الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

المواجهة مع إيران وتداعياتها الاستراتيجية.. لماذا يتحمل الخليج والصين الكلفة الأكبر؟

Author
وائل خليل ياسين 06 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خضم التصعيد العسكري المتواصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يتركز الاهتمام الدولي عادة على طبيعة المواجهة المباشرة وأبعادها العسكرية والسياسية. غير أن التدقيق في مسارات الصراع وتداعياته الاقتصادية والاستراتيجية يكشف أن آثار هذه المواجهة تتجاوز حدود إيران نفسها لتطال أطرافاً أخرى قد تكون الأكثر تضرراً من نتائجها، وفي مقدمتها دول الخليج العربي والصين.

فمنطقة الخليج العربي تمثل القلب النابض لإنتاج وتصدير الطاقة العالمية، بينما تعتمد الصين بصورة متزايدة على استقرار الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر وصولاً إلى المحيط الهندي ومضيق ملقا لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز والتجارة الدولية. ومن ثم فإن أي اضطراب في هذه الممرات الحيوية ينعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي، وعلى الاقتصادات الخليجية والصينية بدرجة تفوق تأثيره على أطراف أخرى بعيدة جغرافياً عن مسرح الأحداث.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وما رافقها من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع إلى مستويات تهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي. كما تثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول المستفيد الحقيقي من استمرار حالة التوتر، وحول العلاقة بين الأزمات الأمنية في الممرات المائية الاستراتيجية وبين إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المواجهة الحالية مع إيران بوصفها أكثر من مجرد صراع إقليمي محدود، بل باعتبارها جزءاً من مشهد دولي أوسع تتداخل فيه اعتبارات الجغرافيا السياسية وأمن الطاقة والتنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في أهم الممرات البحرية في العالم. وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج والصين في مقدمة الأطراف التي تتحمل الكلفة الأكبر للتصعيد، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاستراتيجية، الأمر الذي يفرض قراءة أعمق لأبعاد الأزمة ونتائجها المحتملة على مستقبل المنطقة والنظام الدولي ككل.

ومن هذا المنظور، يصبح من الضروري النظر إلى الأزمة الراهنة ليس فقط من زاوية المواجهة العسكرية المباشرة، بل من زاوية انعكاساتها على موازين القوى الاقتصادية العالمية وعلى الدول الأكثر ارتباطاً بالممرات المائية الحيوية.

تصعيد يتجاوز إيران.. جغرافيا الصراع ومصالحه

يشكّل التصعيد في مضيق هرمز والخليج العربي تهديدًا مباشرًا لأحد أهم شرايين الطاقة العالمية. ومع ارتباط هذا الممر الحيوي بتدفق نحو خُمس النفط العالمي، فإن أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الأسواق الدولية.

غير أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في احتمالات المواجهة العسكرية، بل في الطريقة التي تُدار بها الأزمة. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع هذه المنطقة بوصفها ساحة احتواء لإيران فقط، بل باعتبارها نقطة ارتكاز للتحكم في تدفقات الطاقة العالمية، وبالتالي التأثير في الاقتصادات المنافسة، وعلى رأسها الصين.

وفي هذا السياق، يصبح تعطيل الاستقرار في الخليج أداة ضغط مزدوجة: تضييق الخناق على إيران من جهة، وإضعاف الشركاء الاقتصاديين لها من جهة أخرى.

الخليج.. من مركز طاقة إلى ساحة استنزاف

تُعد دول الخليج الأكثر عرضة لتداعيات هذا التصعيد، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، بل بسبب اعتماد اقتصاداتها على استقرار صادرات الطاقة.

فمع أي توتر في مضيق هرمز، تواجه هذه الدول:

  • انخفاضًا في القدرة على تصدير النفط والغاز.
  • ارتفاعًا في تكاليف التأمين والنقل.
  • تراجعًا في الاستثمارات الأجنبية.
  • اضطرابًا في خطط التنمية طويلة الأمد.

وبذلك، تتحول الحرب – التي يُفترض أنها موجهة ضد إيران – إلى عبء اقتصادي مباشر على دول الخليج نفسها. بل إن الوجود العسكري الأجنبي، الذي يُفترض أنه يوفر الحماية، يصبح في كثير من الأحيان عامل جذب للمخاطر، ويضع هذه الدول في قلب أي مواجهة محتملة.

 الصين.. الهدف غير المعلن

إذا كانت دول الخليج تدفع الكلفة المباشرة، فإن الصين تمثل الهدف الاستراتيجي الأعمق لهذه الأزمة.

