الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

المكملات الغذائية تحت المجهر.. خطة حكومية صارمة لتطهير سوق الملايين من فوضى التضليل

Author
إيمان عبروس 10 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

وسط تنام غير مسبوق لسوق المكملات الغذائية في الجزائر، تتجه السلطات العمومية إلى إعادة ضبط هذا القطاع الحساس، عبر ترسانة تنظيمية جديدة تهدف إلى حماية المستهلك. ويأتي هذا التوجه في ظل انتشار واسع للمنتجات بين الصيدليات ومواقع التواصل الاجتماعي، مقابل فوضى في التسويق والتوزيع، ووجود منتجات مجهولة المصدر تهدد الصحة العمومية وتثير مخاوف متزايدة.

وفي هذا السياق، أكد رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده، مصطفى زبدي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الهدف من تنظيم اليوم الدراسي حول إنتاج وتسويق المكملات الغذائية تحت عنوان: “المكملات الغذائية بين الابتكار والسلامة وتنظيم القطاع”، يتمثل في الوقوف على الاختلالات الكبرى الموجودة في سوق المكملات الغذائية، معتبرا أن الوضع الحالي يستدعي تدخلا عاجلا وشاملا.

وأوضح زبدي أن من أبرز النقاط التي تثير القلق، غياب إطار تنظيمي واضح لبعض المنتجات، مشيرا إلى أن صدور مرسوم تنفيذي خاص بالمكملات الغذائية يعد خطوة أولى نحو ضبط السوق.

وأضاف أن الاختلالات لا تقتصر فقط على الجانب القانوني، بل تمتد إلى قضايا التوزيع، والتصنيع الفوضوي، والاستهلاك غير العقلاني، فضلا عن الإدعاءات الكاذبة التي تستخدم لتسويق بعض المنتجات على أنها علاج فعّال لمختلف الأمراض.

وأشار المتحدث إلى أن مواجهة هذه الظواهر لا يمكن أن تتحقق من خلال جهود منظمة حماية المستهلك وحدها، بل تتطلب تنسيقا متكاملا بين السلطات العمومية، والمتعاملين الاقتصاديين، والموزعين، والصيادلة، باعتبارهم حلقة أساسية في عملية تسويق المكملات الغذائية.

كما شدد على أهمية إطلاق حملات تحسيسية واسعة لفائدة المستهلك الجزائري، من أجل توضيح مفهوم المكملات الغذائية، وطريقة استعمالها، والحالات التي تستدعي اللجوء إليها، مؤكدا أن الإفراط في استخدامها دون توجيه أو وعي قد يتحول إلى خطر صحي حقيقي.

نحو مراجعة القوانين القديمة

وبخصوص مشروع القانون المعدل والمتمم للقانون 04-08 المتعلق بشروط ممارسة النشاطات التجارية، اعتبر رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك أن كل تحديث للنصوص القانونية والتنظيمية من شأنه أن يصب في مصلحة المستهلك، خاصة إذا كان يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها السوق الوطني.

وأوضح أن التعديلات الجديدة تستهدف محاربة الممارسات التجارية غير القانونية، وتكييف التشريعات مع التطورات الحديثة، غير أنه أكد في المقابل أن هناك قوانين أخرى باتت بحاجة ماسة إلى مراجعة، وفي مقدمتها القانون 09-03 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش، والذي وصفه بأنه “العمود الفقري” لمنظومة حماية المستهلك في الجزائر.

ويرى زبدي أن هذا القانون لم يعد يتلاءم مع المتطلبات الحالية، خاصة في ظل ظهور أنماط جديدة من التجارة والتسويق الإلكتروني، وانتشار منتجات تسوق عبر منصات التواصل الاجتماعي دون رقابة فعلية، ما يستدعي إعادة صياغة بعض مواده بما ينسجم مع الواقع الجديد للسوق.

منصة رقمية لتقييم المكملات الغذائية

وفي خطوة وُصفت بأنها محاولة لإشراك المستهلك في عملية الرقابة، كشف مصطفى زبدي عن إدماج شعبة المكملات الغذائية ضمن المنصة الرقمية الخاصة بالمنظمة الوطنية لحماية المستهلك، موضحا أن هذه المنصة تضم حاليا خمسين متعاملاً اقتصاديا ومئات المنتجات.

