الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

الموجة الـ48 من «وعد صادق 4».. ليست مجرّد أرقام على ورق

Author
صبرينة عيلان 15 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

برز في البيانات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، حديث متكرّر، حول تنفيذ “موجات” صاروخية متتالية، وصلت إلى الموجة الـ48، ضمن إطار عملية عسكرية أُطلق عليها اسم “وعد صادق 4″. ويعكس هذا الأسلوب في التسمية والترقيم، نمطا واضحا في إدارة العمليات العسكرية والإعلان عنها، سواء من خلال تقسيم الضربات إلى موجات متتابعة، أو عبر اعتماد تسلسل رقمي لاسم العملية نفسها. وفي هذا السياق، يقدم محلّلان – في تصريحات لـ”الأيام نيوز” – قراءة معمّقة لهذه التطورات، موضّحين الأبعاد العسكرية والاستراتيجية الكامنة وراء هذه العمليات.

أحمد فتحي

يعتبر تتبع تطور عمليات “الوعد الصادق” منذ بدايتها عام 2004 خطوة أساسية لفهم السياق الحالي. فقد أوضح أحمد فتحي، المحلل السياسي والصحفي بوكالة أنباء الشرق الأوسط، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه العمليات بدأت في يوليو 2004 عندما تحركت قوة صهيونية مكونة من 6 إلى 8 جنود نحو بلدة خلة وردة في بلدة عيتا الشعب الحدودية، حيث دارت اشتباكات عنيفة أدت إلى سقوط القوة الصهيونية بين جرحى وقتلى وأسر اثنين من الجنود الذين أعلن عن مصرعهم لاحقا. وبيّن فتحي أن استخدام “إسرائيل” لطائرات “الأباتشي” لأول مرة في الجنوب اللبناني جاء بعد هذه المواجهات، ومن هنا جاءت تسمية العمليات العسكرية بـ”الوعد الصادق”.

يمثل الانتقال من هذه البداية إلى العمليات الإيرانية الحديثة تطورا نوعيا في طبيعة المواجهة. ففي عام 2024، شن الحرس الثوري الإيراني سلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيرة واسعة النطاق ضد أهداف صهيونية، كرد انتقامي على اغتيال القادة حسن نصر الله وإسماعيل هنية، مستهدفة أيضا عددا من القنصليات الصهيونية.

وأضاف فتحي أن عملية “الوعد الصادق 2” شملت إطلاق 250 صاروخا على قلب “تل أبيب” في أكتوبر 2024، بينما جاءت عملية “الوعد الصادق 3” في يونيو 2025 لتشكل نقطة تحول من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة، ما مهد الطريق لعملية “الوعد الصادق 4” التي تمثل حربا فعلية استخدم فيها الحرس صواريخ فائقة الثقل مثل “خيبر شكن” و”عماد”، إلى جانب طائرات مسيرة وطائرات انتحارية، مستهدفة “تل أبيب” وعدة مواقع استراتيجية في شمال فلسطين المحتلة والجليل والجولان، وكذلك قواعد أمريكية في المنطقة.

استراتيجية التدرج العسكري الإيرانية في “وعد صادق 4

في سياق هذا التطور النوعي، يسلط صهيب مرزيقي، صحفي ومحلل سياسي بالإذاعة التونسية، الضوء على النمط المنظم لإدارة العمليات والإعلان عنها، موضحا، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الحديث المتكرر عن الموجات الصاروخية المتتالية يعكس الجمع بين الاعتبارات العسكرية والبعد النفسي والإعلامي معا.

صهيب مرزيقي

وأكد أن الإشارة إلى أرقام مرتفعة من الموجات، مثل الموجة 48، لا تقتصر على كونها وصفا عدديا للهجمات، بل تحمل رسالة واضحة بقدرة إيران على الاستمرار في إطلاق الصواريخ بوتيرة متدرجة. ويضيف أن هذا الأسلوب يسمح بقياس ردود فعل الخصم بعد كل مرحلة، بما يتيح للقيادة العسكرية هامشا أكبر للمناورة، ويهدف إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي مثل “القبة الحديدية” أو “حيتس 3” عبر التكرار الزمني للضربات بدلا من تنفيذ ضربة كبيرة واحدة.

