أمام تحديات متزايدة يفرضها انتشار المُخدرات وما يخلّفه من آثار معقّدة تطال المجتمع والصحة والأمن، تواصل السلطات العمومية في الجزائر تعزيز مقاربتها الشاملة للتصدي لهذه الظاهرة، من خلال الجمع بين العمل الوقائي القائم على التحسيس والتوعية الميدانية، واعتماد إجراءات تنظيمية وقانونية أكثر صرامة تهدف إلى الحد من التعاطي والاتجار، لا سيما في الأوساط الهشة. وفي هذا السياق، لم تقتصر المقاربة الجديدة على الفضاءات الاجتماعية والمهنية فحسب، بل امتدت أيضا إلى الوسط التربوي والتعليمي، عبر إصدار مرسوم تنفيذي يضع معايير صارمة للكشف المبكر عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية داخل المؤسسات التربوية والتعليمية والتكوينية، في مسعى يرمي إلى حماية التلاميذ والطلبة وضمان بيئة تعليمية آمنة وصحية. وبين إطلاق حملة تحسيسية وطنية واسعة ترمي إلى حماية الأبناء وتحصين فئتي الشباب والمراهقين من مخاطر الإدمان، واستحداث شروط قانونية جديدة تجعل من شهادة عدم تعاطي المخدرات وثيقة أساسية ضمن مسارات التوظيف، تتضح ملامح توجه رسمي يسعى إلى معالجة الإشكال من جذوره الاجتماعية، مع مراعاة أبعاده الصحية والتربوية والمهنيـــة.
وفي خضم هذا التوجه المتكامل، تطرح الأيام نيوز على متخصصين في المجال جملة من التساؤلات الجوهرية حول مدى نجاعة الجمع بين المقاربة التحسيسية الوقائية والإجراءات القانونية الردعية في تقليص انتشار المخدرات، خاصة في أوساط الشباب والقصر، وحول ما إذا كان اشتراط شهادة عدم تعاطي المخدرات عند التوظيف يمثل أداة ردع فعالة أم قد يفرز تحديات اجتماعية ومهنية تستدعي آليات مرافقة علاجية وإدماجية أوسع. كما يبرز التساؤل بشأن التحديات الحقيقية التي قد تعترض تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات للفترة 2025–2029، ومدى قدرة القطاعات المعنية على ضمان تنسيق فعلي ومستدام لترجمتها ميدانيا.
وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، أمس الاثنين بالجزائر العاصمة، حملة تحسيسية وطنية للوقاية من مخاطر المخدرات، بمشاركة أزيد من 300 خلية جوارية للتضامن موزعة عبر مختلف ولايات الوطن. وجاءت هذه المبادرة تحت شعار "لنتحد جميعا من أجل حماية أبنائنا"، في تأكيد على الطابع التشاركي الذي تقوم عليه الحملة، وسعيها إلى إشراك مختلف الفاعلين المحليين والمجتمعيين في مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.
وتهدف الحملة، التي تمتد على مدار ثمانية أيام، إلى الوصول المباشر إلى مختلف شرائح المجتمع، لاسيما فئتي الشباب والمراهقين، عبر الأحياء السكنية والفضاءات العامة التي تشكل نقاط احتكاك يومي مع هذه الفئات. ويعتمد هذا المسعى على فتح فضاءات للنقاش المباشر، تسمح بتنوير المواطنين وتوعيتهم بالمخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية للإدمان، وكذا السبل الكفيلة بالوقاية والحماية، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المحيط الاجتماعي.

وخلال إشرافها على إعطاء إشارة انطلاق الحملة، أوضحت وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، السيدة صورية مولوجي، أن هذه المبادرة تندرج ضمن رؤية وقائية بعيدة المدى، تستند إلى مبدأ القرب من المواطن، والتفاعل المباشر مع الفئات المستهدفة، من خلال الاستماع لانشغالاتهم وتقديم إجابات علمية ومهنية حول أخطار المخدرات والمؤثرات العقلية. وأكدت أن الحوار المفتوح يشكل أحد أهم أدوات الوقاية، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية التي تشهدها فئة الشباب.
