يبدو أن المغرب يتحرك في مسار يبدو للوهلة الأولى تقدّما، لكنه في الواقع تقدّم نحو الخلف. فالعجز التجاري يتسع كهوة لا قاع لها، والصادرات تبدو كأنها تخوض سباقا بلا هواء، فيما تتعطل القطاعات الصناعية التي كان يُفترض أن تشكل ركيزة النمو. الصورة القاتمة لا تحتاج إلى تضخيم، وقد لخصها المحلل السياسي المغربي، زنكيدي خليل، في تصريح خصّ به "الأيام نيوز"، حين قال: "ما يحدث اليوم ليس تراجعا عاديا، بل انهيار صامت لأسس التصنيع.. نعيش فراغا استراتيجيا قاتلا، وكأن الدولة تخلّت عن مشروعها الصناعي مقابل إرضاء لوبيات الاستيراد".
هذه الملاحظات ليست وصفا انطباعيا بقدر ما هي خلاصة وضع اقتصادي تتكثف معالمه في مؤشرات التجارة الخارجية. فالحكومة تتحدث باطمئنان عن "استقرار المؤشرات الكبرى"، غير أنّ الوقائع تكشف مسارا مختلفا تماما: واردات ترتفع بوتيرة سريعة تفوق أي قدرة على التعويض، وصادرات تتقدم ببطء شديد لأنها تعتمد أساسا على قطاعات شديدة التأثر بالتقلبات الدولية مثل الفوسفاط، أو على سوق أوروبية دخلت مرحلة تباطؤ حاد. أما "أيقونات الصناعة المغربية" كما كانت تُوصَف قبل سنوات - السيارات والإلكترونيات والنسيج - فقد فقدت بريقها بعدما توقف إطلاق المشاريع الكبرى التي كانت تغذي هذه القطاعات بالزخم.

هذا التعطل لم يأتِ فجأة، كما يشير خليل في أحد تصريحاته المدمجة ضمن سياق التحليل، حين أكد أنه "منذ توقيف سياسة الاستبدال الصناعي التي حققت نتائج استثنائية في عام واحد فقط، دخل المغرب في مرحلة ضبابية". وقد تحوّلت هذه الضبابية إلى حالة مستدامة، إذ توقفت الاستراتيجيات السابقة عند حدود تغير حكومي لم يرافقه إطلاق أي رؤية جديدة، رغم أن النموذج التنموي كان يفترض أن يشكّل القاعدة الأولى لإقلاع صناعي حديث. ومع غياب خارطة طريق واضحة، بدا المشهد وكأن المؤسسات المعنية تكتفي بالخطاب المطمئن فيما يتعرض النسيج الإنتاجي إلى تآكل بطيء لكنه عميق.
هذا الواقع الداخلي يتقاطع مع تحولات عالمية زادت من حدة الضغوط على اقتصاد بلا حماية صناعية كافية. فالمشهد العالمي شديد التقلب، وسلاسل التوريد تتعرض لإعادة تشكيل مستمرة، والطاقات الإنتاجية في الدول المنافسة ترتفع بوتيرة لا يستطيع المغرب مجاراتها. وسط هذا الإيقاع المتسارع، تبدو هشاشة النموذج الصناعي المغربي أكثر وضوحا، وهو ما دفع خليل إلى الإشارة في حديثه إلى أنّ البلاد "تسير نحو تآكل قاعدتها الصناعية في صمت مقلق". فالسياسات الصناعية توقفت، والبرامج التي كانت تمثل أساس التحول الاقتصادي جُمّدت، فيما فقد الاستثمار الصناعي، بحسب تقديره، أكثر من 40% من ديناميكيته.
توقّف الديناميكية هذا انعكس مباشرة على المؤشرات التجارية. فقد توسع العجز التجاري إلى مستويات غير مسبوقة، نتيجة ارتفاع الواردات الصناعية بأكثر من 12% خلال سنة واحدة، بينما لم تتجاوز زيادة الصادرات 3%. هذا الاختلال العميق جعل الاقتصاد المغربي معرضا بشدة لتقلبات الأسواق، كما أن الاعتماد على منتجات نصف مصنّعة مستوردة خلق ضغطا إضافيا على العملة الصعبة. وفي خضم هذا الوضع، عبّر خليل في جزء آخر من تحليله عن هذا القلق قائلا: "الاقتصاد القائم على الاستيراد اقتصاد بلا سيادة، وبلا حماية، وبلا قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية".
المغرب بين الإنتاج والتراجع.. صناعة بلا بوصلة
ومع أنّ بعض القطاعات كانت تُسوّق لسنوات على أنها قصص نجاح، إلا أن الواقع، وفق تقديرات المحلل، بات يناقض هذه السردية. فصناعة السيارات، التي طالما وُصفت بأنها "قاطرة الاقتصاد المغربي"، لم تعد تتحرك بنفس الوتيرة بسبب تباطؤ الطلب الأوروبي وتعثر مشاريع التوسعة التي كان يُفترض أن تمنح الصناعة بعدا جديدا. وقد لخص خليل هذه الوضعية في قوله: "الاستراتيجية الصناعية لقطاع السيارات لم تعد موجودة.. ما نراه اليوم مجرد إدارة للأزمة وليس تخطيطا للمستقبل". الدينامية نفسها أصابت قطاعي النسيج والإلكترونيات، حيث فقدا آلاف الوظائف خلال العامين الماضيين بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتوقف برامج الدعم التي كانت تمنحهما ميزات تنافسية.