وأشار إلى أن المستهلك سيتمكن من خلال هذه المنصة من التحقق من مدى مطابقة المنتجات المعروضة، وإبداء آرائه وملاحظاته، إلى جانب التواصل المباشر مع المتعاملين الاقتصاديين عبر طرح الأسئلة أو تقديم التقييمات.

وأكد أن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في تحويل المستهلك من مجرد مقتنٍ للمنتوج إلى عنصر فعّال في تقييمه ومراقبته، بما يسمح بتعزيز الشفافية داخل السوق.

وأضاف أن المنصة قد تساهم في تقليص حجم المخاطر المرتبطة بالمكملات الغذائية، خاصة تلك مجهولة المصدر أو المصنعة بطرق عشوائية، معتبرا أن توفير فضاء رقمي يضم منتجات موثوقة نسبيا من شأنه أن يمنح المستهلك قدراً أكبر من الطمأنينة.

تحذيرات من مكملات مجهولة التركيبة

وفي معرض حديثه عن الأخطار المرتبطة بالمكملات الغذائية، دق رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك ناقوس الخطر بشأن المنتجات المصنعة بطرق فوضوية، والتي لا تُعرف مكوناتها الحقيقية في كثير من الأحيان.
كما حذر من بعض المكملات ذات الأصل النباتي التي قد تحتوي على مواد كيميائية مضافة دون علم المستهلك، فضلا عن الاستعمال العشوائي لهذه المنتجات دون أي توجيه أو نصح من مختصين.

وأشار إلى أن حماية المستهلك تتطلب وجود منظومة متكاملة تشمل المصنع، والموزع، والصيدلي، والمستهلك، إلى جانب أجهزة الرقابة، معتبرا أن أي خلل في إحدى هذه الحلقات قد ينعكس مباشرة على صحة المواطن

التمييز بين المصنع الحقيقي والدجالين

ومن جهته، أشار طارق بومزبر، المدير العام لمؤسسة “وين فارما للأدوية والمكملات الغذائية”، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، إلى ضرورة التمييز بين المصنّعين الحقيقيين الذين يلتزمون بالشروط القانونية ومعايير السلامة، وبين بعض الجهات التي تستغل الثغرات القانونية لإغراق السوق بمنتجات تُسوّق على أنها “علاج سحري” لمختلف الأمراض.

وأضاف أن بعض هذه المنتجات لا يمكن تصنيفها أصلا ضمن المكملات الغذائية، بسبب احتوائها على مواد مجهولة المصدر أو تركيبات غير معروفة، فضلا عن غياب بيانات أساسية على الوسم، مثل اسم المصنع أو عنوانه.

مطالب بمراعاة واقع المتعاملين الاقتصاديين

وشدد بومزبر على أهمية أن تأخذ السلطات المعنية بعين الاعتبار انشغالات الفاعلين في الميدان عند إعداد النصوص التنظيمية الجديدة، حتى لا تتحول الإجراءات إلى عبء إضافي على المتعامل الاقتصادي الملتزم بالقانون.

وأوضح أن المطلوب هو إيجاد توازن بين حماية صحة المستهلك، وضمان بيئة تنظيمية تسمح للمؤسسات الجادة بمواصلة نشاطها وتطوير استثماراتها، خاصة وأن السوق الجزائرية للمكملات الغذائية تعرف نموا متسارعا خلال السنوات الأخيرة.

سلامة المواطن فوق كل اعتبار

وبدوره، أكد رئيس فيدرالية الصناعة والخدمات، جمال الدين رزاق هبلة، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن النقاش الدائر حاليا يركز أساسا على سلامة المكملات الغذائية، موضحا أن هذه المنتجات كانت تعتبر في السابق مجرد مواد غذائية عادية، قبل أن تتكشف العديد من النقائص والمخاطر المرتبطة ببعضها.

وأشار إلى أن المرسوم الجديد الخاص بتنظيم المهنة جاء استجابة للحاجة إلى وضع أسس ومعايير واضحة تحكم هذا النشاط، خاصة وأن النصوص التطبيقية المرتقبة ستحدد شروط التصنيع والتسويق بشكل أكثر دقة.
وأوضح أن الأولوية بالنسبة للفاعلين في القطاع تتمثل في حماية المستهلك، مشيرا إلى وجود بعض الممارسات الخطيرة المرتبطة باستعمال مواد أولية منخفضة الجودة أو غير مطابقة للمعايير الصحية.

