الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر.. 15 عاما من الإشعاع الثقافي وتلاقي الحضارات

Author
هارون عمري 04 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحولت أوبرا الجزائر “بوعلام بسايح” منذ افتتاح فعاليات الطبعة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي الثقافي للموسيقى السيمفونية، إلى مركز استقطاب فني عالمي يجمع المدارس الموسيقية من مختلف القارات. هذه التظاهرة التي انطلقت في 30 أفريل وتستمر فعالياتها إلى غاية 7 ماي، تكرّس مكانة الجزائر كوجهة رائدة للدبلوماسية الثقافية، حيث تشهد الدورة الحالية مشاركة قياسية تترجم الرغبة الدولية في مد جسور التواصل عبر “لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة”.

تعكس هذه الطبعة نضجا تنظيما وفنيا لافتا، من خلال موازنة البرنامج بين الروائع الكلاسيكية العالمية والإبداعات العربية والجزائرية، وسط حضور جماهيري يعكس شغف المتلقي المحلي بهذا الفن الراقي.

وفي سياق رصدنا لأجواء المهرجان، التقت “الأيام نيوز” بمجموعة من الفاعلين والمشاركين الذين أجمعوا في مقتطفات من حديثهم على أن المهرجان أضحى “منصة للتعبير عن المشاعر دون وسيط”، و”فضاء يجمع الطاقات العربية ضمن رؤية فنية مشتركة”.

الإشعاع الثقافي عبر الصوت الأوبرالي.. مشاركة عربية واسعة

سجل المهرجان في دورته الحالية حضورا عربيا قويا يهدف إلى إبراز الكفاءات الأكاديمية في مجال الغناء الأوبرالي والعزف السيمفوني. ولم تقتصر المشاركة على الأداء الفردي، بل امتدت لتشمل صياغة رؤية فنية تجمع الموسيقيين العرب في أوركسترا موحدة تعكس وحدة النغم والمصير.

في هذا السياق، يؤكد تينور دار أوبرا الجزائر، صحراوي بلال، في حديث خصّ به “الأيام نيوز”، على هامش المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر، أنه يشعر بالشرف والسعادة لمشاركته في عشر دورات من هذا المهرجان، حيث حضر فيه بأدوار مختلفة، مؤكدا أن كل مشاركة شكّلت تجربة مميزة في مساره الفني.

وأوضح أنه منذ العام الماضي يشارك بصفته مغني تينور ومنفردا، مشيرا إلى مشاركته في حفلات هذا العام، بما فيها حفلا الافتتاح والاختتام، وهو ما اعتبره “شرفا كبيرا”.

وأضاف أن المهرجان يشهد في كل دورة جديدا، غير أن هذه الطبعة تميزت بتسجيل رقم قياسي في عدد البلدان المشاركة، إلى جانب طابعها التكريمي للفنان الراحل نوبلي فاضل، في لفتة تعكس وفاء المشهد الثقافي لرموزه.

وأشار إلى أن حفل الاختتام سيعرف مشاركة أوركسترا عربية خالصة، تضم فنانين من فلسطين وسوريا ولبنان ومصر والجزائر وتونس، في تجربة موسيقية تجمع الطاقات العربية ضمن رؤية فنية مشتركة.

وختم بالتأكيد على أن البرنامج سيجمع بين الأغنية العربية والموسيقى العالمية، في مسعى لإبراز الإشعاع الثقافي الجزائري وتعزيز حضوره على الساحة الدولية.

بلال صحراوي

تكريم نوبلي فاضل.. وفاء الذاكرة الفنية لرموز الإبداع

من التقاليد الراسخة التي حافظ عليها المهرجان، الالتفات إلى القامات الفنية التي تركت بصمة لا تُمحى في المشهد الموسيقي. واختارت إدارة المهرجان هذا العام الاحتفاء بالملحن القدير الراحل نوبلي فاضل، الذي استطاع بعبقريته أن يربط الحنجرة الجزائرية بالأصوات العربية الكبرى، محققا انتشارا واسعا تجاوز الحدود الوطنية.

في هذا السياق، يؤكد صلاح الدين نوبلي، شقيق الفنان الراحل نوبلي فاضل، في حديث خصّ به “الأيام نيوز”، على هامش المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر، أن هذا التكريم يحمل دلالة معنوية كبيرة لعائلته، التي عبّرت عن سعادتها العميقة بهذه الالتفاتة التي جاءت في وقتها.

