المغرب وغواية الحلف “الإسرائيلي”

نقل الصحافيون الذين رافقوا بيني غانتس إلى المغرب بعض إشاراته إلى أهمية الزيارة التي سماها تاريخية، وأشار مبعوث جريدة هارتس إلى قول غانتس عند بداية الرحلة إنه بصدد القيام بأول زيارة رسمية علنية يقوم بها وزير دفاع إسرائيلي إلى المغرب، وهي الأولى من نوعها إلى الدول الأربع التي وقعت اتفاقات أبراهام، ولا يفوت الصحافي فرصة التعليق بأن تلك الإشارة كانت اعترافا ضمنيا بزيارات سرية سابقة، وهذا التفصيل عادة ما كانت “إسرائيل” تهتم به، إذ يعتبر إخراج العلاقات مع الدول العربية إلى العلن مكسبا سياسيا مهما “لإسرائيل”، تماما مثلما ظل التطبيع أولوية سياسية إسرائيلية ترتبط بتجاوز حالة الدولة المنبوذة والتمهيد لقبولها شعبيا في المحيط العربي.

بحسب التصريحات الرسمية فإن الاتفاق الذي تم توقيعه يضع الأساس لعلاقة عسكرية وأمنية تتضمن بيع السلاح الإسرائيلي للمملكة المغربية وتبادل المعلومات الاستخبارية معها، ولا يتردد الطرف الإسرائيلي في التذكير بأن هذه العلاقات قديمة وأن المغرب تشتري بالفعل السلاح الإسرائيلي، مثلما حدث في مطلع سنة 2020، أي نحو سنة قبل توقيع اتفاق التطبيع، عندما استلمت الرباط ثلاث طائرات درون استطلاع إسرائيلية في صفقة بلغت قيمتها 48 مليون دولار، تم إبرامها بواسطة شركة داسو الفرنسية، كما حصلت المغرب على برنامج بيغاسوس للتجسس الذي تنتجه شركته أن أس أو الإسرائيلية، وحسب جريدة الإسبانيول الإسبانية فإن الرباط تنوي بناء قاعدة عسكرية على الحدود الجنوبية لمدينة مليلية الخاضعة للسيادة المغربية، ضمن مشروع تعاون عسكري مع “إسرائيل”، وحسب الصحيفة فإن هناك قلقا إسبانيا من هذا المشروع الذي تعتبره مدريد تهديدا لأمن مليلية، كما يتحدث الإسرائيليون عن مشروع لصناعة الطائرات المُسيرة في المغرب، والخلاصة التي تركز عليها الصحافة الإسرائيلية هي أن الزيارة تفتح آفاقا لتصدير منتجات الصناعة العسكرية الإسرائيلية إلى المغرب.

رواية قديمة عن إيران وحزب الله

في مقابل هذا التركيز على الدلالات السياسية للزيارة والمنافع الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها شركات صناعة السلاح الإسرائيلة من جانب تل أبيب، تبدو الرباط أكثر اهتماما بمواضيع أخرى يجري تسويقها بطريقة غير رسمية من خلال الحديث عن تقارب جزائري إيراني، وأحيت وسائل الإعلام المغربية قصصا قديمة عن علاقات مزعومة بين حزب الله اللبناني وجبهة البوليساريو، وقد سبق للرباط أن بررت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران سنة 2018 بدعم طهران وحزب الله للبوليساريو، ويبدو أن إدارة دونالد ترامب تجاهلت هذه الإشارة في ذلك الحين.

بالنسبة للمغرب يمثل اتهام إيران وحزب الله مدخلا للتأثير على موقف الولايات المتحدة من نزاع الصحراء الغربية، خاصة وأن هذه التهمة استعملت في الفترات التي كانت فيها واشنطن تتخذ مواقف متشددة من إيران، فقد سبق لعمر هلال، المندوب الحالي للمغرب في الأمم المتحدة، أن حذَّر السفير الأمريكي لدى الرباط من أن الجزائر قد تسير على خطى إيران إذا تحصلت الأخيرة على السلاح النووي، وقد وثّقت برقية لوزارة الخارجية الأمريكية تلك المقابلة التي جرت في نوفمبر 2006 بمقر وزارة الخارجية المغربية التي كان هلال حينها أمينها العام، ومعلوم أن إدارة جورج بوش الإبن صنفت إيران ضمن ما سمته محور الشر، وقد عاد استعمال الورقة الإيرانية من قبل الرباط مجددا في عهد دونالد ترامب الذي اتخذ قرار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بشكل منفرد وأعاد فرض العقوبات على إيران.

البحث عن مكان في الحلف الإسرائيلي

تقوم الخطة المغربية على ربط قضية الصحراء الغربية والعلاقة مع الجزائر بالقضايا التي تعتقد أنها تؤثر في توجهات أمريكا، ثم إن هذا التركيز على إيران يعزز التحالف مع دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات مع كل ما قد يترتب على ذلك من منافع اقتصادية فضلا عن الدعم السياسي الذي تجلى في المواقف المعلنة مؤخرا من السعودية والإمارات والبحرين والأردن بخصوص قضية الصحراء الغربية.

زيارة غانتس كشفت حماسة الرباط إلى الإنضمام إلى التحالف الذي بدأ يتبلور بين “إسرائيل” والدول الخليجية، تحالف ترعاه الولايات المتحدة لكنه يكون تحت قيادة إسرائيلية ويستهدف إيران وحلفاءها الإقليميين ويحل محل الوجود الأمريكي المباشر الذي سيتأثر بإعادة انتشارٍ تفرضها الأولويات الاستراتيجية الجديدة لواشنطن، لكن الهدف المغربي في النهاية هو أن يتمدد هذا الحلف ليشمل منطقة المغرب العربي، بما يعنيه ذلك من تأثير على ميزان القوى الإقليمي وقضية الصحراء الغربية، غير أن هذا الهدف تَحُول دونه عقبات الجغرافيا وأولويات أمريكا ومصالح أوروبا.

كتب يوسي يهوشع مقالا في ايديعوت أحرونوت عن زيارة غانتس إلى المغرب، قال فيه إن المسألة الإيرانية أُثيرت في المباحثات مع المسؤولين المغاربة لكن غانتس فضَّل أن يقول بأن إيران مشكلة عالمية ثم إقليمية ثم هي مشكلة “إسرائيل” وأنه لا بد من العمل مع الشركاء ( يقصد الأمريكيين في المقام الأول) ويكون الإسرائيليون قد أشاروا بأن لديهم نفوذا على شركائهم لكنه ليس مطلقا، وتُخبر هذه التفاصيل أن سعي الرباط إلى إقحام إيران لم يجد الاستجابة التي وجدها من وزير الخارجية يائير لابيد الذي تحدّث عن العلاقة بين الجزائر وإيران في ندوة صحفية مشتركة مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في الرباط شهر أوت/أغسطس آب الماضي. فالحسابات السياسية الداخلية في “إسرائيل” وتعقيدات العلاقة مع الولايات المتحدة وكيفية تسيير ملف إيران النووي تجعل قصة إيران محاولة لتبرير الانتقال إلى السرعة القصوى في التطبيع والتي يبدو أنها فاجأت الشعب المغربي قبل غيره.