الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الناتو بعد الحرب على إيران.. جسد أطلسي مكشوف

Author
الأيام نيوز 03 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق ما أوردته صحيفة «بوليتيكو» بأن الحرب الأمريكية–الصهيونية على إيران كشفت ثغرات في منظومة دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واحتمال مواجهة الحلف صعوبات كبيرة في حال تعرّضه لهجوم روسي مباشر، تطرح «الأيام نيوز» تساؤلات حول مدى جاهزية هذا التحالف، وأبرز نقاط الضعف والفجوات العسكرية واللوجستية والاستراتيجية داخل بنيته، والتي قد تحدّ من قدرته على صدّ أي هجوم.

يكتسب هذا التساؤل أهمية متزايدة في ظل التحولات التي تشهدها طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم تعد المواجهات العسكرية تُحسم فقط بالتفوق النوعي في التكنولوجيا، بل أيضا، بمدى القدرة على التكيّف مع بيئة قتالية مركبة تجمع بين الاستنزاف طويل الأمد، والهجمات متعددة المجالات، والتفوق في سرعة القرار والتنفيذ. وضمن هذا الإطار، تتلاقى قراءات الخبراء عند نقطة مركزية مفادها أن التحدي الذي يواجه حلف الناتو لا يرتبط بضعف عسكري مباشر بقدر ما يرتبط بفجوات بنيوية في الجاهزية والاستجابة.

لكن قبل الخوض في تحديد نقاط الفجوات في الجسد الأطلسي، لا بد من التذكير بذلك التشبيه الذي أثار جدلا واسعا: “الناتو مجرد نمر من ورق”، وهو توصيف أصرّ عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكدا أن “الاعتماد على الذات” أولى من التعويل على الحلفاء، واعتبر أن الحلف “كان عديم الفائدة” في لحظات اختبار مفصلية. غير أن ما يقصده ترامب لا يتطابق بالضرورة مع ما كشفته حرب ترامب على إيران، والتي أظهرت من زاوية أكثر دقة تعقيدات أعمق في بنية الجاهزية الأطلسية، في حال دخل في مواجه أمام روسيا.

مدير مركز الدراسات للأبحاث في موسكو آصف ملحم

في هذا السياق، يبرز تحليل مدير مركز الدراسات للأبحاث في موسكو آصف ملحم، الذي يضع مسألة “الدروع الصاروخية” في قلب النقاش الاستراتيجي، مستندا إلى تقديرات عسكرية تشير إلى أن هذه المنظومات، رغم تطورها، “لا تخلو من ثغرات يمكن تجاوزها”، وهو ما يعيد طرح إشكالية التوازن بين الهجوم والدفاع بوصفها معادلة مفتوحة. ولا ينفصل هذا الطرح عن التجارب الميدانية الأخيرة، حيث أظهرت الحروب الحديثة، وفق التقديرات ذاتها، أن “أي نظام دفاع جوي لا يمكن أن يكون محكم بشكل كامل أمام التطور المستمر في وسائل الهجوم”، الأمر الذي يقوض فكرة الحماية المطلقة التي لطالما رُوّج لها في الخطاب العسكري الغربي.

وعلى هذا الأساس، يتوسع مسار التحليل ليشمل انعكاسات الحرب في أوكرانيا، التي باتت تمثل مختبرا ميدانيا حقيقيا لامتحان فعالية المنظومات الدفاعية في مواجهة تهديدات متعددة الطبقات ومتسارعة التطور، إذ تشير المعطيات التي استعرضها ملحم – في تصريحات خصّ بها الأيام نيوز” – إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة أثبت قدرة واضحة على اختراق الدفاعات الجوية واستهداف نقاط ضعفها، ما يعكس تحول ساحة المعركة إلى فضاء ديناميكي يتطور بوتيرة متسارعة. هذا التحول لا يقتصر على الجانب التقني، بل يمتد إلى التكتيكات القتالية، حيث لم تعد الكثافة النارية وحدها كافية، بل أصبحت المرونة والابتكار عنصرين حاسمين في تحقيق التفوق.

