في حادثة جديدة تعيد فتح ملف الحوكمة داخل البعثات الدبلوماسية المغربية، وتضع علامات استفهام مقلقة حول ظروف العمل خلف الجدران الهادئة للمقار القنصلية، أصدرت المحكمة الاجتماعية رقم 9 في لاس بالماس حكماً غير مسبوق يقضي بإدانة القنصلية العامة للمغرب في جزر الكناري وإلزامها بدفع تعويض قدره 20 ألف يورو لفائدة أحد موظفيها، بعد ثبوت تعرضه لما وصفته المحكمة بـ“عنف وظيفي” ومعاملة مهينة امتدت لأشهر، وبلغت حد العزل والتهديد النفسي وحرمانه من مهامه المهنية بشكل تعسفي. ويأتي هذا الحكم ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة قضايا مشابهة، كانت آخرها سنة 2024، ما يجعل الأمر يتجاوز مجرد “سوء تدبير” نحو نمط مقلق من الانحراف الإداري داخل بعض البعثات.
تفاصيل القضية، كما وردت في القرار القضائي، تكشف ما هو أبعد من مجرد خلاف مهني. فهي تضعنا أمام سردية صادمة عن موظف وجد نفسه فجأة مجرّدًا من مهامه، معزولاً في الطابق الخامس، ومطالبًا بأداء مهام لا تمتّ لمساره الإداري بصلة، من السياقة الشخصية خارج القانون إلى تنفيذ طلبات عائلية وأوامر ليلية، رغم حالته الصحية المعروفة لدى القنصل. سبعة تسجيلات فيديو، وتقارير نفسية رسمية، ورسائل إدارية، كلها شكلت لوحة قاتمة لبيئة عمل اعتبرتها المحكمة عدائية بامتياز تستوجب التعويض.
وفي تصريح المحلل السياسي خليل زنكيدي ل الأيام نيوز أن “الحكم الصادر في لاس بالماس لا يمكن التعامل معه كقضية إدارية معزولة، بل هو مؤشر على خلل أعمق في منهجية تسيير بعض البعثات المغربية التي أصبحت، للأسف، فضاءات مغلقة تُدار بمنطق السلطة الشخصية أكثر من منطق المسؤولية القانونية”. ويضيف زنكيدي: “المؤسسات الدبلوماسية تمثل واجهة الدولة، وأي انزلاق من هذا النوع ينعكس مباشرة على صورة المغرب خارجياً، خصوصاً عندما تتحول المكاتب القنصلية من فضاءات لتقديم الخدمة إلى فضاءات لإنتاج الضغط النفسي والإقصاء المهني. الأغرب أن هذه ليست الحالة الأولى، ما يعني أن هناك بنية تنظيمية هشّة تسمح بتكرار الأخطاء دون محاسبة.”
فضائح القنصليات المغربية… جهاز خارجي منفلت يكشف انهيار الدبلوماسية من الداخل
تتواصل موجة الجدل حول أداء القنصليات المغربية في الخارج، بعد سلسلة من القضايا التي انفجرت في السنوات الأخيرة داخل أوروبا وإفريقيا، وكشفت جانباً غير مرئي من “الخلل البنيوي” الذي يعصف بالدبلوماسية المغربية. فالقنصليات التي يُفترض أن تكون فضاءات لخدمة الجالية وتسهيل معاملاتها، تحولت في حالات عديدة إلى مساحات مغلقة تُمارَس فيها السلطة دون أي رقابة أو محاسبة، ما فتح الباب أمام سلوكيات وصفتها مؤسسات أوروبية بـ"التجاوزات الممنهجة".
المثير في هذه الملفات ليس فقط تكرارها، بل تشابه التفاصيل التي تظهر في كل مرة: تعنيف وظيفي، إهمال إداري، ابتزاز مبطن، أو تعامل فوضوي يجعل المواطن المغربي يشعر بأنه يدخل دائرة “البيروقراطية المتسلطة” كلما قصد إحدى القنصليات. وبحسب متابعين، فإن هذا النمط لم يعد حادثاً عرضياً، بل أصبح مؤشراً واضحاً على أزمة داخلية تضرب جهاز الخارجية المغربية من الداخل.
وفي هذا السياق، يؤكد المحلل الصحراوي لمام عبد الإله أن أصل المشكلة يتجاوز القنصليات نفسها، قائلاً: "القنصلية المغربية في الخارج ليست مؤسسة عمومية كما يدّعي المخزن، بل مساحة منفلتة تُمارَس فيها السلطة دون حسيب. هذا الانفلات لم يأت من فراغ، بل من جهاز خارجي يرفض أي رقابة حقيقية لأنه يدرك أن أول رقابة ستكشف حجم الخراب."
وحيب لمام تعزز شهادات الجالية المغربية هذا التشخيص. إذ تسجل الجمعيات المدنية عشرات الشكاوى سنوياً حول سوء المعاملة داخل القنصليات في مدريد وباريس وروما وبروكسيل، ما يجعلنا أمام نمط ثابت لا يختلف من بلد إلى آخر.
