السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حوارات

الناقد والكاتب “نبيل طنوس” لـ”الأيام نيوز”: النقد المتصل بالأسئلة الحقيقية للحياة.. يُنتج معرفة حيّة ومؤثرة


في المشهد الثقافي الفلسطيني في الداخل، تبرز تجارب تجمع بين المعرفة الأكاديمية والانشغال الإنساني والجمالي بالنص الأدبي. ومن بين هذه التجارب، تبرز تجربة الدكتور “نبيل طنوس”، التي تمتد بين التربية، والنقد الأدبي، والترجمة، والشعر، ضمن مشروع يرى في الثقافة فعلًا إنسانيًا يتجاوز حدود التخصص الضيق.

من قرية “المغار” في الجليل الفلسطيني، تتشكل ملامح رؤية تعتبر الأدب مساحة لفهم الإنسان، وتتعامل مع النقد بوصفه قراءة للمعنى لا سلطة على النص، فيما تتحول الترجمة إلى جسر للتواصل الإنساني والثقافي.

في هذا الحوار، يتحدث الدكتور “نبيل طنوس” عن العلاقة بين التربية والنقد، وعن الشعر بوصفه “لغة داخل اللغة”، وعن الترجمة باعتبارها نقلًا للثقافة والوعي، كما يتوقف عند أسئلة الهوية، والذائقة، والمشهد الثقافي الفلسطيني في الداخل.

سؤال: كيف يتشكّل وعي الناقد حين يتقاطع المسار الأكاديمي في التربية واللغات مع الانشغال بالنص الأدبي بوصفه موضوعًا جماليًا وفكريًا في آن؟

جواب: تشمل تخصصاتي الأكاديمية أربعة محاور: اللغة وأدبها، النقد الأدبي، علم التربية، والترجمة. هذا التداخل جعل النص الأدبي بالنسبة لي ليس مجرد موضوع جمالي، بل مساحة معرفية وتربوية وإنسانية في الوقت نفسه. النقد الأدبي يقوم على قراءة النص وتحليله وفهم بنيته، بينما يضيف البعد التربوي اهتمامًا ببناء الإنسان والقيم والوعي. لذلك أرى أن العلاقة مع النص لا تنفصل عن العلاقة مع الإنسان، لأن الأدب في جوهره تجربة إنسانية قبل أي شيء آخر.

سؤال: إلى أيّ حد يمكن للنقد الأدبي أن يبقى وفيًّا للنص دون أن يتحول إلى سلطة تفرض قراءة واحدة أو تُقصي تعددية التأويل؟

جواب: النقد الأدبي، في نظري، ليس سلطة على النص، بل محاولة لفهمه وإضاءته. وحين يتحول النقد إلى فرض قراءة واحدة، فإنه يفقد جزءًا أساسيًا من وظيفته. النص الأدبي بطبيعته مفتوح على احتمالات متعددة، وقيمة النقد الحقيقية تكمن في قدرته على فتح أبواب الفهم والتأويل، لا إغلاقها.

سؤال: عندما يُقرأ الشعر الفلسطيني، هل يمكن فصله عن سياقه التاريخي والسياسي، أم أن هذا السياق جزء من بنيته الجمالية؟

جواب: من الصعب فصل الشعر الفلسطيني عن سياقه التاريخي والسياسي، لأن التجربة الفلسطينية نفسها حاضرة داخل النص، وتنعكس في اللغة والصورة والإيقاع والرؤية. السياق هنا ليس عنصرًا خارجيًا، بل جزء من البنية الجمالية والفكرية للقصيدة، ولذلك فإن قراءة الشعر الفلسطيني بمعزل عن واقعه تفقده جانبًا مهمًا من معناه.

سؤال: ما الذي يعنيه الاقتراب من نصوص شعراء مركزيين مثل محمود درويش وسميح القاسم من زاوية نقدية لا احتفائية؟

جواب: القراءة النقدية الحقيقية لا تقوم على الاحتفاء فقط، بل على محاولة فهم النص في عمقه الفني والجمالي. فعندما نقرأ شعر محمود درويش أو سميح القاسم نقديًّا، فإننا نتعامل مع النص بوصفه بنية لغوية وفنية تحمل رؤيتها الخاصة، لا مجرد رمز وطني أو عاطفي. النقد هنا يسعى إلى فهم آليات النص، وصوره، وبنيته، ولغته، وطريقة اشتغاله الجمالي.

سؤال: هل ما يزال النقد الأدبي قادرًا على إنتاج معرفة حيّة تصل إلى القارئ العام، أم أنه انزاح تدريجيًا نحو فضاء أكاديمي مغلق؟

جواب: هناك بالفعل بعض أشكال النقد التي أصبحت أقرب إلى اللغة الأكاديمية المغلقة، لكن هذا لا يعني أن النقد فقد دوره أو قدرته على الوصول إلى القارئ. عندما يكون النقد واضحًا ومتصلًا بالإنسان وبالأسئلة الحقيقية للنص والحياة، فإنه يبقى قادرًا على إنتاج معرفة حيّة ومؤثرة.

