الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

المناجم واللوجستيك.. رهان الجزائر لبناء اقتصاد تنافسي قائم على الإنتاج

Author
ربيعة خطاب 22 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يأتي اجتماع العمل الذي ترأسه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في إطار المتابعة الدورية للمشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تعوّل عليها الجزائر لإحداث نقلة نوعية في قطاعي المناجم والصناعة، وتعزيز البنية التحتية الداعمة للاقتصاد الوطني. ويعكس هذا الاجتماع حرص السلطات العليا على تسريع وتيرة إنجاز المشاريع المهيكلة، لاسيما تلك المرتبطة باستغلال الثروات المنجمية، وتطوير شبكات النقل واللوجستيك، بما يساهم في تنويع مصادر الدخل خارج قطاع المحروقات، ورفع القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتعزيز مكانة الجزائر كمركز صناعي ولوجستي في المنطقة.

وفي هذا السياق أكد خثير شين، الخبير في الشأن الاقتصادي ومدير معهد الاقتصاد بإليزي، أن المتابعة الدورية التي يجريها رئيس الجمهورية للمشاريع المهيكلة تعكس توجهاً استراتيجياً يتجاوز مجرد متابعة نسب الإنجاز، ليجسد رؤية اقتصادية متكاملة تهدف إلى إحداث تحوّل هيكلي في الاقتصاد الوطني، من خلال بناء قاعدة إنتاجية متنوعة تقلل من الاعتماد على عائدات المحروقات، وتفتح آفاقاً جديدة للنمو والتنمية المستدامة.

وأوضح خثير شين أن قراءة هذه المشاريع ينبغي أن تتم في إطار التحولات التي تشهدها السياسة الاقتصادية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، والتي تقوم على الانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد بشكل رئيسي على صادرات النفط والغاز إلى اقتصاد يرتكز على استغلال الإمكانات الوطنية في قطاعات الإنتاج الحقيقي. ويرى أن الجزائر أصبحت تدرك أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل يمر عبر تنويع مصادر الدخل الوطني، وبناء قطاعات إنتاجية قادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل بشكل مستدام.

وأشار خثير شين إلى أن قطاع المناجم يعد من أبرز الركائز التي يمكن أن تقود هذا التحوّل، بالنظر إلى ما تزخر به الجزائر من ثروات معدنية متنوعة تؤهلها لتكون فاعلاً مهماً في الصناعات التحويلية. وأضاف أن المشاريع التي تتابعها السلطات العليا تمثل نواة لاقتصاد صناعي جديد يقوم على تثمين الموارد الطبيعية محلياً وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، بدل الاكتفاء بتصديرها كمواد خام.

وفي هذا السياق، أوضح خثير شين أن مشروع غارا جبيلات لا يقتصر على استغلال أحد أكبر مناجم الحديد في العالم، بل يمثل مشروعاً صناعياً متكاملاً يعيد بناء سلسلة إنتاج وطنية تبدأ بعمليات الاستخراج، مروراً بالنقل والتحويل الصناعي، وصولاً إلى تصنيع منتجات الحديد والصلب التي تحتاجها قطاعات استراتيجية مثل البناء والميكانيك وصناعة السيارات والسكك الحديدية والصناعات الثقيلة. ويرى أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع تكمن في تعزيز الإدماج الصناعي وتقليص فاتورة الواردات، مع توفير قاعدة صلبة لتطوير الصناعة الوطنية.

كما أكد خثير شين أن المشروع المدمج للفوسفات يعكس تحولاً في فلسفة الاستثمار المنجمي، حيث لم يعد الهدف تصدير المادة الخام، وإنما تحويلها داخل الجزائر إلى أسمدة ومنتجات كيميائية ذات قيمة مضافة مرتفعة. ولفت إلى أن هذا التوجه من شأنه مضاعفة العائدات الاقتصادية، ومنح الجزائر موقعاً تنافسياً في سوق عالمية تشهد تزايد الطلب على الأسمدة نتيجة التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي.

وأضاف خثير شين أن مشروع وادي أميزور يكتسب أهمية خاصة لارتباطه بالمعادن الاستراتيجية التي أصبحت تمثل أساس الصناعات المستقبلية، خاصة تلك المتعلقة بالتحول الطاقوي والتكنولوجي. وأوضح أن العالم يشهد تنافساً متزايداً على هذه المعادن التي تدخل في صناعة البطاريات والإلكترونيات والطاقات المتجددة، ما يجعل استغلالها بصورة رشيدة ورقة استراتيجية تعزز مكانة الجزائر داخل سلاسل القيمة العالمية.

