المنظمة الخاصة.. أو برزخ الحركة الوطنية قبل قيامة الثورة والانفجار

لسنا دعاة حرب ولا نحبذها، لأننا أعرف الناس بمآسي الحروب وتداعياتها.. لكن، إذا فرضت علينا فإننا لن نفر ولن نولي الدبر، فنحن لها أهل بكل جدارة واقتدار؛ إما الشهادة وإما الانتصار.. “الرئيس تبون”.

“لعبة” الحرب والنار لم تكن أبدا خيارا استراتيجيا في مسار بناء الدولة الجزائرية، وإنما كانت قدرا محتوما تفرضه السياقات التاريخية، كممرٍّ مفروض للعبور إلى حال السكينة والطمـأنينة والسلام. ولذلك، ظلت فكرة العمل المسلح مجرد وسيلة إضطرارية لبلوغ هدف أسمى، إلا أنها أبدا لم تُغفل ولم ُتنسى منذ اليوم الأول من بداية الاحتلال، إلى صدور الوثيقة التي صادقت عليها قيادة نجم شمال إفريقيا سنة 1927م، والتي تبنت العمل المسلح كوسيلة لانتزاع الاستقلال.

وأما في مؤتمره الذي عُقد بتاريخ: 24-07-1938م، فقد قرر حزب الشعب الجزائري تأسيس هيئة أطلق عليها اسم “اللجنة الخضراء”، أسندت لها مهمة العمل المسلح. وفي السنة الموالية أسس أعضاء “اللجنة الخضراء” هذه، هيئة أخرى أطلقوا عليها اسم: لجنة العمل الثوري لشمال إفريقيا، وانتخبوا على رأسها سي “محمد طالب”. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، استغل المناضلون أنفسهم الوضع العام وأسسوا العام 1942م منظمة “مدرسة الراشد” تابعة لـ”لجنة شباب بلكور”، والتي بدورها أسست فرقة “الكومندوس” التي عرفت بمجموعة الصدام العام 1944م، تشكلت مبدئيا من عشرين عنصرا مقداما على رأسهم سي “محمد بلوزداد”، بهدف جمع الأسلحة الخفيفة من المعسكرات الأمريكية والانجليزي على وجه الخصوص، والتي كانت مرابطة بالجزائر. ويعتبر المؤرخون بأن هذا التنظيم هو النواة الأولى لتشكيل المنظمة الخاصة فيما بعد.

كانت منظمة سي “محمد بلوزداد” هذه، تقوم بنشاطها أساسا بمدينة الجزائر، وظل تتبدل وتتغير في تسميتها كلما أحست بخطر انكشاف أمرها، فكانت؛ المنظمة العسكریة السریة، ثم الجناح المسلح، ثم العظم، ثم الشرف العسكري، ثم المخ 22.. إلى أن قررت حركة انتصار الحريات الديمقراطية العام 1946 تبنيها تحت مسمى؛ “المنظمة الخاصة”، كجناح شبه عسكري للحركة.

وموازاة مع ذلك، لم تتنازل الحركة عن خيار المشاركة في المواعيد الانتخابية التي تنظمها الإدارة الاستعمارية، وذلك من باب إقامة الحجة على عبث الفرنسيس وكشف استهتارهم بالإرادة الشعبية الوطنية. وهنا، سجل بعض شباب الحركة تحفظهم على -بل رفض بعضهم- هذا الخيار المنتهج، وهو الشيء الذي خلق نوعا من التوتر والصراع الخفي داخل صفوف الحزب العتيد.