ومع تراكم هذه الاختلالات، يتضح أن الإشكال لم يعد محصورا في أرقام متقلبة أو مؤشرات ظرفية، بل في طبيعة إدارة الملف الصناعي. فالحكومة الحالية، وفق تعبير خليل، لا تمتلك "أجندة صناعية"، بل تكتفي بتدبير يومي لا يرتقي إلى مستوى التحولات الاقتصادية العميقة. وقد زاد غياب تفعيل النموذج التنموي من عمق الأزمة، خاصة وأن خطاب المؤسسات ما زال يقدّم صورة وردية لا تجد ما يسندها على الأرض. هذا الفارق بين الخطاب والواقع يوسع الهوة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، ويعمّق حالة الضبابية التي تجعل الاستثمار الصناعي أكثر مخاطرة وأقل جاذبية.
ومع أن هذا التشخيص يبدو شديد القسوة، إلا أنه يعكس حقيقة مرحلة تتقدم نحو منعطف حرج. فقد شدد خليل في أحد تحذيراته قائلا: "المغرب يقف اليوم عند منعطف خطير.. إذا استمر الفراغ الاستراتيجي، فسيتحول البلد من دولة تطمح لبناء قاعدة صناعية إلى دولة مستهلكة بالكامل لما ينتجه الآخرون". هذه الصورة ليست مجرد توقع، بل مآل منطقي لاقتصاد يفضل الاستيراد على التصنيع، ويعتمد على تدفقات خارجية بدل بناء منظومات إنتاج محلية صلبة.
هذا الوضع الاقتصادي المتعثر يتقاطع مباشرة مع البعد الاجتماعي، إذ تزامن تراجع التصنيع مع تفاقم حاد في البطالة والجريمة. وهو ارتباط غير منفصل، كما أوضح خليل لاحقا، حين لفت إلى أن "الاقتصاد المغربي ينهار بصمت، والبطالة تتسع بشكل مخيف، بينما الدولة تعيش حالة من العجز عن حماية المواطنين". ويبرز هنا تأثير الفراغ الصناعي على سوق العمل، خصوصا في ظل غياب قطاعات بديلة قادرة على امتصاص حجم اليد العاملة التي فقدت وظائفها في الصناعات التصديرية.
وتكشف البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط حجم الأزمة الاجتماعية المتفاقمة، إذ بلغ معدل البطالة الوطني نحو 11,5%، بينما تجاوزت بطالة الشباب حاجز 25%. وفي مدن كبرى مثل الدار البيضاء وطنجة، تظهر مؤشرات أكثر قتامة بسبب الضغط السكاني وغياب فرص التشغيل المستقرة. وقد أشار خليل في جزء من حديثه إلى أن "الشباب المغربي محروم من الفرص، وهذا الفراغ الاقتصادي يولّد شعورا بالإحباط والغضب، مما ينعكس مباشرة على معدلات الجريمة".
بطالة وجريمة.. الوجه الآخر للركود الصناعي
وتتسق الوقائع الأمنية مع هذا التحليل، إذ سجلت الجرائم المرتبطة بالفقر والبطالة ارتفاعا يناهز 15% خلال العامين الأخيرين، فيما توسعت أنشطة الجريمة المنظمة في بعض الأحياء الهشة. لا يرجع ذلك إلى خلل أمني، بل إلى بنية اقتصادية فقدت قدرتها على توفير وظائف حقيقية. لذلك لم يكن غريبا أن يربط خليل بين تفشي الجريمة وغياب استراتيجية تشغيل واضحة، حين قال: "عندما تُترك العائلات من دون دخل، وتُهمّش المناطق المهمشة أصلا، فإن الشباب سيبحث عن طرق للبقاء، بعضها عبر الأنشطة غير القانونية".
هذه التراكمات تشير إلى أن السياسات المتبعة من قبل أجهزة الدولة تتحرك في اتجاه لا يعالج جذور الأزمة، بل يكتفي بردود فعل ظرفية. وقد أضاف خليل ضمن هذا السياق أنّ المخزن "يقدم نفسه كحام للمجتمع، لكنه في الواقع يغض الطرف عن الأسباب الجذرية للأزمة الاجتماعية، ويكتفي بالتحكم الأمني بدلا من الاستثمار في التعليم، التشغيل، والبنية التحتية". هذا النهج، وفق تحليله، لا يمكنه سوى مفاقمة الوضع في المدى المتوسط، لأنه يعالج النتائج ويترك الأسباب تتغذى على الفراغ الاقتصادي.
وفي ختام تحليله الشامل، وجّه خليل تحذيرا صارخا مفاده أن "إذا لم تتغير السياسات الاقتصادية والاجتماعية بسرعة، فإن المغرب سيشهد تصاعدا في البطالة والجريمة، مع آثار سلبية طويلة الأمد على الاستقرار الاجتماعي والسياسي". فاستمرار هذا النهج لا يهدد فقط مستقبل الصناعة، بل يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية يصعب احتواؤها مهما بلغت قوة المقاربة الأمنية.
وبذلك، يتبين أن الأزمة الصناعية ليست مجرد ملف اقتصادي، بل مركز ثقل لأزمة أشمل تمتد إلى البنية الاجتماعية والاستقرار الداخلي. ومع غياب رؤية وطنية واضحة، تبدو فرص التدارك في تراجع مستمر، ما يجعل السنوات المقبلة اختبارا حاسما لقدرة المغرب على الخروج من دائرة الاعتماد على الاستيراد نحو بناء اقتصاد قائم على الإنتاج، قبل أن يتحول الانحدار الحالي إلى مسار لا يمكن عكسه.