سؤال: كيف يمكن فهم العلاقة بين اللغة بوصفها أداة تعبير، والهوية بوصفها بنية ثقافية تتشكل داخل النص وتعيد إنتاج نفسها عبره؟

جواب: اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل هي جزء من تكوين الهوية نفسها. داخل النص الأدبي تتشكل الهوية وتُعاد صياغتها من خلال اللغة والصور والرؤية الثقافية. ولهذا يصبح الأدب أحد الفضاءات التي تُنتج الهوية وتعيد تعريفها باستمرار.

سؤال: ما موقع الترجمة من مشروع نقدي يتعامل مع نصوص محكومة بتوترات لغوية وثقافية بين العربية والعبرية؟

جواب: الترجمة ليست عملية تقنية فقط، بل عملية نقل ثقافة كاملة بما تحمله من قيم وأحاسيس ورؤى. أنا أؤمن بأن الفنون عمومًا، ومنها الأدب والترجمة، تستطيع أن تكون جسورًا للتواصل الإنساني والتعايش، شرط ألّا تتحول إلى أدوات للتحريض أو العنصرية. ومن هنا أرى أن الترجمة محاولة للوصول إلى الآخر، وإيصال الصوت الإنساني والثقافي إليه دون تشويه.

سؤال: إلى أيّ مدى يمكن اعتبار النقد فعلًا معرفيًّا يسهم في بناء الوعي، وليس مجرد قراءة تفسيرية للنصوص الأدبية؟

جواب: النقد، بالنسبة لي، فعل معرفي وإنساني في الوقت نفسه، لأنه لا يفسر النص فقط، بل يساعد على فهم الإنسان والعالم من خلاله. كل قراءة حقيقية للنص هي محاولة لبناء وعي أعمق باللغة، وبالثقافة، وبالتجربة الإنسانية.

سؤال: كيف يتداخل البعد التربوي في رؤية الباحث مع فهمه للنص الأدبي، خصوصًا فيما يتعلق بتشكيل الذائقة الثقافية؟

جواب: التربية تلعب دورًا أساسيًّا في تشكيل الذائقة الثقافية، لأنها ترتبط ببناء الإنسان وقيمه وطريقة نظرته إلى العالم. ومن هنا تأتي أهمية النشاطات الثقافية والفنية والقراءة في تكوين شخصية أكثر وعيًا وانفتاحا.

سؤال: ما الذي يكشفه المشهد الثقافي الفلسطيني في الداخل عن طبيعة العلاقة بين الإبداع، والمؤسسة، والذاكرة الجمعية؟

جواب: المشهد الثقافي الفلسطيني في الداخل يحمل تعقيدات كثيرة، لأنه يتحرك داخل مساحة تتداخل فيها الذاكرة الجمعية مع التجربة الفردية والمؤسسات الثقافية. وهذا ما يمنحه خصوصيته، ويجعل الإبداع مرتبطًا بأسئلة الهوية والانتماء والوجود الثقافي.

سؤال: كيف تعرّف الشعر في تجربتك؟

جواب: أستند في رؤيتي للشعر إلى تصورات متعددة. “بول فاليري” يرى أن الشعر هو التردد الدائم بين النغمة والمضمون، وأنه “لغة داخل اللغة”. أما “سيمونيديس” فيقول إن “الرسم شعر صامت، والشعر صورة تتكلم”. وتقول “ليئة غولدبرغ” إن للكلمة في القصيدة دورًا مضاعفًا في اللون والأنغام.

ومن هنا أرى أن الشعر هو:

– أن ترسم فكرة بكلماتك،

– أن تفاجئ بصورة غير متوقعة،

– أن تسمع صوت الحالة داخل الحروف،

– أن تختصر اللغة لتفتح المعنى،

– أن تثير في القارئ تداعي الأفكار والأسئلة.

وفي إحدى قصائدي أقول:

اضبط ميزانك

أخفِضْ رأسك كي تعبر رياح الشهوة

اضبط ميزانك وضعه على سطحٍ مستوٍ

معيارٌ غير دقيقٍ يضيع القيمة

والخلل يكون فيك وليس من السهو

لا تتركه كأنك لا تعلم

لماذا أريك السها وتريني القمر؟

لا تقل إنك كنت غير منتبه

امنح ميزانك قلبك ليطول العمر

سر في أعقاب النور وارشد به

فتصل إلى نبع صافٍ وعذب

انحنِ، مد يديك وانهل منه

أخفض رأسك، اضبط ميزانك

أنت تعلم، أنت منتبه ومتيقن

سر في أعقاب النور ليعمر بيتك

سؤال: ما السؤال الذي ما يزال النقد الأدبي عاجزًا عن الإجابة عنه حتى اليوم؟

جواب: ربما تكمن طبيعة النقد في أنه لا يقدم إجابات نهائية. فكل قراءة تفتح أسئلة جديدة، وكل نص يخلق احتمالات أخرى للفهم والتأويل. ولهذا يبقى النقد حقلًا مفتوحًا على الأسئلة أكثر من كونه مساحة للإجابات المكتملة.

خاتمة

في تجربة الدكتور “نبيل طنوس”، تتداخل التربية بالنقد، والترجمة بالشعر، ضمن رؤية ترى في الأدب فعلًا إنسانيًّا ومعرفيًّا في آن. وهي تجربة تنظر إلى الثقافة بوصفها مساحة للحوار وبناء الوعي، لا مجرد نشاط جمالي معزول عن الإنسان وأسئلته الكبرى.

Author رانية فؤاد مرجية
كاتبة من فلسطين