وأوضح أن اسم نوبلي فاضل أصبح غنيا عن التعريف في الساحة الفنية، مضيفا أن أي تكريم يبقى أقل من حجم ما قدّمه، غير أن الأهم بالنسبة للعائلة هو بقاء أعماله واستمرار أثرها.

وأشار إلى أن الراحل أنجز مسارا فنيا ثريا، من خلال تعاوناته مع أسماء عربية بارزة، من بينها ميادة الحناوي ولطفي بوشناق، إلى جانب فنانين كبار آخرين، وهو ما يعكس مكانته في الساحة الموسيقية.

وختم بالتأكيد على أن قلة من الملحنين استطاعوا العمل مع هذا العدد من الفنانين، ما يجعل تجربة نوبلي فاضل نموذجا فنيا مميزا ترك بصمة واسعة في الذاكرة الموسيقية العربية.

الحضور السوري.. الموسيقى لغة إنسانية تتجاوز الجغرافيا

رغم المسافات والأزمات، تظل الفرقة السيمفونية الوطنية السورية حاضرة كشريك أساسي في إنجاح المهرجان. هذا الحضور الذي يمتد لسنوات طويلة يعكس عمق الروابط الثقافية بين الجزائر وسوريا، ويؤكد أن الموسيقى تظل الملاذ الأكثر صدقا للتعبير عن الهوية والوجود الإنساني.

في هذا السياق، يؤكد عازف آلة التوبا في الفرقة السيمفونية السورية، بريام سويد، في حديث خصّ به “الأيام نيوز”، على هامش المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر، أن مشاركته في افتتاح هذه التظاهرة تمثل لحظة فنية مميزة، بالنظر إلى خصوصية هذا المهرجان على مستوى العالم العربي.

وأوضح أنه يعزف على آلة التوبا، وهي أكبر الآلات النفخية النحاسية في الفرقة السيمفونية، مشيرا إلى مسيرته التي تمتد لنحو خمسة وعشرين عاما ضمن الفرقة السيمفونية الوطنية السورية.

وأضاف أن هذا المهرجان يُعد تجربة فريدة، كونه يخصص فضاء للموسيقى السيمفونية ويجمع بين فرق أوروبية وعربية، ما يعكس بعدا ثقافيا وإنسانيا جامعا.

وأكد أن الموسيقى، بالنسبة للموسيقيين، تمثل لغة عالمية قائمة بذاتها، “حروفها النغمات والنوتات والعلامات”، وقادرة على التعبير عن المشاعر والأحاسيس دون الحاجة إلى ترجمة أو وسيط، خاصة حين تكون صادقة في أدائها.

وأشار إلى أن صدق الأداء يجعل الموسيقى تنتقل مباشرة من قلب العازف إلى قلب المستمع، وهو ما يمنحها قوتها التأثيرية العميقة.

وختم بالتعبير عن سعادته بالمشاركة، مثمّنا حرص منظمي المهرجان، منذ خمسة عشر عاما، على استضافة موسيقيين سوريين، مؤكدا أن الجزائر تمثل بالنسبة لهم “بلدا ثانيا” يحظون فيه بمعاملة خاصة وتقدير كبير.

التعاون الجزائري التشيكي.. تمازج القوالب العالمية

شكلت المشاركة التشيكية في هذه الدورة إضافة نوعية، حيث تم استحضار المدرسة السلافية العريقة في الموسيقى السيمفونية. هذا التواجد لم يقتصر على العزف المنفرد، بل شهد تعاونا مباشرا مع الأوركسترا الجزائرية، ما أتاح فرصة لتبادل الخبرات التقنية والفنية بين العازفين من المدرستين.

كوبيتسكا فيرهوفن

في هذا السياق، تؤكد مغنية الميزو-سوبرانو التشيكية، كوبيتسكا فيرهوفن، في حديث خصّت به “الأيام نيوز”، على هامش مشاركتها في المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر، أن حضورها كضيفة شرف في هذه الدورة الخامسة عشرة يمثل مصدر فخر كبير، مشيرة إلى أن الوفد التشيكي جاء حاملا ثراء موسيقيا يسعى لتقاسمه مع الجمهور الجزائري.