ويذهب لمام عبد الله إلى أبعد من ذلك بقوله: "عندما تتكرر الشكاوى في مدريد وباريس وروما ومونتريال بنفس التفاصيل، فهذا يعني أننا أمام منظومة، لا أمام موظفين عابرين. المخزن يحاول إخفاء الشمس بالغربال، لكن الجالية تعرف جيداً أن القنصلية ليست خدمة بل عقوبة."
اللافت أيضاً أن الرباط لا تُظهر أي رغبة حقيقية في محاسبة المتورطين في هذه التجاوزات. فالتاريخ القريب لم يسجل أن قنصلاً مغربياً تمت معاقبته أو حتى توقيفه، بل إن أغلب الملفات تُغلَق بإعادة التعيين أو التجاهل. ويعلّق لمام على هذا السلوك قائلاً: "منذ زمن، لم نسمع عن قنصل مغربي تمت معاقبته بسبب تجاوزاته. في الرباط، يتم التعامل مع التقارير كأنها مجرد ورق. وحين يغيب العقاب، يصبح الانتهاك مجرد روتين يومي."
ومن بين أبرز الإشكالات التي تؤدي إلى تفجّر هذه الأزمات، ما يسميه بعض المتابعين "الفساد الصغير" داخل القنصليات المغربية، حيث تتحول معاملات بسيطة إلى مساحات للنفوذ الشخصي: مواعيد تُمنح لبعض الأشخاص عبر وساطات غير رسمية، ملفات تتأخر لأيام أو أسابيع، ووثائق تُرفض دون مبرر واضح. الأمر الذي ينعكس سلباً على صورة الدولة المغربية في الخارج. ويؤكد لمام عبد الله هذه النقطة قائلاً: "الفساد داخل القنصليات المغربية لا يُمارس بملايين الدولارات، بل في الوثائق، في المواعيد، في المعاملة. وهذا أخطر، لأنه يضرب المواطن البسيط مباشرة ويشوّه صورة الدولة أمام العالم."
وإلى جانب البُعد الإداري، يرى لمام أنّ الضغط السياسي المتصاعد حول ملف الصحراء الغربية خلق توتراً داخلياً داخل هذه القنصليات. فالقنصل المغربي في أوروبا اليوم، حسبهم، أصبح جزءاً من حملة دبلوماسية مكثفة، لا مجرد موظف يمثل دولته. هذا التحول يجعل المسؤولين يعيشون حالة إرهاق وتوتر تُترجم إلى عنف وظيفي أو سلوك متشنّج تجاه الموظفين والجالية. ويشرح لمام: "القنصل اليوم أصبح جندياً في معركة سياسية اسمها الصحراء. وحين يتحول الدبلوماسي إلى مُقاتل، يصبح الموظف أول ضحية. إنهم يمارسون الضغط الذي يتلقونه من الرباط على أضعف الناس."
من جهة أخرى، تتعامل أوروبا مع هذه التجاوزات بصرامة قانونية لا تسمح بمساحات التلاعب. فكل شكوى قد تتحول إلى قضية قضائية، وكل ملف قد يترتب عنه حكم، كما حدث في لاس بالماس مؤخراً. وهنا، يرى لمام عبد الله أن الرباط وصلت مرحلة المواجهة المباشرة مع واقع جديد: "في أوروبا، القانون ليس مزحة. القنصل الذي يصرخ على موظف في الرباط يمرّ، لكنه حين يفعل ذلك في مدريد أو لاس بالماس، يجد نفسه أمام قاضٍ لا يعرف معنى كلمة مخزن."
وبينما يحاول المغرب ترويج صورة “الإدارة الحديثة” و“الإصلاح المؤسسي”، تأتي هذه الحوادث لتقوّض تلك الصورة أمام الرأي العام الأوروبي والدولي. فالقنصل، في النهاية، هو الوجه الأول للدولة في الخارج. لذلك يقول لمام بحدة: "المغرب يبني رواية جميلة عن الإصلاح، لكن القنصليات تهدمها يومياً أمام آلاف المواطنين. لا تحتاج أوروبا لتقرير حقوقي كي تعرف الحقيقة: القنصل هو التقرير."
ختاماً، حسب المحلل لمام يبدو واضحاً أن سلسلة التجاوزات التي تشهدها القنصليات المغربية لم تعد مسألة داخلية تخص موظفاً أو اثنين، بل أصبحت عبئاً سياسياً يهدد صورة الرباط في الخارج. وإذا لم يبدأ المغرب إصلاحاً جدياً يطال منظومته الدبلوماسية، فإن تداعيات هذه الفضائح ستتوسع بلا شك. وكما يقول لمام عبد الله بلهجة تحذيرية: "إذا لم يُصلح المغرب قنصلياته، فإن القادم سيكون أسوأ. اليوم حكم في لاس بالماس… غداً ستكون بروكسيل، وبعده برلين. إنها كرة ثلج، والمخزن فقد السيطرة عليها."