ولإنجاح هذه العملية، جرى –حسب الوزيرة– تجنيد أكثر من 300 خلية جوارية للتضامن، تضم أطقما متعددة الاختصاصات، من أطباء وأخصائيين في علم الاجتماع وعلم النفس، إلى جانب مساعدين اجتماعيين، بما يعكس الطابع التكاملي الذي تقوم عليه الحملة، ويؤشر على اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد في معالجة الظاهرة، تتجاوز المعالجة الأمنية الضيقة نحو الوقاية والتكفل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، شددت الوزيرة على أن مكافحة المخدرات تمثل "أولوية وطنية"، بالنظر إلى أن مخاطرها لا تقتصر على الجانب الاجتماعي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادا أمنية وصحية وتربوية وأخلاقية، ما يجعلها قضية مجتمع بامتياز، تتطلب رؤية متكاملة وجهودا موحدة، وانخراطا فعليا لمختلف القطاعات والمؤسسات.
كما أبرزت المسؤولة الدور المحوري الذي يضطلع به قطاع التضامن في تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والمواد ذات التأثير العقلي، لاسيما من خلال مهام الوقاية والتحسيس والتكفل الاجتماعي، وتمكين مختلف الفئات المجتمعية. وأشارت إلى إطلاق برامج توعوية موجهة لمختلف الشرائح الاجتماعية، ترمي إلى تعزيز الوعي الجماعي بمخاطر المخدرات، وترسيخ ثقافة صحية إيجابية تحفظ كرامة الشباب والأطفال، وتضمن سلامتهم النفسية والجسدية.
من جهته، ذكّر مدير الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، السيد طارق كور، بالإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والمواد ذات التأثير العقلي للفترة 2025–2029، معتبرا إياها "خارطة طريق واضحة وشاملة"، تقوم أساسا على المقاربة الوقائية قبل العلاجية، بما يعكس تحولا في فلسفة المواجهة من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. وأكد أن الوقاية تمثل حجر الزاوية في تقليص انتشار الظاهرة، خاصة في أوساط القصر والشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للاستهداف.
وتندرج هذه الحملة ضمن سلسلة من الإجراءات المرافقة، من بينها تنظيم يوم دراسي إعلامي سابق بعنوان "مجهودات الدولة الجزائرية في مكافحة انتشار المخدرات لدى القصر والشباب، آليات التدخل، التكفل والمواجهة"، والذي سلّط الضوء على أهمية تعزيز الجانب الوقائي وأولويته ضمن مقاربات المكافحة والمعالجة. كما تم بالمناسبة التوقيع على مذكرة تعاون بين قطاع التضامن، ممثلا في وكالة التنمية الاجتماعية، والديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، بهدف تعزيز التنسيق وتكثيف العمل الميداني المشترك.
شهادة عدم التعاطي شرط للتوظيف.. قانون يغيّر قواعد العمل
وبالتوازي مع المسار الوقائي والتحسيسي، عززت السلطات العمومية الإطار القانوني المنظم لمكافحة المخدرات، عبر إصدار مرسوم تنفيذي جديد يحدد شروط وكيفيات الوقاية من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية عند التوظيف في القطاعين العمومي والخاص. وبموجب هذا النص، الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 27 جانفي 2026، أصبح تقديم نتائج تحاليل طبية سلبية شرطا أساسيا ضمن ملف الترشح للعمل، مع منح المؤسسات المعنية مهلة ستة أشهر لتكييف أنظمتها الداخلية وفق أحكامه، في خطوة تعكس توجها رسميا نحو تعزيز الوقاية داخل الفضاءات المهنية، وحماية بيئة العمل من انعكاسات التعاطي على الأداء والسلامة والإنتاجية.
وينص المرسوم، المكوّن من 16 مادة والموقع من الوزير الأول، على إلزامية إخضاع المترشحين والموظفين المتقدمين للامتحانات والفحوص المهنية لتحاليل تثبت عدم تعاطيهم للمخدرات أو المؤثرات العقلية، مع توسيع نطاق تطبيق الإجراء ليشمل مختلف المؤسسات العمومية والهيئات العامة والمؤسسات المفتوحة للجمهور، إضافة إلى المؤسسات والهيئات الخاصة، بما يعكس شمولية المقاربة وعدم حصرها في قطاعات بعينها.
وفي المقابل، راعى النص الحالات الصحية الخاصة، من خلال إلزام المعنيين بالتصريح بالعلاجات الطبية التي تتضمن مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية، شريطة عدم تعارضها مع متطلبات المنصب أو طبيعة العمل، كما أتاح للذين أظهرت تحاليلهم نتائج إيجابية إمكانية الترشح مجددا بعد الخضوع للتدابير العلاجية المنصوص عليها قانونا، في تأكيد على الطابع الإصلاحي للإجراء.
ويؤكد هذا الإطار القانوني أن المقاربة المعتمدة لا تستهدف الإقصاء أو العقاب، بقدر ما تقوم على الوقاية والعلاج وإعادة الإدماج، في انسجام مع القانون رقم 04-18 المعدل، المتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع الاستعمال والاتجار غير المشروعين بها، والذي يكرّس تشجيع العلاج الطوعي وإزالة التسمم تحت رقابة طبية وقضائية عند الاقتضاء، مقابل تشديد العقوبات، بموجب القانون رقم 25-03 لسنة 2025، على شبكات الاتجار واستغلال القصر والفئات الهشة، بما يعكس تمييزا واضحا بين المتعاطي باعتباره حالة صحية واجتماعية، والمتاجر باعتباره خطرا إجراميا منظما.
نبيل أمداس
وفي هذا السياق، أكد المحامي نبيل أمداس، في تصريح لـ"الأيام نيوز"، أن الرهان الحقيقي لا يكمن في سنّ النصوص القانونية بحد ذاتها، بل في قدرة الدولة على إرساء تكامل فعلي ومتوازن بين المقاربة التحسيسية الوقائية والإجراءات القانونية الردعية، بما يضمن نتائج ملموسة ومستدامة على المدى المتوسط والبعيد، بدل الاكتفاء بمعالجات ظرفية محدودة الأثر.
وأوضح أن التجربة القانونية والاجتماعية أثبتت محدودية الردع الجزائي إذا لم يُدعّم بعمل وقائي ممنهج يستهدف تغيير السلوك وبناء الوعي، خاصة لدى الفئات الهشة، وهو ما وعاه المشرع الجزائري منذ اعتماد القانون رقم 04-18، الذي لم يُبنَ على منطق العقوبة فقط، بل أسس لرؤية شاملة تقوم على الوقاية والعلاج والردع في آن واحد.
وأشار أمداس إلى أن المواد 5 و6 و7 من القانون نفسه تلزم الدولة بوضع برامج وطنية للتحسيس والتربية والوقاية، مع تركيز خاص على الوسط المدرسي والجامعي والشبابي، وإشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام، ما يعكس انتقالا واضحا من منطق التدخل اللاحق إلى منطق الوقاية الاستباقية. وفي المقابل، شدد على أن التشريع الجزائري تعامل بصرامة مع الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات، من خلال عقوبات مشددة قد تصل إلى السجن المؤبد، خاصة في حالات الاتجار المنظم أو استغلال القصر أو المؤسسات التربوية، بما يؤكد وجود إرادة تشريعية واضحة لحماية المجتمع من أخطر أشكال الجريمة.
تشجيع العلاج وإعادة الإدماج بدل المتابعة الجزائية
وبخصوص اشتراط شهادة عدم تعاطي المخدرات عند التوظيف، اعتبر أمداس أن الإجراء يندرج ضمن التدابير الوقائية المشروعة لحماية بيئة العمل، لكنه يبقى مرهونا بوجود ضمانات قانونية وآليات علاجية وإدماجية تحول دون تحوّله إلى أداة إقصاء اجتماعي، مذكرا بأن فلسفة القانون تقوم على تشجيع العلاج وإعادة الإدماج بدل المتابعة الجزائية، خاصة بالنسبة للمتعاطين الذين يبادرون طواعية بالخضوع للعلاج.
سارة زقاد
ويتقاطع هذا التحليل مع ما ذهبت إليه الأخصائية الاجتماعية سارة زقاد، التي أكدت في تصريح لـ"الأيام نيوز" أن الانتشار المتسارع للمخدرات والمؤثرات العقلية بين الشباب والقصر يتطلب معالجة شاملة تتجاوز المقاربات الأمنية الأحادية، وتعتمد على تكامل فعلي بين التحسيس الوقائي والإجراءات القانونية الردعية. واعتبرت أن أي سياسة لا يمكن أن تنجح في الحد من هذه الظاهرة ما لم تمسّ وعي الفرد من الداخل، وفي الوقت ذاته تضع له حدودا قانونية صارمة تردعه عن الانزلاق في مسارات خطيرة.
