الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

النزاعات العقارية في الجزائر.. معركة الوثائق والقانون لترسيخ الأمن العقاري

Author
إيمان عبروس 30 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل النزاعات العقارية واحدة من أكثر القضايا حضورا أمام الجهات القضائية في الجزائر، بالنظر إلى تشعّب أسبابها وتداخل أبعادها القانونية والاجتماعية والإدارية، وما تفرزه من خلافات بين الورثة، والجيران، والمتعاملين في السوق العقارية، وحتى بين الأفراد والإدارة. 

ويكتسي هذا الملف أهمية متزايدة في ظل تنامي القيمة الاقتصادية للعقار، واتساع الحركة العمرانية، وتزايد الإقبال على الاستثمار العقاري، وهو ما يجعل حماية الملكية الخاصة وضبط المعاملات العقارية إحدى أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وتبرز هذه الإشكالات بصورة أوضح في بعض المناطق التي ما تزال تعتمد على أوضاع عقارية قديمة، أو تعرف غيابا للوثائق الرسمية المثبتة للملكية، إلى جانب انتشار العقود العرفية، وتأخر عمليات التسوية، وتعقيد بعض الإجراءات الإدارية، وهي عوامل فتحت المجال أمام منازعات امتدت لسنوات طويلة، وأثقلت كاهل المحاكم بملفات متشعبة تتطلب الفصل فيها دراسة دقيقة للوقائع والوثائق والنصوص القانونية.

وفي هذا السياق، أكد الأستاذ شريفية محمد العيد، المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن النزاعات العقارية تختلف أسبابها باختلاف طبيعة كل منطقة، وأن معالجة هذا الملف تستوجب فهما لمختلف الجوانب القانونية والتاريخية والإدارية المرتبطة بالعقار في الجزائر، باعتبار أن العديد من القضايا الحالية تعود جذورها إلى عقود طويلة مضت.

غياب السندات الرسمية.. أحد أبرز منابع النزاعات العقارية

وأوضح المحامي شريفية محمد العيد أن جزءا مهما من النزاعات العقارية يرتبط بغياب عقود الملكية الرسمية، خاصة في بعض ولايات الوطن التي عرفت تاريخيا ما يسمى بأراضي العرش، على غرار بجاية وتيزي وزو وجيجل، حيث استمر استغلال العديد من الأراضي دون تحرير عقود ملكية رسمية، الأمر الذي أوجد وضعيات قانونية معقدة استمرت إلى غاية اليوم.

وأشار إلى أن قانون التوجيه العقاري وقوانين أملاك الدولة صنفت أراضي العرش ضمن أملاك الدولة، وهو ما جعل تسوية أوضاع الكثير من العقارات أمرا بالغ التعقيد عند غياب أصل الملكية أو العقود التي تثبت انتقالها بين الأجيال.

وأضاف أن استمرار استغلال هذه الأراضي دون سند قانوني واضح أدى إلى ظهور نزاعات متكررة بين الورثة، كما تسبب في خلافات بين الملاك المتجاورين حول الحدود والمساحات وحقوق الاستغلال، خاصة مع مرور الزمن وتوسع العمران.

وأكد أن غياب الوثائق الرسمية يبقى من أكبر العراقيل التي تواجه القاضي عند الفصل في المنازعات العقارية، لأن إثبات الملكية يصبح مرتبطا بوسائل إثبات أخرى قد تختلف قوتها القانونية من ملف إلى آخر.

الميراث غير المقسّم.. قضايا تتوارثها الأجيال

وفي حديثه عن أسباب انتشار النزاعات، أوضح المحامي أن الكثير من الخلافات تنطلق من التركة غير المقسّمة، حيث يفضل عدد كبير من العائلات الإبقاء على العقار الموروث دون اتخاذ الإجراءات القانونية الخاصة بقسمته بين الورثة.

وأشار إلى أن هذا الوضع قد يستمر سنوات طويلة، قبل أن يتحوّل مع مرور الزمن إلى نزاعات معقدة بين الأحفاد وأبناء الأحفاد، نتيجة تضاعف عدد الورثة، وصعوبة الاتفاق على القسمة، وتعقد الإجراءات المرتبطة بإعداد الفريضة الشرعية.

وأوضح أن استخراج الفريضة يستوجب توفير مجموعة من الوثائق، وهو ما يواجه في بعض الحالات عراقيل عملية، خاصة عندما يرفض أحد أفراد العائلة تسليم بعض الوثائق الضرورية، أو عند تعذر الحصول على وثائق عائلية قديمة، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل عملية تقسيم التركة، ويزيد من تعقيد الوضعية القانونية للعقار.