وضرب مثالا ببعض المواد البلاستيكية المستخدمة في التغليف أو التخزين، والتي يتم اقتناؤها بأسعار منخفضة رغم أضرارها المحتملة على صحة الإنسان.

دعوات لتشديد الرقابة على المواد الأولية

كما شدد رئيس فيدرالية الصناعة والخدمات على ضرورة فرض رقابة صارمة على نوعية المواد الأولية المستعملة في تصنيع المكملات الغذائية، وطريقة خلط المكونات والفيتامينات والمعادن.

وأوضح أن الجمع العشوائي لبعض العناصر، مثل الحديد والكالسيوم والفيتامينات، قد يؤدي إلى نتائج صحية خطيرة إذا لم يتم وفق نسب مدروسة علميا.
وأكد أن بعض المواطنين تعرضوا فعلا لأضرار صحية بسبب سوء استعمال المكملات الغذائية أو نتيجة رداءة بعض المنتجات، ما يبرز أهمية التوعية والرقابة في الوقت نفسه.

وأشار إلى أن البعض يقتني مكملات فيتامين “سي” خلال موسم البرتقال، رغم توفر هذا الفيتامين بشكل طبيعي في الفواكه، معتبرا أن هذا السلوك يعكس نقصا في الوعي الغذائي.

وأكد أن تنظيم السوق وحده لا يكفي، بل يجب أن يرافقه عمل تحسيسي يهدف إلى ترشيد الاستهلاك وتوجيه المواطن نحو استعمال عقلاني للمكملات الغذائية.

سوق مفتوح على الإشهار المضلل

ويرى متابعون أن الانتشار الواسع للمكملات الغذائية في الجزائر ارتبط، خلال السنوات الأخيرة، بازدهار التسويق الإلكتروني، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم الترويج لمنتجات مختلفة بوعود مبالغ فيها تتعلق بإنقاص الوزن، أو زيادة الكتلة العضلية، أو علاج الإرهاق وتساقط الشعر وحتى بعض الأمراض المزمنة.

وتطرح هذه المنتجات في كثير من الأحيان دون أي معلومات دقيقة حول تركيبتها أو مصدرها، مستفيدة من غياب ثقافة استهلاكية متخصصة لدى جزء من المواطنين، ومن ضعف الرقابة على الإعلانات الرقمية.

كما ساهم انتشار بعض المؤثرين في الترويج العشوائي لهذه المنتجات في زيادة الإقبال عليها، خصوصا لدى فئة الشباب، الذين يبحثون عن نتائج سريعة في مجالات اللياقة البدنية أو العناية الجمالية.

بين الحاجة الصحية والهاجس التجاري

ويؤكد مختصون أن المكملات الغذائية قد تكون مفيدة في بعض الحالات الصحية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنقص في الفيتامينات أو المعادن، غير أن تحويلها إلى سلعة استهلاكية يومية يُفقدها بعدها الطبي، ويفتح المجال أمام تجاوزات خطيرة.

ففي غياب توجيه مختصين، قد يتحوّل الاستهلاك المفرط لبعض المكملات إلى سبب لمضاعفات صحية، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون أمراضا مزمنة أو يتناولون أدوية معينة.
كما أن بعض المنتجات مجهولة المصدر قد تحتوي على نسب مرتفعة من مواد فعالة أو منشطات غير مصرح بها، ما يضاعف من حجم المخاطر الصحية.

تنظيم القطاع.. بين الضرورة الاقتصادية والرهان الصحي

ويجمع المتدخلون في هذا الملف على أن تنظيم سوق المكملات الغذائية لم يعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة تفرضها التحولات التي يعرفها القطاع، سواء من حيث حجم السوق أو طبيعة المنتجات المتداولة.

فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بحماية المستهلك، وإنما أيضا بحماية المؤسسات الجادة التي تستثمر وفق المعايير القانونية، في مواجهة النشاطات الفوضوية التي أضرت بصورة القطاع.

كما أن نجاح أي إصلاح في هذا المجال يبقى مرتبطا بمدى قدرة مختلف الأطراف على العمل ضمن رؤية تشاركية تشمل الرقابة، والتوعية، والتنظيم القانوني، مع إشراك المستهلك نفسه في عملية التقييم والمتابعة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.