ثغرات الدفاع

وإذا كان هذا الواقع قد فرض نفسه في أوكرانيا، فإن انعكاساته لم تتوقف عند حدودها، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران، استفادت من هذه التجارب، خاصة في تطوير استخدام الطائرات المسيّرة وتكتيكات الإرباك الدفاعي، في ظل ما يوصف بتبادل غير مباشر للخبرات العسكرية. هذه المعطيات تعزز فكرة أن التحدي الذي يواجه الناتو ليس تقنيا فقط، بل هو جزء من سباق أوسع تتداخل فيه الخبرة الميدانية مع الابتكار العسكري، وهو ما يفسر القول إن “العمليات العسكرية الحديثة لا تحقق دائما الأهداف المرسومة لها مسبقا بسبب وجود ثغرات ميدانية وعوامل تقنية واستخباراتية معقدة”.

هذا التصور يفضي إلى خلاصة مفادها أن الجدل حول “ثغرات الدفاع” لا يمكن عزله عن طبيعة الحرب التكنولوجية المفتوحة، حيث تسعى كل الأطراف إلى تطوير وسائل جديدة لتجاوز أو تعزيز هذه المنظومات، وهو ما يجعل أي تفوق دفاعي مؤقتا بطبيعته. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من التركيز على القدرات النظرية إلى تقييم الأداء الفعلي في ظروف القتال المعقدة.

فوزي أبو ذياب – باحث في العلاقات الدولية

انطلاقا من هذا الطرح، يتجه تحليل الباحث السياسي فوزي أبو ذياب – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – إلى تفكيك بنية الجاهزية الأطلسية بشكل أكثر تفصيلا، حيث يشير إلى أن ما كشفت عنه المواجهات الأخيرة “ليس مجرد تفوق تكنولوجي، بل هو جرس إنذار لهيكلية الدفاع الأوروبي”. هذا التوصيف يفتح الباب أمام قراءة أعمق للفجوات الاستراتيجية التي يعاني منها الحلف، والتي لا تتجلى في عنصر واحد، بل في مجموعة من التحديات المتداخلة.

في مقدمة هذه التحديات، تبرز ما يسميه “معضلة الجغرافيا الصلبة”، حيث يواجه الناتو إشكالية التمدد الجغرافي مقارنة بالمسرح الروسي الأكثر تماسكا. فالبنية التحتية في شرق أوروبا، من جسور وسكك حديدية، لا تزال تمثل عائقا حقيقيا أمام نقل الأسلحة الثقيلة، في ظل ما وُصف بـ”بيروقراطية حدودية” قد تؤخر التعزيزات لأيام، وهو عامل حاسم في سياق عقيدة عسكرية روسية تعتمد على الحسم السريع في الساعات الأولى عبر الصواريخ الفرط صوتية.

هذا البعد الجغرافي يقود مباشرة إلى إشكالية تتعلق بالاستدامة القتالية، حيث يلفت أبو ذياب إلى أن الجيوش الغربية بُنيت على فرضية الحروب القصيرة عالية الدقة، في حين تشير التجارب الحديثة إلى أن أي مواجهة مع روسيا ستأخذ طابع حرب استنزاف طويلة. ضمن هذا السياق، تصبح مسألة مخزونات الذخيرة، خاصة المدفعية، نقطة ضعف واضحة، إذ إنها “ليست مصممة لهذا النمط”، في وقت لا تزال فيه القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية عاجزة عن مواكبة وتيرة الاستهلاك المرتفعة.

ويتعزز هذا الطرح عند الانتقال إلى البعد اللوجستي، حيث يبرز ضعف العمق اللوجستي الأوروبي كعامل مقيّد لسرعة الاستجابة. فعملية نقل قوات ثقيلة عبر القارة لا تصطدم فقط بالعوائق المادية، بل أيضا باختلاف الأنظمة والإجراءات بين الدول، ما يعني أن تعزيز الجبهة الشرقية قد يستغرق وقتا أطول من المطلوب في اللحظات الحاسمة. هذه الفجوة الزمنية تمنح الخصم ميزة استراتيجية قد يصعب تعويضها لاحقا.

ولا تتوقف نقاط الضعف عند هذا الحد، إذ تمتد إلى منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، التي رغم تطورها، تظل محدودة من حيث العدد والقدرة على الصمود أمام هجمات كثيفة ومتشبعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. في مثل هذا السيناريو، يمكن لهذه الأنظمة أن تُرهق بسرعة، ما يفتح المجال لاستهداف مراكز القيادة والبنية التحتية الحيوية، وهو ما يعيد إنتاج إشكالية “الثغرات” التي أشار إليها ملحم، ولكن في سياق أكثر عملياتية.