فالصين تعتمد بشكل كبير على:

  • النفط القادم من الخليج.
  • الممرات البحرية في تجارتها مع أوروبا.
  • استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

ومع اضطراب باب المندب ومضيق هرمز، تجد بكين نفسها أمام تحديات متزايدة:

  • ارتفاع تكاليف الطاقة.
  • زيادة زمن وكلفة الشحن.
  • تراجع تنافسية صادراتها.
  • تهديد مشاريعها الاستراتيجية، وعلى رأسها “الحزام والطريق”.

ومن هنا، فإن ضرب استقرار هذه الممرات لا يُضعف إيران بقدر ما يضغط على الاقتصاد الصيني، ويقوّض أحد أهم مصادر قوته العالمية.

اقتصاد الأزمات.. من يخسر ومن يربح؟

في مقابل هذه الخسائر، تبرز مفارقة لافتة: فبينما تتضرر دول الخليج والصين، تحقق الولايات المتحدة مكاسب ملموسة.

تشمل هذه المكاسب:

  • ارتفاع صادرات النفط والغاز الأمريكي.
  • زيادة الطلب الأوروبي على الطاقة الأمريكية.
  • تحقيق أرباح كبيرة لشركات الطاقة.
  • تعزيز النفوذ العسكري في مناطق استراتيجية.

كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة يضعف القدرة التنافسية للاقتصادات الآسيوية، ويدفع الأسواق نحو بدائل غربية، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي.

إدارة التوتر كاستراتيجية

ما نشهده اليوم لا يمكن فصله عن نمط أوسع من السياسات يقوم على إدارة التوترات بدل حلها. فالحفاظ على مستوى معين من عدم الاستقرار يسمح بإعادة توجيه الأسواق، وتعزيز الاعتماد على القوة المهيمنة. وفي هذا الإطار، تصبح الممرات المائية – من باب المندب إلى مضيق هرمز – أدوات في لعبة النفوذ، وليست مجرد طرق للتجارة.

نظام دولي على مفترق طرق

في المقابل، تحاول قوى دولية أخرى الدفع نحو نموذج مختلف يقوم على التعددية والاستقرار، لكن هذا المسار يصطدم بواقع تنافسي حاد، حيث تتحول الممرات الحيوية إلى ساحات صراع مفتوحة. وهنا تبرز الحاجة إلى دور دولي أكثر توازنًا، يضمن حياد هذه الممرات ويحميها من التوظيف السياسي والعسكري.

الخاتمة

تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران حقيقة أبعد من ظاهرها العسكري؛ فهي لا تبدو مجرد مواجهة مع دولة بعينها بقدر ما تعكس صراعاً أوسع على التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي والممرات الاستراتيجية التي تربط أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وفي قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج والصين باعتبارهما من أكثر الأطراف تعرضاً لتحمل الكلفة الاقتصادية والاستراتيجية للتصعيد، رغم أنهما ليستا الهدف المعلن لهذه المواجهة.

فاستهداف استقرار الممرات المائية لا يقتصر أثره على الأطراف المنخرطة مباشرة في النزاع، بل يمتد إلى كل من يعتمد على هذه الشرايين الحيوية لضمان أمنه الاقتصادي واستمرار تدفق التجارة والطاقة. ومع استمرار التوترات في الخليج والبحر الأحمر، تتزايد المخاوف من تحول هذه الممرات إلى ساحات صراع دائمة، بما يهدد الأمن الاقتصادي العالمي ويقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنهاء مواجهة عسكرية بعينها، بل في إعادة صياغة قواعد إدارة الممرات المائية الدولية، بما يمنع توظيفها كأدوات ضغط وهيمنة سياسية أو اقتصادية. كما أن حماية هذه الشرايين الحيوية ينبغي أن تتحول إلى مسؤولية دولية مشتركة تضمن حرية الملاحة واستقرار الأسواق العالمية بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية الضيقة.

فمستقبل الاقتصاد العالمي لن يتحدد فقط بحجم الإنتاج أو موازين القوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة المجتمع الدولي على الحفاظ على الممرات البحرية كجسور للتواصل والتنمية والتعاون بين الأمم، لا كساحات مفتوحة للصراع والمنافسة على النفوذ. وإذا استمرت هذه الممرات الحيوية رهينة التجاذبات الجيوسياسية، فإن الخسائر لن تقتصر على أطراف النزاع المباشرة، بل ستمتد إلى الدول الأكثر ارتباطاً بالتجارة والطاقة العالمية، وفي مقدمتها دول الخليج والصين، اللتان تبدوان اليوم في موقع المتأثر الأكبر بنتائج صراع يتجاوز في أهدافه وحدوده مسألة المواجهة مع إيران وحدها.

Author وائل خليل ياسين
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية باحث واستشاري متخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا