المُفكّر الجزائري “مالك شبل”.. من “روسيكادا” إلى العالمية

“باسم تلك القرون أشتغل، وباسم العدد الهائل من العلماء والشُّرَّاح والشعراء والفقهاء والأطباء والخلفاء والسلاطين المُتنوّرين أتحدّث، وأعتبر نفسي رفقةَ آخرين حُراسًا لهذا التراث”. بهذه الكلمات اختصر المُفكّر الجزائري “مالك شبل” رسالته وهويّته وانتماءه المعرفي.

شهدت العاصمة الفرنسية “باريس” يوم الثاني عشر 12 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، وفاة المُفكّر والباحث الجزائري “مالك شبل” عن عمر ناهز 63 سنة. وبعد مسيرة علمية وأكاديمية في دول أوروبية وأمريكية وعربية، عاد صاحب فكرة “إسلام التنوير” إلى حضن وطنه، ليُدفن، بعد ثلاثة أيام من وفاته، في مسقط رأسه بولاية “سكيكدة” (روسيكادا).

قاموس محبّة للجزائر

“قاموس محبّة للجزائر”، الذي صدر عام 2012، كان آخر كُتب “مالك شبل”. ورغم أنه أصدر أكثر من خمسة وثلاثين كتابا، جميعها باللغة الفرنسية، فإن “الجنس والحريم روح السراري: السلوكيات الجنسية المهمَّشة في المغرب الكبير” هو الكتاب الوحيد الذي لقيَ طريقه إلى الترجمة باللغة العربية وصدر سنة 2007.

وكان “أبناء إبراهيم المسلمون واليهود والمسيحيون”، الصادر سنة 2011، هو الكتاب الأكثر رواجا وانتشارا في الأوساط الأكاديمية في فرنسا وأوروبا والولايات المتّحدة.

من ملجأ الأيتام إلى العالمية

“مالك شبل” من مواليد “سكيكدة” في 23 أفريل /نيسان عام 1953. وتُشير بعض المصادر بأنه عاش مرحلة طفولته في مركز للأيتام رفقة أخيه، وهذا ما حفّز فيه روح التأمّل والتفكير الفلسفي في قضايا الإنسان والحرية.

حياة اليُتم في ملجأ لم تمنع “مالك شبل” أن يُنمّي طموحاته العلمية ويخطو بثبات على درب التعليم، فقد حصل على إجازة في تخصص علم النفس السريري من جامعة قسنطينة. ثم انتقل إلى جامعة باريس السابعة، وحاز على الدكتوراه في علم النفس، ثم حاز على دكتوراه في علم الأجناس والأنثروبولوجيا، وأخرى في العلوم السياسية.

ومنذ عام 1995 انطلقت مسيرته في التدريس بجامعة “السوربون”، وجامعات أخرى أوروبية وأمريكية وعربية، بالإضافة إلى وظائف أخرى مرتبطة بمجالاته العلمية والمعرفية.

كلمة خارج السّياق

يُمكن للكلمات أن تختزل مسيرة “مالك شبل” في أسطر قليلة، ولكنها لا تستطيع أن تُصوّر حجم وعمق المعاناة التي عاشها في فترة طفولته وتدرُّجه إلى الوقت الذي تخرّج من جامعة قسنطينة.

ونعتقد بأن هذه الفترة من مسيرة “شبل” لها أهميّتها البالغة، ليس في دراسة الميراث العلمي للباحث فحسب، ولكن أيضا لتقديم الأنموذج الإنساني الذي يجعل من الإيمان بالأهداف العلمية قوةً دافعة لتحدّي الصّعاب وتجاوز المحن، من أجل الوصول إلى تحقيق الآمال والطموحات، وهذا ما يحتاجه الناشئة والتلاميذ في المدارس.

وفي هذا السياق، نعتقد بأن قراءة ودراسة سير وتراجم الشخصيات التي حقّقت التميّز والنجاحات في مختلف مجالات الحياة، يُفترضُ استثمارُها في المجال التربوي والتعليمي.

اكتشاف “شبل

تمحورت الجهود الفكرية للباحث “مالك شبل” حول دراسة التراث الأدبي والثقافي للحضارة العربية الإسلامية، فأصدر عددا من الكتب في هذا المجال منها: “الجسد في الإسلام”، و”الفكر العربي الإسلامي”، “تحليل نفسي لشخصيات كليلة ودمنة”.

ولكن تلك الجهود، ركّزت بشكل أكبر، على الدراسات الإسلامية، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث صار “شبل” من الأسماء الأكاديمية البارزة في البرامج التلفزيونية الغربية التي كانت تسعى إلى استكشاف “الظاهرة” الإسلامية.