وفي موازاة ذلك، يبرز عامل الحرب الإلكترونية كأحد أخطر التحديات، حيث إن الاعتماد الكبير على الشبكات الرقمية يجعل منظومة القيادة والسيطرة عرضة للاختراق أو التعطيل. في حال فقدان الاتصالات أو أنظمة الملاحة، قد يتراجع مستوى التنسيق الذي يشكل أحد أبرز نقاط قوة الناتو، ما يحوّل التفوق التقني إلى نقطة ضعف في حال استهدافه بفعالية.

غير أن البعد العسكري لا يمكن فصله عن العامل السياسي، وهو ما يشدد عليه أبو ذياب من خلال الإشارة إلى أن الناتو، بوصفه تحالفا متعدد الدول، يواجه دائما تحدي اتخاذ قرار موحد وسريع. أي تأخير في التوافق السياسي قد ينعكس مباشرة على سرعة الرد العسكري، خاصة في ظل سيناريو “الأيام الأولى” الذي قد تسعى فيه روسيا إلى تحقيق مكاسب سريعة على الأرض قبل اكتمال الحشد الأطلسي.

الباحث السياسي مجتبي الجنابي

هذا التداخل بين العسكري والسياسي يقود إلى إشكالية أعمق تتعلق بوحدة القرار، وهو ما يتقاطع مع ما يطرحه الباحث السياسي مجتبي الجنابي، الذي يلخص – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – جوهر المشكلة في أن نقاط الضعف “تتعلق بالجاهزية أكثر من ضعف عسكري مباشر”. هذا التوصيف يعيد ترتيب أولويات النقاش، حيث تصبح سرعة الحشد، ونقل القوات، وتوافر الذخائر، عناصر حاسمة في تقييم القدرة القتالية.

ويشير الجنابي إلى أن الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة في مجالات حاسمة، مثل الاستخبارات والدفاع الصاروخي، يمثل بدوره نقطة ضعف هيكلية، خاصة إذا ما تزامن مع بطء القرار الجماعي بين الدول الأعضاء. في مثل هذه الظروف، قد تتراجع فعالية الاستجابة السريعة، خصوصا إذا كان الهجوم “مباغتا ومتعدد الأبعاد”، وهو السيناريو الذي تتقنه العقيدة العسكرية الروسية.

الباحث في الشؤون الدولية وليد عتلم

أزمة الكفاية والوفرة

هذا التحليل يلتقي مع رؤية الباحث في الشؤون الدولية وليد عتلم، الذي يربط بين ما كشفته الحرب الأمريكية–الصهيونية على إيران وبين الفجوات البنيوية داخل الناتو، معتبرا أن الحلف “لا يزال قادرا نظريا على ردع روسيا، لكنه قد يواجه صعوبات هائلة في حال اندلاع حرب طويلة الأمد”. هذا التمييز بين القدرة النظرية والجاهزية الفعلية يشكل محورا أساسيا في فهم التحديات الراهنة.

ضمن هذا الإطار، يبرز مفهوم “أزمة الكفاية والوفرة” بوصفه أحد أهم التحديات الاستراتيجية، حيث يجد الحلف نفسه أمام واقع يتطلب كميات ضخمة من الذخائر والمعدات، في وقت لا تستطيع فيه القاعدة الصناعية الدفاعية الغربية تأمينها بالسرعة المطلوبة. استنزاف مخزونات الصواريخ في نزاعات خارجية لا يمثل مجرد نقص في العتاد، بل يكشف عن خلل في سلاسل الإمداد التي صُممت لأزمات محدودة، لا لحروب طويلة الأمد.

ومن هذه الزاوية، تتضح أهمية الفجوة الجغرافية واللوجستية، حيث لا تزال أوروبا تعاني من بطء في حركة القوات عبر الحدود بسبب البيروقراطية وضعف البنية التحتية، في مقابل امتلاك روسيا خطوط إمداد داخلية قصيرة وسريعة. هذا التباين يعزز من قدرة موسكو على الحشد السريع، ويضع الناتو أمام تحدي الزمن بوصفه عاملا حاسما في أي مواجهة.