وتبعا لما لتطور الأحداث داخل الحركة، اهتدى المسؤولون إلى عقد مؤتمر جامع مع بداية العام 1947م، بالحي الشعبي بلكور في سرية تامة داخل معمل “حمود بوعلام” للمشروبات الغازية، حضره 60 مندوبا يمثلون جميع جهات الوطن. وبعد مناقشات حادة انتهى المؤتمر إلى القرارات التالية:

  • المحافظة على حزب الشعب في إطاره السري القديم.
  • تبقى حركة انتصار الحريات الديمقراطية في إطارها القانوني ومظهرها الشرعي.
  • التأكيد على تشكيل منظمة شبه عسكرية، عرفت فيما بعد بالمنظمة الخاصة، تتولى مهمة الإعداد والتعبئة للعمل الثوري.
  • تكليف محمد بلوزداد بتكوين هذه المنظمة وإدارتها رغم التحفظ الشديد لمصالي الحاج.

وجاءت أهداف المنظمة على النحو التالي:

  • تكوين المناضلين عسكريا وسياسيا، وتشكيل النواة الأولى لمرحلة الكفاح المسلح.
  • انتز اع مطالب الشعب الجزائري بقوة السلاح.
  • الاحتكام إلى العمل السري الدقيق والمحكم للوصول إلى الغاية المنشودة.

وككل المنظمات السرية في العالم وعبر التاريخ، فقد تشكلت المنظمة الخاصة وفق تنظيم هرمي على الشكل التالي: قيادة الأركان، وتم انتخاب سي “محمد بلوزداد” رئيسا لها، وقد خضعت قيادة الأركان بعد ذلك إلى ثلاث تعديلات، بقي سي “محمد بلوزداد” على رأسها حتى شهر ماي من العام 1948، وهي السنة التي فيها اشتد به المرض، حيث وجه إلى فرنسا للعلاج، ليخلفه بعد الوفاة سي “الحسين آيت أحمد” إلى غاية سبتمبر 1949م، ليخلفه سي “أحمد بن بله” والذي الذي استمر على رأس قيادة الأركان إلى غاية إلقاء القبض عليه شهر مارس 1950م، وكان سي “عبد القادر بلحاج الجيلالي” مدربا عسكريا ومفتشا عاما. وأما قيادات المناطق فقد جاءت على النحو التالي:

  • قطاع قسنطينة: محمد بوضياف.
  • قطاع منطقة القبائل: حسين آيت أحمد.
  • قطاع الجزائر -1-: جيلالي الرقيمي.
  • قطاع الجزائر -2-: محمد ماروك.
  • قطاع وهران: أحمد بن بلة.

وأما النظام الداخلي فقد اعتمدت المنظمة الخاصة نظاما داخليا صارما، دقيقا وانضباطيا، فالمرؤوس يقدم الطاعة والولاء لرئيسه في كل وقت وحين. كما يمنع على أعضاء المنظمة ممارسة السياسة خارج التنظيم. السرية التامة هي الغاية المنشودة للتنظيم. يخضع التجنيد في المنظمة لشروط صارمة، منها شرط السن بحيث لايتجاوز الثلاثين سنة -30-، ولا بد أن يتميز بالفطنة والشجاعة والقدرة الجسدية، ويشترط أن يكون مناضلا في حزب الشعب. النجاح في عدة امتحانات يجتازها المناضل ليصبح عضوا في المنظمة تتعلق بخبرته السياسية وشجاعته ومدى استعداده للتضحية في سبيل الله، وبسلوكه اليومي وعلاقاته الاجتماعية، وبعد النجاح يؤدي اليمين على المصحف على أن لا يخون الأمانة وأن لا يبوح بالأسرار، وأن يلتزم بخدمة القضية الوطنية. المناضلون الذين يتم قبولهم، يخضعون لتدريبات خاصة، تتوج في نهاية التربص برتبة عسكرية.