وأوضحت زقاد أن الحملات التحسيسية الموجهة للشباب والقصر لا تقتصر على تقديم معلومات نظرية حول أخطار المخدرات، بل تهدف إلى مخاطبة الضمير والوجدان، واستنهاض الجانب الحي داخل الشاب، بحيث يتخيل عواقب التعاطي على صحته، ومستقبله الدراسي، ومسيرته المهنية. وأضافت أن الإجراءات الردعية تبقى ضرورية، ليس فقط للمتعاطين، بل أيضا لإرسال رسالة واضحة لكل من يتعامل مع شبكات التعاطي والاتجار، مفادها أن أي انحراف قد يشكل حاجزا حقيقيا أمام المستقبل الاجتماعي والمهني.
وفي المقابل، حذّرت زقاد من تطبيق اشتراط شهادة عدم تعاطي المخدرات عند التوظيف بشكل مطلق، معتبرةً أن هذا الإجراء قد يتحوّل إلى أداة تعسفية إذا لم يُرفق بضمانات علاجية وإدماجية واضحة، ولم يُراعَ فيه التمييز بين المناصب الحسّاسة – كما هو الحال في مهنة الطب، على سبيل المثال – وبقية المناصب. وأشارت إلى أن بعض المواد، مثل الكيف أو الكيف المعالج، قد يُتعاطى بها في حالات محدودة دون أن تؤثر فعليًا في الأداء المهني، ما يستدعي قدرًا من المرونة والتقدير الموضوعي لكل حالة، تفاديًا لإقصاء كفاءات حقيقية وحرمان الشباب من حقهم في العمل.
وبخصوص التحديات التي قد تواجه تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات 2025–2029، أكدت زقاد أن الأخطر يتمثل في الاستهداف المنهجي للشباب من قبل شبكات منظمة تسعى لإفساد جيل كامل، وبالتالي ضرب مستقبل المجتمع، داعية إلى الصرامة القصوى في مواجهة تجار المخدرات، مقابل التعامل بعقلانية وإنصاف مع المتعاطين عبر العلاج وإعادة الإدماج. وأضافت أن نجاح أي استراتيجية وطنية يظل رهينا بالجمع بين الردع القانوني الصارم، والتحسيس العميق، والمرافقة الاجتماعية، بما يضمن حماية الشباب والحفاظ على توازن المجتمع واستقراره.
وأوضحت زقاد أن مواجهة ظاهرة تعاطي المخدرات بين الشباب تتطلب عملا متكاملا بين مختلف الجهات والمؤسسات، سواء على مستوى الوقاية أو العلاج، مع التركيز على التطبيق الفعلي للمرسوم الرئاسي الخاص بالحماية الاجتماعية. وبيّنت أن التعامل مع حالات التعاطي يبدأ بتقدير درجة الخطورة، ففي حال الوصول إلى مرحلة الإدمان يتم توجيه الشاب مباشرة إلى مراكز متخصصة في العلاج والتأهيل، أما إذا كان التعاطي في بداياته، فيتم التركيز على دراسة المحيط الاجتماعي والنفسي، لفهم العوامل الدافعة، سواء تعلق الأمر بجماعة الأصدقاء، أو وجود تجار مخدرات، أو مشكلات أسرية ونفسية، والعمل على معالجتها بالتنسيق مع المختصين.
وأكدت المتحدثة أن هذه المقاربة تتطلب تكاتف جميع الجهات والمؤسسات، ومواكبة دائمة للتحولات التي قد تطرأ على أساليب شبكات الاتجار في استهداف الشباب، مع اعتماد آليات يقظة واستباق تضمن استمرارية وفعالية التدابير المعتمدة. كما شددت على أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على فئة اجتماعية بعينها، بل تشمل فئات متنوعة، ما يستدعي تخطيطا معمقا ومرونة في الاستجابة، إلى جانب تنسيق مستمر بين الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، ومؤسسات الحماية، والسلطات المعنية، لضمان بيئة اجتماعية صحية وآمنة خالية من المخاطر.