وتحت هذا الإطار، يتضح أن ترقيم العمليات العسكرية حتى الرقم أربعة لا يشير إلى أحداث منفصلة، بل إلى سلسلة من العمليات ضمن سياق استراتيجي مستمر، حيث تمثل كل مرحلة تصعيدا أو ردعا جديدا. ويؤكد مرزيقي أن استخدام الاسم ذاته مع إضافة رقم جديد يخلق رواية عسكرية وسياسية طويلة الأمد، تؤكد أن الردود الإيرانية ليست معزولة، بل جزء من مسار متدرج لإدارة الصراع. ومن هذا المنطلق، يبدو الجمع بين ترقيم العملية وترقيم الموجات داخلها جزءا من استراتيجية شاملة تهدف إلى توصيل رسائل ردع متعددة المستويات: عسكرية ونفسية وسياسية، تؤكد القدرة الإيرانية على إدارة التصعيد والتحكم في وتيرة المواجهة بشكل محسوب.

يتيح هذا النمط من التحليل فهما أعمق للرسائل التي تحملها العمليات الصاروخية الإيرانية. فالوصول إلى الموجة 48 ليس مجرد رقم، بل يعكس القدرة على استدامة الضغط العسكري، وإبقاء خصمها في حالة يقظة مستمرة. وتكشف هذه الطريقة أيضا عن مستوى التخطيط العسكري المرتفع، إذ تسمح لكل موجة تقييم نتائجها، سواء من حيث دقة الإصابة أو فعالية الدفاعات الجوية، قبل الانتقال إلى الموجة التالية. وهكذا يصبح كل إطلاق جزءا من سياق متكامل، يربط بين تكتيكات الحرب المباشرة والقدرة الاستراتيجية على إدارة الصراع على مراحل، بما يعكس رؤية شاملة لفرض النفوذ وتحقيق أهداف سياسية وعسكرية محددة.

إدارة الموجات الصاروخية.. القوة والردع

وفي هذا الإطار، تتجلى أهمية متابعة تطور عمليات “الوعد الصادق 4″، ليس فقط لعدد الموجات المنفذة، بل للقدرة على إدارة التصعيد بشكل يسمح للحرس الثوري بضبط ديناميكيات الحرب المباشرة، وتحقيق مكاسب عسكرية ملموسة، وفي الوقت ذاته إيصال رسائل ردع واضحة للعدو والفاعلين الإقليميين. إذ يتضح أن استخدام الصواريخ الباليستية ذات الرؤوس الثقيلة والطائرات المسيرة والطائرات الانتحارية هو تعبير عن تحول نوعي في طبيعة العمليات، من الهجمات الانتقامية إلى المواجهة المباشرة الشاملة، بما يعكس مستوى التخطيط والجاهزية الذي بلغته إيران في إدارة الصراع مع “إسرائيل”.

بناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن العمليات الإيرانية الأخيرة ضمن “وعد صادق 4” تشكل نموذجا متقدما في إدارة الصراعات الإقليمية، يجمع بين القوة العسكرية، والاستراتيجية النفسية، والبعد الإعلامي، ويبرز قدرة إيران على تحويل تصاعد العمليات العسكرية إلى أداة ضغط مستمرة، تتحكم بها وفق تقديرات دقيقة، وتستغل كل موجة لإعادة صياغة موازين القوى على الأرض.

وفي أحدث تأكيد عملي على ذلك، أفادت وكالة تسنيم الدولية للأنباء بأن العلاقات العامة في الحرس الثوري أعلنت تنفيذ الموجة الثامنة والأربعين من عملية “الوعد الصادق 4″، بالنداء المبارك “يا قمر بني هاشم (ع)”، إهداء إلى الشهيدين شيرازي وإبراهيم زاده.

وأوضح البيان أن هذه الموجة نُفذت بالتنسيق مع حزب الله في لبنان، واستهدفت مواقع في شمال الأراضي المحتلة، وشملت الجليل والجولان وحيفا، إضافة إلى قواعد القوات الأمريكية الإرهابية في المنطقة. وأشار البيان إلى أن الهجوم نُفذ بإطلاق صواريخ تعمل بالوقود الصلب من طراز “خيبر شكن” وصواريخ تعمل بالوقود السائل من طراز “قدر”، إلى جانب طائرات مسيّرة انتحارية، مؤكدا أن العملية أُنجزت بنجاح كامل بعون الله.