبب في توقف مؤقت للصادرات استمر لأشهر طويلة، قبل أن يتمكن المنتجون الجزائريون من التكيّف التدريجي مع المتطلبات الأوروبية الجديدة.

وأضاف أن هذا التوقف لم يكن مجرد أزمة ظرفية مرتبطة بالتصدير فقط، بل كشف حجم الفجوة الصناعية والتنظيمية الموجودة بين متطلبات السوق الأوروبية الحديثة وقدرات بعض المؤسسات المحلية، خاصة في مجال التدوير والتغليف المستدام.

وأشار المتحدث إلى أن بعض المنتجين الجزائريين اضطروا إلى اعتماد ما يشبه “نظام إنتاج مزدوج”، من خلال تخصيص خطوط تعبئة خاصة بالسوق الأوروبية تستجيب لمعايير rPET، مقابل الإبقاء على نماذج التغليف التقليدية الموجهة للسوق المحلية، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسيير.

الاقتصاد الأخضر أصبح شرطا لدخول الأسواق العالمية

ويرى الدكتور كريم ومان أن العالم دخل اليوم مرحلة جديدة لم تعد فيها القدرة التنافسية مرتبطة فقط بالسعر أو الجودة، بل أصبحت مرتبطة كذلك بالبصمة البيئية للمنتجات ومدى احترامها لمبادئ الاقتصاد الدائري.

وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يتجه تدريجيا نحو تشديد المعايير البيئية على مختلف المنتجات المستوردة، ما يعني أن المؤسسات الجزائرية مطالبة مستقبلا بالاستعداد لموجات جديدة من الشروط التنظيمية المتعلقة بالتغليف المستدام وخفض النفايات والانبعاثات الكربونية.

وأضاف أن هذا التحوّل يفرض على الجزائر إعادة النظر في نموذجها الصناعي التقليدي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتصدير، لأن الأسواق الدولية أصبحت تمنح الأفضلية للمنتجات التي تراعي المعايير البيئية وتستجيب لمتطلبات التنمية المستدامة.

تكلفة التكيّف مرتفعة لكنها استثمار للمستقبل

وأكد المدير العام السابق للوكالة الوطنية للنفايات أن التكيف مع المعايير الأوروبية الجديدة يفرض أعباء مالية وتقنية معتبرة على المنتجين الجزائريين، سواء من خلال استيراد مادة rPET المطابقة للمواصفات الأوروبية أو عبر تعديل خطوط الإنتاج والتعبئة.

وأشار إلى أن بعض المؤسسات اضطرت إلى البحث عن موردين أجانب أو الدخول في شراكات تقنية مع شركات متخصصة في إعادة التدوير، في وقت لا تزال فيه السوق الجزائرية تعاني من محدودية البنية الصناعية الخاصة بتثمين النفايات البلاستيكية.

وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بإنتاج القارورات، بل تشمل سلسلة كاملة تبدأ بجمع النفايات وفرزها ومعالجتها وتحويلها إلى مواد أولية قابلة للاستعمال الصناعي وفق المعايير الدولية.
كما أوضح أن القيود الأوروبية المؤقتة المتعلقة باحتساب بعض كميات rPET المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي تزيد من تعقيد الوضع بالنسبة للمصدرين الجزائريين، وهو ما يفرض تسريع بناء قدرات محلية مستقلة في هذا المجال.

الجزائر أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة rPET

ورغم التحديات، شدد الدكتور كريم ومان على أن الجزائر تمتلك فرصة استثنائية لتحويل هذا الضغط الأوروبي إلى مشروع اقتصادي وصناعي واعد.

وأوضح أن الجزائر تنتج سنويا كميات ضخمة من النفايات البلاستيكية، غير أن نسبة معتبرة منها لا تزال غير مستغلة بالشكل المطلوب، ما يجعل الاستثمار في إعادة التدوير خيارا استراتيجيا يمكن أن يخلق قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني.

وأشار إلى أن تطوير صناعة وطنية لإنتاج البلاستيك المعاد تدويره من شأنه أن يقلل من التبعية للاستيراد، ويدعم تنافسية الصادرات الجزائرية، ويفتح المجال أمام ظهور مؤسسات ناشئة ومجمعات صناعية متخصصة في الاقتصاد الأخضر.

وأضاف أن هذا التوجه يتقاطع مع مضامين القانون الجزائري 25-02، الذي يعزز مبادئ المسؤولية الممتدة للمنتج والاقتصاد الدائري والتصميم البيئي، وهي نفس المبادئ التي تقوم عليها السياسات الأوروبية الحديثة.

التدوير لم يعد خيارا بيئيا فقط

وفي تحليله لمستقبل القطاع، أكد الدكتور كريم ومان أن إعادة التدوير لم تعد مجرد نشاط بيئي مرتبط بحماية الطبيعة، بل تحولت إلى صناعة عالمية استراتيجية مرتبطة بالأمن الاقتصادي والتجاري.

وأوضح أن الدول التي ستنجح مستقبلا هي تلك القادرة على تحويل نفاياتها إلى مواد أولية قابلة للاستعمال الصناعي، خاصة في ظل الارتفاع العالمي لأسعار المواد الأولية التقليدية وتزايد القيود البيئية الدولية.

وأضاف أن قطاع التدوير يمكن أن يتحوّل في الجزائر إلى مصدر حقيقي لمناصب الشغل والاستثمار، خاصة إذا تم تطوير منظومة وطنية متكاملة تشمل جمع وفرز النفايات، وتحفيز المستثمرين، وتقديم امتيازات جبائية وتمويلية للمؤسسات الناشطة في الاقتصاد الدائري.

من الحلول الظرفية إلى الاستراتيجية الوطنية

وأكد الدكتور كريم ومان أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إيجاد حلول مؤقتة لاستعادة الصادرات نحو أوروبا، بل في بناء رؤية وطنية شاملة تجعل من الاقتصاد الدائري جزءا أساسيا من السياسة الصناعية الجزائرية.

وأكد أن الجزائر مطالبة بالانتقال من مرحلة “التكيّف الاضطراري” مع الشروط الأوروبية إلى مرحلة “الاستباق الصناعي”، عبر تطوير صناعة وطنية قوية في مجال rPET، وتشجيع البحث والابتكار في قطاع التدوير، وخلق شراكات دولية تسمح بنقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة.

وأضاف أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف نحافظ على صادراتنا نحو أوروبا، بل كيف نحوّل هذا التحدي البيئي العالمي إلى فرصة لبناء اقتصاد جزائري أكثر استدامة وقدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.