ويرى خثير شين أن هذه المشاريع مجتمعة تعكس انتقال الجزائر من نموذج اقتصادي ريعي يعتمد على تصدير الطاقة إلى نموذج إنتاجي يقوم على التصنيع والتصدير الصناعي، مؤكداً أن هذا التحول هو الذي يمنحها بعدها الاستراتيجي، لأنها تجعل من الثروات المنجمية رافعة للتنمية الصناعية وليست مجرد مصدر للإيرادات.

وبخصوص مشاريع البنية التحتية المرافقة، شدد خثير شين على أن نجاح الاستثمارات المنجمية لا يرتبط فقط بوفرة الموارد الطبيعية، وإنما بوجود منظومة لوجستية متكاملة تسمح بنقل المواد الأولية والمنتجات الصناعية بكفاءة عالية. وأوضح أن التجارب الدولية أثبتت أن توفر شبكات النقل الحديثة يشكل عاملاً حاسماً في تعزيز تنافسية المشاريع الكبرى وتقليص تكاليف الإنتاج.

وأشار خثير شين إلى أن الخط المنجمي الشرقي يمثل استثماراً استراتيجياً يهدف إلى خفض تكاليف نقل المواد المنجمية، خاصة أن القطاع يعتمد على نقل كميات ضخمة يصعب تأمينها بوسائل النقل التقليدية. وأكد أن السكك الحديدية توفر قدرة استيعابية كبيرة، وتقلل من تكاليف النقل مقارنة بالنقل البري، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للمنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.

وأضاف خثير شين أن أهمية هذا المشروع لا تقتصر على الجانب اللوجستي، بل تمتد إلى خلق ممرات اقتصادية جديدة تربط المناجم بالمناطق الصناعية والموانئ، ما يسمح بظهور أنشطة اقتصادية موازية في مجالات التخزين والمناولة والصيانة والخدمات اللوجستية، وهو ما يضاعف من الأثر الاقتصادي للمشروع ويخلق ديناميكية تنموية في المناطق التي يمر بها.

وفي السياق ذاته، أوضح خثير شين أن توسعة ميناء عنابة تشكل الحلقة الأخيرة في سلسلة القيمة، باعتباره المنفذ الذي يصل الإنتاج الوطني بالأسواق العالمية. وأكد أن تطوير قدرات الميناء، سواء من حيث استقبال السفن الكبرى أو تحسين عمليات الشحن والتفريغ والخدمات اللوجستية، من شأنه تقليص تكاليف التصدير وتسريع حركة المبادلات التجارية، بما يعزز تنافسية الصادرات الجزائرية.

ويرى خثير شين أن الجمع بين المناجم وشبكات السكك الحديدية والموانئ والصناعات التحويلية يعكس تبني الجزائر لمفهوم التنمية الاقتصادية المتكاملة، حيث يتم الاستثمار في منظومة مترابطة تضمن تحقيق أفضل مردودية اقتصادية. ويؤكد أن نجاح أي مشروع من هذه المشاريع يبقى مرتبطاً بنجاح بقية المكونات، وهو ما يفسر المتابعة المتزامنة لها ضمن رؤية استراتيجية واحدة.

وفيما يتعلق بالمتابعة المباشرة لرئيس الجمهورية، أكد خثير شين أنها تعكس تحولاً في أسلوب تسيير المشاريع العمومية، يقوم على الحوكمة الاقتصادية وضمان التنفيذ الفعلي للمشاريع وفق آجال محددة، بدل الاكتفاء بالإعلان عنها. وأضاف أن المتابعة المنتظمة على أعلى مستوى تحمل رسالة واضحة مفادها أن هذه المشاريع تعد من أولويات الدولة، وأن أي عراقيل ينبغي معالجتها بسرعة حفاظاً على الجدوى الاقتصادية للاستثمارات.

وأشار خثير شين إلى أن هذه المشاريع تتطلب تنسيقاً دائماً بين مختلف القطاعات الحكومية، من الصناعة والمناجم إلى النقل والطاقة والمالية والبيئة والتكوين المهني والتعليم العالي، وهو ما يجعل الإشراف المركزي عاملاً أساسياً لضمان الانسجام بين مختلف المتدخلين وتسريع وتيرة الإنجاز.

وأكد خثير شين أن الآثار المنتظرة لهذه المشاريع لن تقتصر على زيادة الإنتاج أو الصادرات، بل ستمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للجزائر من خلال إنشاء أقطاب صناعية جديدة، وتحفيز الاستثمار في الولايات الداخلية، وخلق مناصب شغل نوعية تستقطب المهندسين والتقنيين والباحثين ومختصي اللوجستيك والبيئة، فضلاً عن تنشيط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ويرى أن اكتمال هذه المنظومة سيشكل نقطة تحول حقيقية، تنقل الجزائر من مرحلة استغلال الثروات الطبيعية إلى مرحلة توظيفها كرافعة للتصنيع والابتكار والتنمية المستدامة، بما يعزز الأمن الاقتصادي الوطني ويرفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد.

 

↑