ورغم كل الاحترازات، فقد اعترض نشاط المنظمة الخاصة عدة مشاكل حالت دون تأدية نشاطاتها العسكرية المرجوة، وعلى رأسها مشكلتي التسليح والتمويل.. وأما التسليح فرغم مضايقة الإدارة الاستعمارية، ورغم السرية المحكمة، فقد تمكن المناضلون من جمع كمية معتبرة من الأسلحة والذخيرة، اشتروا بعضها من قواعد جيوش الحلفاء؛ الأمريكان والانجليز، وأما البعض الآخر فقد تحصلوا عليه عن طريق المناضلين والمحبين العاملين في الجيش الفرنسي، كما تمكنت المنظمة من جلب كميات معتبرة من كل من ليبيا وتونس والمغرب، وبعد توزيع الأسلحة على كافة المناطق، تم تخزينها متفرقة وبإحكام، في انتظار إشارة الانطلاق.. وأما التمويل ورغم المشاكل العسيرة التي اعترضت مسار المنظمة ونشاطها، فقد كان لزاما جمع الأموال والحصول عليها حيثما كانت، وبطرق مختلفة:

  • تأسيس شركة تجارية للاستيراد والتصدير، مقرها الجزائر العاصمة.
  • تبرعات المناضلين الميسورين والمتعاطفين مع القضية.
  • اشتراكات عموم المناضلين.
  • الهجوم على بريد وهران شهر أفريل العام 1949م، والحصول على مبلغ قدر بأكثر من ثلاثة ملايين فرنك فرنسي.

وكانت المنظمة الخاصة تتشكل من مجموعة ستكون في أغلبها من الرعيل الأول المفجر لثورة التحرير العظمى:

  • أحمد بن بلة رئيس المنظمة الخاصة، قائد الأركان.
  • عبد القادر بلحاج الجيلالي، تدريب عسكري، مفتش عام، منسق المصالح الخاصة.
  • محمد يوسفي، المصالح العامة، صناعة المتفجرات، الإشارات، التنسيق مع التدريب العسكري.
  • محمد بوضياف، رئيس مقاطعة قسنطينة، ونائبه محمد العربي بن مهيدي.
  • جيلالي رقيمي رئيس مقاطعة الجزائر العاصمة 1 التي تضم الجزائر العاصمة ومتيجة ومنطقة القبائل والتيطري.
  • أحمد محساس رئيس مقاطعة الجزائر العاصمة 2 التي تضم الظهرة والشلف.
  • عبد الرحمن بن سعيد رئيس مقاطعة وهران ونائبه حمو بوتليليس.

وهنا بدأ تحرك الآلة الأمنية الاستعمارية باستنفار مخبريها وعناصرها في كل مكان.. لكن من دون جدوى، إلى أن حدث ما لم يكن في حسبان أحد؛ “واقعة تبسة” بتاريخ 18 مارس 1950م، ذلك أن أحد أعضاء المنظمة، وهو سي “عبد القادر خياري” المدعو “رحيم”، كان قد أطلق لسانه علنا في انتقاد قادة الحزب -ح إ ح د- وسياسته الجديدة، خاصة بعد فصل سي “لمين دباغين” من الحزب، وهدد بكشف التنظيم السري للمنظمة، الأمر الذي دفع بالقيادة إلى القبض عليه قصد تأديبه وإعادته إلى جادة الصواب. إلا أن الرجل وأثناء اقتياده إلى مركز القيادة السري، تمكن من الفرار والتوجه إلى أقرب مركز للشرطة، ليخبر الأجهزة الأمنية الاستعمارية بكل شيء عن المنظمة.

بعد هذه الواقعة، باشرت السلطات الاستعمارية عمليات مداهمة واعتقال بحق عدد كبير من مناضلي التنظيم، تم وضعهم في السجون، وتعرض عدد كبير منهم للتعذيب الوحشي، والبقية إلى المطاردة والاضطهاد، وقد تم اعتقال أكثر من خمسة آلاف عنصر وتم تفكيك التنظيم، ولم يتبق سوى خلية الأوراس بقيادة سي “مصطفى بن بولعيد”، والتي ستحمل على عاتقها مسؤولية جمع السلاح وتخزينه، ثم التخطيط لتفجير الثورة وتنظيم الصفوف.