كما يسلط عتلم – في تصريحه لـ”الأيام نيوز” – الضوء على الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة، معتبرا أن هذا الاعتماد قد يتحول إلى نقطة ضعف في حال تغيرت الأولويات الأمريكية نحو مسارح أخرى، مثل آسيا. في مثل هذا السيناريو، قد تجد أوروبا نفسها أمام فجوات في مجالات حيوية، من بينها الاستخبارات والنقل الاستراتيجي والدفاع الصاروخي.

ولا يقتصر التحدي على الجوانب المادية، بل يمتد إلى البعد التكنولوجي، حيث أحدثت الطائرات المسيّرة ثورة في مفهوم “الإنكار الدفاعي”، من خلال قدرتها على استنزاف الأنظمة الدفاعية الباهظة بوسائل منخفضة التكلفة. هذا التحول يفرض على الناتو إعادة التفكير في منظوماته الدفاعية، والانتقال نحو حلول أكثر مرونة وأقل تكلفة.

وفي موازاة ذلك، تبرز أوكرانيا بوصفها “مختبرا حيا” يوفر خبرة قتالية ميدانية، في وقت يفتقر فيه العديد من جيوش الحلف إلى تجربة الحروب النظامية واسعة النطاق. هذا الفارق في الخبرة يعزز من فرضية أن التفوق التقني لا يكفي وحده لحسم المعارك، خاصة في ظل حروب الاستنزاف.

وبالعودة إلى صحيفة “بوليتيكو”، يتضح أنها أشارت إلى أن الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران كشفت ثغرات في دفاعات “الناتو”، معتبرة أن الحلف “سيكابد إذا هاجمته روسيا”. وفي هذا السياق، لفت الجنرال دومينيك تارديف، نائب رئيس أركان القوات الجوية الفرنسية، إلى أن الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ليست منفصلة، بل تقدم دروسا مشتركة حول تطوير القدرات العسكرية.

كما حذّر مسؤولون عسكريون أوروبيون من إمكانية تعرض أحد أعضاء التحالف لهجوم روسي بحلول عام 2029، ما يعزز الإلحاح على رفع الجاهزية والتماسك السياسي. وتشير المعطيات التي استندت إليها “بوليتيكو” إلى خمس فجوات رئيسية داخل الحلف.

من أبرزها استنزاف المخزون الصاروخي، إذ استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف صواريخ “باتريوت”، بينما تراجعت مخزونات صواريخ أوروبية خلال أسابيع قليلة من القتال. في المقابل، تنتج روسيا آلاف الطائرات المسيّرة شهريا، ما يهدد بتقليص القدرة الدفاعية للحلف خلال فترة قصيرة إذا لم يتم تطوير صواريخ اعتراضية أقل تكلفة وأنظمة دفاع سلبية أكثر مرونة. كما أظهرت الحرب حدود القصف الجوي التقليدي أمام القدرة على استيعاب هجمات كثيفة، ما دفع خبراء إلى الدعوة لتطوير قدرات ضرب بعيدة المدى تستهدف سلاسل إنتاج المسيّرات في العمق الروسي.

في الجانب البحري، تكشف عمليات الانتشار المحدودة عن تراجع ملموس في مستوى الجاهزية البحرية الأوروبية، في ظل أعطال متكررة ومؤشرات ضعف في الجاهزية العملياتية، ما يجعل أي مواجهة محتملة مع روسيا مرهونة بامتلاك قدرات أكثر تطورا في مجالات مطاردة الغواصات والتصدي للتهديدات البحرية بعيدة المدى.

أما على المستوى السياسي، فتبرز الأزمة من خلال اتساع الهوة داخل حلف الناتو، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بإمكانية تراجع الالتزام الأمريكي في المستقبل، وهو ما دفع بعض الأطراف داخل الحلف إلى إعادة طرح مسألة إعادة صياغة العلاقة الأطلسية، عبر مقاربة تقوم على ربط الدعم الأوروبي بمستوى الالتزام الأمريكي داخل المنظومة الدفاعية المشتركة.