وأوضحت أنها ستؤدي آريتين من أوبرا كارمن، معتبرة أن هذا الاختيار، رغم انتماء العمل إلى المدرسة الفرنسية، يحمل بعدا ثقافيا قريبا من التراث الغجري المرتبط ببوهيميا، وهو ما يمنح الأداء صلة وجدانية بهويتها الموسيقية.

وأضافت أن الحفل المخصص للريبيرتوار التشيكي، المبرمج مساء الأحد، سيتضمن أداء “الأغاني الغجرية” للمؤلف أنطونين دفورجاك، إلى جانب مقطوعات أخرى من أعماله، باعتبارها من أبرز المؤلفات التي تعكس روح الموسيقى التشيكية، والتي حرصت على تقديمها لتعريف الجمهور الجزائري بها.

وأشارت إلى أن هذه زيارتها الثانية إلى الجزائر، لكنها الأولى في إطار موسيقي، مؤكدة أن هذا اللقاء يتميز بخصوصيته، لأنه يجمع فنانين من ثقافات مختلفة ضمن “لغة عالمية واحدة هي الموسيقى”.

وختمت بالتعبير عن سعادتها بهذا التلاقي الثقافي، مبرزة أن مثل هذه الفعاليات تعزز الحوار الفني بين الشعوب، وموجهة شكرها على حفاوة الاستقبال التي حظيت بها خلال مشاركتها.

لقاء الثقافات على خشبة الأوبرا.. العود يلتقي بالكمان

لم يعد المهرجان مجرد منصة لعرض الأعمال الكلاسيكية الجامدة، بل تحوّل إلى معمل فني للتجريب والدمج بين الآلات الشرقية والغربية. ويظهر ذلك جليا في إدراج آلة العود ضمن نسيج الأوركسترا السيمفونية، في خطوة تعزز الهوية المحلية وتمنح المقطوعات العالمية طابعا جزائريا خاصا.

في هذا السياق، تؤكد العازفة الأولى على آلة الكمان في الأوركسترا السيمفونية لأوبرا الجزائر، فيرا آيت طاهر (من جنسية روسية)، في حديث خصّت به “الأيام نيوز”، أن افتتاح المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجزائر يمثل لحظة فنية مميزة، مشيرة إلى سعادتها بالمشاركة والعزف أمام جمهور غفير في هذه الدورة الخامسة عشرة.

وأوضحت أن الأوركسترا السيمفونية الجزائرية ستقدّم عرضا بمشاركة ضيوف الشرف من جمهورية التشيك، مؤكدة أن العمل مع موسيقيين بهذا المستوى الفني الرفيع يشكّل تجربة ثرية، خاصة مع برنامج متنوع يجمع بين مدارس موسيقية مختلفة.

وأضافت أن البرنامج يتضمن السيمفونية الشهيرة “من العالم الجديد” للمؤلف التشيكي، أنطونين دفورجاك، إلى جانب قطعة لمؤلف جزائري، ما يمنح العرض بعدا يجمع بين العالمية والهوية المحلية.

كما أشارت إلى تقديم مقطوعات أخرى، من بينها “الرقصات السلافية” لدفورجاك، إضافة إلى مشاركة عازف منفرد على آلة العود، في توليفة موسيقية وصفتها بـ”الثرية والمثيرة للاهتمام”.

وأعربت عن حماسها الكبير للصعود إلى الخشبة، مؤكدة أن الوقوف أمام الجمهور يمثل لحظة خاصة تعكس شغفها بالموسيقى.

وختمت بالقول إنها تعيش في الجزائر منذ أربعين سنة، وتشعر بانتماء عميق إلى هذا الوسط الفني، مضيفة: “أشعر أنني جزائرية تقريبا، والجميع سعداء جدا اليوم”.

إن نجاح المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية في بلوغ طبعته الخامسة عشرة بهذا الزخم، يؤكد أن الجزائر استطاعت بناء تقليد ثقافي رصين يجمع بين الترفيه الراقي والبحث الأكاديمي الموسيقي.

وفي هذه الأجواء المفعمة بالروح السمفونية، والفن الراقي تظل الأصداء الإيجابية التي خلفها المشاركون والجمهور شاهدة على قدرة الفن في أن يكون حلقة الوصل الأقوى بين شعوب العالم، في انتظار دورات قادمة تحمل مزيدا من التجديد والإبداع.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"