السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
أخبار

المغرب والهجرة غير الشرعية.. حين تتحول المآسي الإنسانية إلى ورقة ابتزاز سياسي

Author
أنيس الإشبيلي 11 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في كل مرة تشتد فيها الضغوط السياسية أو تتفاقم الأزمات الداخلية داخل المملكة المغربية، يعود ملف الهجرة غير الشرعية إلى الواجهة باعتباره إحدى أبرز أوراق الضغط التي يوظفها نظام المخزن في علاقاته مع أوروبا.

فالمغرب، وفق تقارير حقوقية وشهادات مهاجرين ومنظمات دولية، لم يعد يتعامل مع قضية الهجرة باعتبارها أزمة إنسانية معقدة تستوجب المعالجة والتعاون الإقليمي، بل حوّلها إلى أداة للمساومة السياسية والابتزاز المالي.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى الرباط بشأن استغلال معاناة المهاجرين الأفارقة القادمين من دول جنوب الصحراء، عبر سياسات تقوم على “تخفيف الرقابة” أو “غض الطرف” عن محاولات العبور الجماعي نحو الضفة الأوروبية، خاصة في أوقات التوتر الدبلوماسي مع بعض العواصم الأوروبية، وعلى رأسها مدريد.

ووفق تقرير نشرته وكالة الأنباء الجزائرية، فإن هذه السياسة أصبحت جزءا من استراتيجية ممنهجة يلجأ إليها المخزن كلما ضاقت أمامه الخيارات، سواء بسبب أزمات اجتماعية واقتصادية داخلية أو نتيجة تنامي المطالب الدولية بضرورة التعجيل بتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، وفق ما تنص عليه قرارات الشرعية الدولية.

وفي هذا السياق، يتهم المغرب بافتعال أزمات دبلوماسية وانتهاج سياسات عدائية لا تمت بصلة إلى مبادئ حسن الجوار، عبر توظيف ملفات حساسة، من بينها الهجرة غير الشرعية، لخدمة أجندات سياسية ضيقة وتحقيق مكاسب مالية من خلال صفقات توصف بأنها “خارج القانون”.

نظام المخزن.. شريك غير موثوق

وتزايدت في السنوات الأخيرة الأصوات الأوروبية المنتقدة لسلوك الرباط، لا سيما في إسبانيا، حيث تتهم السلطات المغربية باستخدام المهاجرين، بمن فيهم القصر، للضغط على مدريد كلما شهدت العلاقات الثنائية توترا سياسيا.

وحسب وكالة الأنباء الجزائرية، كشف استطلاع حديث للرأي في إسبانيا عن تنامي المخاوف المرتبطة بالتهديدات الأمنية القادمة من المغرب، وسط دعوات متزايدة للحكومة الإسبانية من أجل تبني موقف أكثر صرامة تجاه ما يوصف بـ”ابتزاز المخزن” عبر ورقة الهجرة.

وتؤكد العديد من المنظمات الحقوقية أن السياسة المغربية في هذا المجال ليست ظرفية، بل تعكس توجها قائما منذ سنوات، يقوم على تحويل المآسي الإنسانية إلى وسيلة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، حتى ولو كان الثمن المساس بكرامة الإنسان وأمن المنطقة.

وفي هذا الإطار، سبق للأكاديمي المغربي محمد الشرقاوي أن اعتبر أن افتعال الأزمات الخارجية مع الجيران ليس سوى محاولة “للتمويه عن أزمة داخلية متدهورة”، واصفا ذلك بأنه “بدعة سياسية مغربية تقوم على القفز إلى الأمام وتصدير المسؤولية من فشل التنمية إلى تفعيل ملف الهجرة”.

ثلاثية المخدرات والهجرة والإرهاب

ويرى مراقبون أن سياسة نظام المخزن لا تتوقف عند استغلال الهجرة غير الشرعية فقط، بل تمتد إلى ما يصفونه بثلاثية “المخدرات والهجرة السرية والإرهاب”، حيث يسوق المغرب نفسه كشريك أمني ضروري لأوروبا في مواجهة هذه التحديات، رغم اتهامه في المقابل بكونه أحد أبرز مصادرها أو المساهمين في تغذيتها.

وأشار تقرير وكالة الأنباء الجزائرية إلى أن الرباط تسعى إلى احتكار الدعم الأوروبي المخصص لمكافحة الهجرة، عبر منع أي تقارب مباشر بين الأوروبيين وبعض الدول الإفريقية لمعالجة الظاهرة من جذورها، وهو ما جعل المهاجرين الأفارقة يتحولون إلى مجرد أرقام في “بورصة السياسة”.

“الجمعة السوداء”.. جرح لم يندمل بعد

ويظل ملف مذبحة 24 جوان 2022، المعروفة إعلاميا بـ”الجمعة السوداء” على الحدود المغربية-الإسبانية، أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في هذا السياق، بعدما أسفرت الحادثة عن سقوط عشرات القتلى والمصابين من المهاجرين الأفارقة خلال محاولتهم عبور السياج الحدودي نحو مدينة مليلية.

وقد وثقت صور ومقاطع فيديو صادمة، تداولتها وسائل إعلام ومنظمات حقوقية دولية، مشاهد لجثث مكدسة ولمهاجرين تعرضوا لعنف شديد، ما أثار موجة استنكار واسعة على المستوى الدولي.

وأكد مهاجرون سودانيون نجوا من تلك الحادثة في تصريحات لوكالة الأنباء الجزائرية، أن قوات الأمن المغربية تعاملت معهم بعنف مفرط، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والهراوات، قبل أن يتم توقيف عدد من الناجين وتوجيه تهم ثقيلة إليهم.

الكاتب السوداني الحافظ تارجوك، أحد الناجين من الحادثة، حرص على توثيق تلك الوقائع في رواية حملت عنوان “جمعة الموت”، مستذكرا كيف فقد عددا من رفاقه خلال محاولة العبور، بينما تعرض هو نفسه لإصابة خطيرة في عينه جراء الضرب.

وأكد تارجوك، في شهادته، أن السلطات المغربية “واجهت المهاجرين بعنف شديد أدى إلى سقوط قتلى ومصابين بعاهات مستديمة”، مشيرا إلى أن العديد من الضحايا ما يزالون في عداد المفقودين، وسط اتهامات بمحاولة إخفاء الحصيلة الحقيقية للمأساة.

كما روى مهاجرون آخرون كيف تعرضوا للتوقيف والضرب والإجبار على توقيع محاضر دون الاطلاع على محتواها، قبل توزيعهم على عدة سجون ومنعهم من التواصل مع عائلاتهم.

تصاعد العنصرية ضد الأفارقة

وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير وشهادات متطابقة عن تنامي حملات التضييق والعنصرية ضد المهاجرين الأفارقة داخل المغرب، سواء النظاميين أو غير النظاميين، من خلال حملات توقيف ومداهمات متكررة، فضلا عن خطابات تحريضية تتهم السلطات المغربية بتغذيتها عبر بعض وسائل الإعلام والأوساط السياسية.

ويؤكد مهاجرون يقيمون في مدن مغربية، من بينها الدار البيضاء، أن أوضاعهم أصبحت أكثر صعوبة، في ظل غياب الحماية القانونية وتزايد الممارسات المهينة، حيث لم تعد حتى وثائق اللجوء كافية لتأمين الحد الأدنى من الحماية.