وفي موازاة ذلك، يبرز التعاون المتنامي مع أوكرانيا كعنصر إضافي في إعادة تشكيل معادلة الأمن الأوروبي، من خلال نقل الخبرات في مجال الطائرات المسيّرة، وتطوير برامج صناعية وتدريبية مشتركة، بما يعكس تحول أوكرانيا تدريجيا من مجرد متلق للدعم العسكري إلى فاعل مشارك في إنتاج المعرفة والخبرة داخل المنظومة الأمنية الأوروبية.

وانطلاقا من هذه المؤشرات المتداخلة، يصبح من الضروري تجاوز القراءة الجزئية للنتائج الميدانية نحو تفكيك البنية الكلية لمنظومة الناتو، إذ إن ما تكشفه التجارب الأخيرة لا يقتصر على تطور أدوات القتال فحسب، بل يمتد ليعيد صياغة معادلات الجاهزية والقدرة على الاستجابة، بما يفرض إدراج هذه التحولات ضمن إطار تحليلي أوسع يربط بين الأداء العملياتي والقيود الهيكلية التي تحكم عمل الحلف.

الباحث في العلاقات الدولية أمين وافي

فجوة الدفاع الجوي والصاروخي

ضمن هذا الإطار، يبرز تحليل الباحث في العلاقات الدولية أمين وافي في تصريحاته لـ”الأيام نيوز” بوصفه مدخلا لفهم التحولات الجارية في بنية الدفاع الغربي، إذ يتم ربط التجربة الميدانية في الشرق الأوسط بمدى قابلية التكرار في مسرح أوروبي أكثر اتساعا وتعقيدا. هذا الانتقال من ساحة محدودة إلى فضاء جغرافي واسع يشكل نقطة انطلاق لفهم أولى الإشكاليات المرتبطة بالمنظومة الأطلسية، وعلى رأسها فجوة الدفاع الجوي والصاروخي.

فبينما تقوم بعض النماذج الدفاعية على كثافة التغطية في نطاق جغرافي محدود، تواجه أوروبا تحديا بنيويا مرتبطا باتساع المساحات المطلوب حمايتها. هذا التفاوت يخلق ضغطا على منظومات الاعتراض، خاصة في ظل نقص بطاريات “باتريوت” ومنظومات SAMP/T، بما ينعكس مباشرة على قدرة الردع الفوري. ويزداد هذا الخلل وضوحا عند النظر إلى التكلفة المرتفعة لاعتراض تهديدات منخفضة الكلفة نسبيا، وهو ما يضع المنظومة الغربية أمام معادلة استنزاف طويلة الأمد.

ومن هذه الزاوية، يتجه التحليل نحو البعد الصناعي، حيث تبرز الإشكالية العسكرية مقترنة بالقدرة الإنتاجية. فالمعطيات تشير إلى أن القاعدة الصناعية الدفاعية داخل دول الناتو لا تزال تعمل وفق منطق زمني غير متوافق مع متطلبات الحرب الحديثة، بما يجعل وتيرة التصنيع أدنى من معدلات الاستهلاك المرتفعة في ساحات القتال. هذا الاختلال الزمني يخلق فجوة حاسمة بين الحاجة الفورية للإمداد وبين القدرة الفعلية على تلبيتها، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى الجاهزية العملياتية واستدامة الدعم العسكري.

وفي هذا السياق، يرتبط الحديث عن نفاد المخزونات الاستراتيجية باستمرار تدفق الدعم العسكري إلى أوكرانيا، إلى جانب تصاعد التوترات في مسارح أخرى، ما أسهم في تراجع مستويات الاحتياطي لدى عدد من الدول الأعضاء. وتكشف هذه المعادلة عن اختلال أعمق في البنية الإنتاجية الدفاعية، التي تبدو غير مهيأة للتعامل مع سيناريوهات حروب طويلة الأمد أو متعددة الجبهات.

أحمد عرابي – باحث سياسي

وفي هذا السياق، يضيف الباحث السياسي أحمد عرابي في تصريحاته لـ”الأيام نيوز بعدا يربط مسألة الجاهزية بقدرة الحلف على الاستعداد لمواجهة محتملة خلال السنوات المقبلة، في ظل تقديرات تشير إلى احتمال تصعيد مع روسيا. وعند الانتقال إلى البنية الداخلية للحلف، يظهر عنصر التماسك السياسي كعامل لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية. فاختلاف مستويات الإنفاق الدفاعي بين الدول الأعضاء، إلى جانب التباين في الأولويات السياسية، يؤدي إلى تفاوت في الجاهزية العامة. هذا التفاوت ينعكس مباشرة على سرعة اتخاذ القرار، خصوصا في ظل اعتماد مبدأ الإجماع داخل الناتو.

