الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

الملف النووي الإيراني.. تقارير الوكالة بين الاتهام السياسي والمعيار الفني

Author
ربيعة خطاب 14 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل تصاعد الجدل بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول طبيعة التقارير الأخيرة وحدود التفويض الفني للمؤسسة، تتزايد حدة الاتهامات المتبادلة بشأن تسييس الملف النووي الإيراني. وتعتبر طهران أن بعض التوصيفات الواردة في تقارير الوكالة لا تنفصل عن السياق السياسي والأمني المحيط، خاصة في أعقاب ما تصفه بهجمات استهدفت منشآت خاضعة للضمانات الدولية. وفي هذا الإطار، تطرح إيران تساؤلات جوهرية حول حياد الوكالة، وطبيعة تعاملها مع التطورات الميدانية، وحدود مسؤوليتها في حفظ التوازن بين الرقابة الفنية والضغط السياسي.

وفي هذا السياق، يؤكد محمد النون، محلل سياسي لـ”الأيام نيوز”، أن الحديث عن الصعوبات التي تواجهها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تنفيذ مهام التفتيش لا يمكن فصله عن السياق الأمني والسياسي العام الذي تعمل فيه المؤسسة. فبرأيه، الوكالة لا تمارس عملها داخل بيئة تقنية محضة، بل ضمن فضاء دولي شديد التعقيد تتداخل فيه الاعتبارات السيادية والأمنية مع متطلبات الرقابة الفنية. ومن هذا المنطلق، فإن أي إشارة إلى وجود عراقيل في وصول فرق التفتيش إلى بعض المواقع لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن العوامل التي أنتجتها، سواء تعلق الأمر بقيود سيادية تفرضها الدول المعنية، أو تهديدات أمنية تحيط بالمنشآت النووية، أو توترات إقليمية تنعكس بشكل مباشر على طبيعة العمل الرقابي. ويضيف أن تحميل المسؤولية لطرف واحد في مثل هذه الملفات يبقى تبسيطا مخلا، لأن الواقع يكشف عن شبكة معقدة من الأسباب المتداخلة، ما يجعل الفصل التام بين الفني والسياسي أمراً أقرب إلى الطرح النظري منه إلى التطبيق العملي، رغم ضرورة أن تظل الوكالة ملتزمة بالتوصيف الموضوعي للوقائع دون الانخراط في التفسيرات السياسية.

ويشير محمد النون إلى أن إشكالية الحياد في عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية تمثل أحد أهم عناصر الجدل الدائر حول أدائها، باعتبار أن مصداقيتها تقوم أساسا على قدرتها في الالتزام بمعايير تقنية موحدة في التعامل مع جميع الدول دون تمييز. غير أن تعقيدات الملف النووي الإيراني، وما يرافقه من توترات سياسية وإقليمية، تجعل من الصعب إبقاء التقارير الفنية بمعزل تام عن القراءات السياسية المختلفة، حيث تفسر النتائج بطرق متباينة حسب موقع كل طرف ومصالحه. كما يوضح أن نظام الضمانات النووية لا يعتمد فقط على أدوات التفتيش والتحقق، بل يرتكز أيضا على ضرورة توفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن حرية وصول المفتشين إلى المواقع النووية دون تهديد أو تعطيل. وفي هذا السياق، فإن استمرار التهديدات أو الهجمات التي تستهدف المنشآت النووية يضعف من فعالية النظام الرقابي الدولي، حتى وإن بقيت آلياته التقنية قائمة من الناحية النظرية.

ويضيف محمد النون أن فعالية منظومة الضمانات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الأطراف المعنية على ضمان الشفافية وتوفير المعلومات الدقيقة، إلى جانب التزام الوكالة بإجراءات تحقق صارمة. غير أن هذه المنظومة تصبح أكثر هشاشة عندما تتدهور البيئة الأمنية أو تتصاعد حدة التوترات العسكرية في محيط المنشآت النووية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على عمل المفتشين وقدرتهم على أداء مهامهم بشكل طبيعي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الصعب التعامل مع الملف النووي باعتباره ملفا تقنيا بحتا، لأن الواقع يفرض تداخلا دائما بين اعتبارات الأمن والسيادة ومتطلبات الرقابة الدولية.

ويحذر محمد النون من أن أخطر التحديات التي تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتمثل في تآكل الثقة بين الأطراف المعنية، خاصة إذا ترسخ الانطباع بأن التقارير الفنية تُستخدم كأدوات ضغط سياسي ضمن الصراعات الدولية. فالثقة، بحسبه، تشكل الأساس الذي يقوم عليه نظام عدم الانتشار النووي، وأي اهتزاز فيها يؤدي إلى تقليص مستوى التعاون بين الدول والوكالة، ما ينعكس سلباً على فعالية نظام الرقابة بأكمله. كما يشير إلى أن شعور أي طرف بأن التقارير لا تُستخدم في إطارها التقني المحايد قد يدفعه إلى فرض قيود إضافية أو تقليص مستوى التعاون، وهو ما يضعف قدرة الوكالة على أداء مهامها بشكل كامل.

وفي المقابل، يوضح محمد النون أن الحفاظ على هذه الثقة يتطلب التزاما مشتركا من مختلف الأطراف، سواء الدول الخاضعة للتفتيش عبر تسهيل عمل الوكالة وتوفير المعلومات اللازمة، أو الدول المؤثرة عبر الامتناع عن توظيف النتائج التقنية في سياقات سياسية ضيقة. ويختم محمد النون بالتأكيد على أن مستقبل النظام الرقابي الدولي مرهون بمدى القدرة على حماية الطابع الفني لعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والحفاظ على استقلاليتها المؤسسية في مواجهة الضغوط السياسية المتزايدة، بما يضمن استمرار فاعلية منظومة الضمانات كأداة أساسية لضبط الانتشار النووي وتعزيز الاستقرار الدولي.