إسلام التنوير

انخرط “مالك شبل” في صراعات فكرية ضد مُثقفين وإعلاميين غربيين “احترفوا” التهجّم على الإسلام وتشويه صورته في عيون وأفهام الإنسان الغربي. واعتمد على فكرته التي تُسمّى “إسلام التنوير” أو “إسلام الأنوار” الذي يتميّز بالتسامح والمحبّة والسلام.

كما انخرط في الدفاع عن الجاليات الإسلامية في الغرب، التي كانت ضحية مجموعات إسلامية بعيدة عن جوهر الإسلام، فهو يرى أن “غالبية المسلمين في الغرب، محاصرون في كماشة بين المجموعات الأصولية المتطرفة التي تريد أسلمة العالم، وبين الغالبية الساحقة من الأوربيين الذين لا يفقهون أي شيء عن الإسلام”.

مشروعٌ حضاري لم يُمهلُه العمر..

يُمكن القول أن “مالك شبل” كان يمتلك مشروعا حضاريا يقوم على الإنسان المُسلم الذي يُمثّل الإسلام فكرا وسلوكا وتفاعلا، وفق فكرة “إسلام التنوير”. وربما أن العمر لم يُمهل “شبل” ليُبلور هذا المشروع من خلال سلسلة كتبه التي تمحورت حول الإسلام، مثل “القرآن للمبتدئين”، و”الإسلام والعقل”، و”محمد نبي الإسلام”، و”قاموس الرموز الإسلامية”، و”الإسلام كما شرحه مالك شبل”.

إضافة إلى ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، لا ندري إن كان قد نُشرت، ولكن هناك من أشار بأنها ترجمة مُختلفة عن سابقاتها، تشتغل على المعنى ولا تُترجم النص، ومُلحقٌ بها قاموس موسوعي للقرآن الكريم.

مُسلمون أساءوا للإسلام

يعتقد “مالك شبل” أن المجموعة المُتطرّفة أساءت إلى الإسلام وشوّهت صورته في الغرب. فالإنسان الغربي يحكم على الدين من خلال حياة وسلوك أتباعه، كما أن الأحداث في كثير من الدول العربية والإسلامية، ومستواها الحضاري في الجانب المعيشي والعلمي، يُمثّل مقياسا يعتمده الإنسان الغربي لإصدار أحكامه على الإسلام.

كما يعتقد “شبل” بأن المسلم هو إنسانٌ مُولّدٌ للعنف في نظر الغرب، وسواءٌ كان هذا الوضع الإسلامي “مُصنّعا” أو هو نتاج تاريخي، فإنه يبقى حقيقة قائمة بأن المُسلمَ ليس مثالا لإسلام “يمشي على الأرض”، بل هو كتلة من التناقضات بين المعتقد والتفكير والسلوك.

الإسلام قضية كونية

يعتقد “شبل” بأن الإسلام قد يكون حلاًّ للغرب المُفلس روحيا، ولكن هذا الأمر يصطدم بالعجز عن “تسويق” الإسلام الصحيح، وأيضا يصطدم مع الصورة المُشوّهة التي قدّمها المُسلمون عن أنفسهم من خلال مظاهر وظواهر كثيرة.

كما يعتقد “شبل” بأن الإسلام هو “قضية” كونية وليست مرتبطة بالعالمين العربي والإسلامي، ولكن “تصحيح” الصورة المُشوّهة يجب أن تنطلق من البلدان العربية على الخصوص، باعتبار أنها الإطار المكاني للغة العربية التي تحمل الإسلام.

الفهم الصحيح هو أوّل الطريق

ما قدّمه المفكر والباحث الجزائري “مالك شبل” من دراسات وكُتب، يُمكنها أن تكون كشّافا للعقل العربي والمُسلم عموما. وهي بالتأكيد تحتاج إلى الدخول بها في مختبرات النقد والتحليل لاستخلاص ما هو قابلٌ للإفادة منه في بناء العقل ذاته.

وفي غياب مرجعية إسلامية تُقدّم الإسلام وفق فهم صحيح لا غلو فيه ولا تطرّف، ولا تخضع لأيّ ضغط مهما كان، فإن ضرب الإسلام من أعماق المُسلمين أنفسهم وبأيديهم أحيانا كثيرة، هو هدفٌ تسعى إليه أطرافٌ عالمية كثيرةٌ، وفي هذا السياق، يُمكن القول أن مهمة المُسلم “البسيط” هي أن يُمثّل الإسلام في سلوكه ومعاملته.. وربما هذا أول الطريق الصحيح إلى الدين “الصحيح”.