العميد المتقاعد في “الجيش” اللبناني منير شحادة

وضمن هذا الطرح يقدم العميد المتقاعد منير شحادة قراءة أكثر تفصيلا للفجوة الصناعية واللوجستية، حيث يؤكد على أن القوة الاقتصادية الضخمة للناتو لا تنعكس دائما على مستوى الإنتاج العسكري. هذا التباين بين الإمكانات النظرية والقدرات الفعلية يمثل أحد أبرز الإشكاليات البنيوية في الحلف.

كما يبرز عامل الاعتماد على الولايات المتحدة كعنصر محوري في المعادلة، إذ يشكل الدعم الأمريكي ركيزة أساسية في مجالات الاستخبارات والنقل الجوي والقدرات الفضائية. هذا الاعتماد يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الحلف على العمل بشكل مستقل في حال تغيرت الأولويات الاستراتيجية لواشنطن.

عصام عبد الشافي أستاذ العلاقات الدولية ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية

وفي هذا السياق، يندرج تصريح الدكتور عصام عبد الشافي أستاذ العلاقات الدولية ورئيس أكاديمية العلاقات الدولية لـ”الأيام نيوز”، الذي يضع هذه التحولات ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الأمني الأطلسي منذ الحرب الروسية–الأوكرانية. التحليل الذي يقدمه يربط بين التحولات البنيوية داخل الحلف وبين تصاعد النقاش حول ما يمكن تسميته بـ”ناتو أوروبي”، في ظل تزايد الشكوك بشأن استدامة الالتزام الأمريكي طويل الأمد بأمن القارة.

البوصلة الاستراتيجية

ويبرز في هذا الإطار أن وثيقة “المفهوم الاستراتيجي 2022” لم تكن مجرد تحديث تقني، بل اعترافا ضمنيا بوجود اختلال في توزيع الأعباء الدفاعية داخل الحلف، حيث ظلت الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر من القدرات الحيوية، خصوصا في مجالات الردع النووي والاستخبارات. هذا الاختلال دفع إلى تسريع النقاش الأوروبي حول تعزيز “الركيزة الأوروبية” داخل الناتو بدلا من التفكير في استبداله.

وفي موازاة ذلك، جاء تبني الاتحاد الأوروبي لما يعرف بـ”البوصلة الاستراتيجية” ليعكس انتقالا تدريجيا نحو بناء قدرة جيوسياسية أكثر استقلالا، رغم استمرار الاعتماد الكبير على القدرات الأمريكية. إلا أن هذا المسار يصطدم بانقسامات داخلية واضحة بين دول تميل إلى الاستقلال الاستراتيجي وأخرى ترى في المظلة الأمريكية الضمانة الأكثر استقرارا في مواجهة التهديد الروسي.

الباحث السياسي ديمتري بريجع

وفي تحليل الباحث ديمتري بريجع، يتضح أن العامل الحاسم في أي مواجهة محتملة لا يرتبط فقط بالتفوق التكنولوجي أو الحجم الاقتصادي، بل بسرعة الاستمرار في الإنتاج والتعويض خلال الزمن الفعلي للصراع. ويعيد هذا التصور صياغة ميزان القوة وفق معيار زمني صارم، حيث تصبح القدرة على الصمود والإمداد المستمر عنصرا مركزيا في الحسم.

بناء على مجمل هذه القراءات، يتضح أن الناتو يواجه منظومة معقدة من التحديات المتداخلة، تمتد من الصناعة إلى السياسة، ومن اللوجستيات إلى التكنولوجيا، وصولا إلى بنية القرار نفسها. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن جاهزية الحلف لا يتعلق فقط بقدرة ردّ عسكري مباشر، بل بمدى امتلاكه لنموذج متكامل قادر على التكيف مع طبيعة حرب لم تعد تقاس فقط بالقوة، بل بالاستمرارية والزمن والقدرة على إعادة الإنتاج تحت الضغط.