كشف المخدرات في المؤسسات التعليمية.. بين الوقاية والصرامة
وفي امتداد لهذا التوجه الوقائي، أصدرت الجزائر مرسوما تنفيذيا جديدا يضع معايير دقيقة للكشف عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية داخل المؤسسات التربوية والتعليمية والتكوينية، في خطوة تهدف إلى حماية صحة التلاميذ والطلبة، وضمان بيئة تعليمية آمنة وصحية. ويشمل هذا الإجراء تلاميذ التعليم المتوسط والثانوي، وطلبة الجامعات، والمتربصين في مراكز التكوين والتعليم المهنيين، مع استثناء تلاميذ الطور الابتدائي، إلا في الحالات التي تقتضي حماية المصلحة الفضلى للطفل.
وينص المرسوم التنفيذي، الصادر في العدد 08 من الجريدة الرسمية، على إخضاع المعنيين لتحاليل طبية للكشف المبكر عن المخدرات، لاسيما في حال تسجيل اختلالات سلوكية، أو سلوك عدواني، أو وجود اشتباه معقول في التعاطي، استنادا إلى ملاحظات الأساتذة أو الطاقم الإداري أو هياكل الكشف والمتابعة الصحية داخل المؤسسات. كما يمكن أن تشمل هذه التحاليل جميع التلاميذ والطلبة في إطار الفحوصات الدورية الوقائية.
وفيما يتعلق بالقُصّر، اشترط المرسوم الحصول على موافقة مكتوبة من الممثل الشرعي قبل إجراء أي تحليل، في حين يُطلب رضا مباشر من التلاميذ والطلبة والمتربصين البالغين. كما يلزم القانون المعنيين بإبلاغ الطبيب المختص في حال استعمال أدوية تحتوي على مواد مخدرة لأغراض طبية، تفاديا لأي التباس في تفسير النتائج.
وفي حال رفض الممثل الشرعي إخضاع القاصر للفحوصات، يمنح المرسوم لمدير المؤسسة حق اللجوء إلى قاضي الأحداث للحصول على الموافقة القضائية، مع إشعار الممثل الشرعي بالإجراء. أما بالنسبة للبالغين، فيتم إعلامهم بأن رفضهم الخضوع للفحوصات في الآجال المحددة قد يترتب عليه إحالتهم على المجلس التأديبي، وفقا للنظام الداخلي للمؤسسة.
وتجرى التحاليل حصريا في مختبرات مرخصة من وزارة الصحة، وفق معايير تقنية دقيقة تضمن مصداقية النتائج، وقد تشمل فحص البول أو اللعاب أو عينات بيولوجية أخرى، مع اعتماد تقنيات حديثة للتحقق من هوية المعني ودقة التحاليل. كما يلزم المرسوم المخابر بالحفاظ الصارم على سرية النتائج، مع منع أي إفشاء غير قانوني للمعطيات الشخصية.
وفي حال ثبوت تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، لا يترتب عن النتائج أي إجراء عقابي أو قضائي داخل المؤسسة التعليمية أو التكوينية، بل يتم إشعار المعنيين وتوجيههم نحو العلاج والمتابعة الصحية، وفقا لما ينص عليه القانون. وتتكفل مصالح الصحة المختصة بمرافقة الحالات المعنية واقتراح برامج علاج وإعادة تأهيل مناسبة، دون المساس بحقهم في مواصلة الدراسة أو التكوين.
ويؤكد المرسوم صراحة أن نتائج التحاليل لا يمكن أن تكون أساسا لأي متابعة قضائية أو إجراء تأديبي أو إقصائي داخل المؤسسات، كما يمنع استعمالها خارج الأغراض الوقائية والصحية المحددة. وتتحمل الدولة تكاليف جميع التحاليل، مع إلزام المؤسسات المعنية بتكييف أنظمتها الداخلية مع أحكام المرسوم خلال أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
وفي ظل هذا التوجه المزدوج، الذي يجمع بين التحسيس المجتمعي والصرامة التنظيمية، يبرز نقاش واسع حول نجاعة هذه المقاربة الشاملة، وقدرتها على إحداث تغيير فعلي ومستدام في مواجهة واحدة من أخطر التحديات التي تهدد المجتمع، وما إذا كانت هذه السياسات المتكاملة قادرة على التحول إلى ثقافة وقائية راسخة، تتجاوز المعالجة الظرفية إلى بناء وعي جماعي طويل الأمد.