وأضاف أن استمرار هذه الوضعيات لسنوات يجعل النزاع أكثر تشعّبا، خاصة عند انتقال الحقوق إلى أجيال جديدة لم تعايش الملاك الأصليين، وهو ما يصعب إثبات الحقوق بدقة ويزيد من حجم المنازعات المطروحة أمام القضاء.

غلاء العقار.. بيئة تستغلها شبكات الاحتيال

وأشار الأستاذ شريفية محمد العيد إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار العقارات، خلال السنوات الأخيرة، ساهم بدوره في تنامي بعض الممارسات غير القانونية، حيث يستغل بعض الأشخاص حاجة المواطنين إلى السكن أو البحث عن عقارات منخفضة السعر، ليعرضوا عليهم أراضي لا تتوفر على سندات ملكية صحيحة.

وأوضح أن بعض عمليات البيع تتم بعقود عرفية تشمل أراضي تابعة لأملاك الدولة أو مستثمرات فلاحية أو عقارات لم تستوف إجراءات التسوية القانونية، مع تقديم وعود للمشترين بإمكانية تسوية الوضعية مستقبلا بعد انتهاء عمليات مسح الأراضي.

وأكد أن هذه المعاملات تضع المشتري أمام مخاطر قانونية كبيرة، لأن التشريع الحالي لا يسمح في كثير من الحالات بتسوية مثل هذه الوضعيات، وهو ما يحوّل تلك العقارات إلى مصدر دائم للنزاعات القضائية، ويعرّض أصحابها لخسائر مالية وقانونية يصعب تداركها.

القوانين المنظمة للتسوية.. جهود مستمرة لمواكبة الواقع العقاري

وفي سياق متصل، أوضح الأستاذ شريفية محمد العيد أن المشرّع الجزائري سعى، خلال السنوات الماضية، إلى معالجة عدد من الوضعيات العقارية من خلال سنّ قوانين خاصة بالتسوية، وفي مقدمتها القانون رقم 08-15، الذي أتاح تسوية بعض البنايات المنجزة قبل سنة 2008، بما ساهم في تسوية جزء معتبر من الملفات العالقة.

وأشار إلى أن التطور العمراني المتسارع أفرز وضعيات جديدة تحتاج إلى آليات قانونية إضافية، خاصة بالنسبة للبنايات المنجزة بعد سنة 2008، أو تلك المقامة فوق أراض ذات طبيعة قانونية خاصة، وهو ما يجعل عددا من المواطنين يجدون أنفسهم أمام ملفات يصعب تسويتها وفق النصوص الحالية.

وأضاف أن التعليمة الوزارية الصادرة سنة 2025 المتعلقة بتسهيل تسوية بعض البنايات المنجزة داخل المستثمرات الفلاحية شكلت خطوة إيجابية، غير أن بعض الوضعيات، خاصة الواقعة بالمناطق السياحية أو الأراضي التي تخضع لتشريعات خاصة، ما تزال تتطلب حلولا قانونية أكثر شمولية.

أخطاء المسح العقاري.. عندما تتحوّل الإجراءات إلى نزاع قضائي

وأكد المحامي أن بعض النزاعات العقارية لا ترتبط بسلوك الأفراد، وإنما تعود إلى أخطاء تقنية أو إدارية تقع خلال عمليات مسح الأراضي، حيث قد يتم تسجيل أخطاء في ترقيم القطع الأرضية أو في تحديد المساحات أو الحدود، رغم امتلاك أصحابها لعقود ملكية صحيحة.

وأوضح أن هذه الحالات تدفع أصحاب الحقوق إلى اللجوء إلى القضاء الإداري من أجل تصحيح الأخطاء وإعادة مطابقة البيانات العقارية مع الوثائق الرسمية، وهو ما يطيل آجال الفصل في الملفات ويزيد من تعقيدها.

كما أشار إلى أن بعض الإشكالات ترتبط بعمل المحافظات العقارية، سواء فيما يتعلق بتحيين البطاقات العقارية أو استكمال البيانات الخاصة بالملاك، معتبرا أن دقة السجل العقاري تمثل حجر الأساس في استقرار المعاملات العقارية وحماية حقوق المواطنين.

الأرشيف العقاري.. ذاكرة قانونية تحتاج إلى التحديث

وتوقف الأستاذ شريفية محمد العيد عند إشكالية الأرشيف العقاري، موضحا أن كثيرا من العقود العرفية القديمة أو الوثائق المحررة قبل عقود يصعب الوصول إليها بسبب تشتت الأرشيف أو ضعف رقمنته، وهو ما ينعكس مباشرة على إثبات الملكية.

وأضاف أن البحث عن بعض العقود القديمة يتطلب التنقل بين المحاكم والمحافظات العقارية ومصالح التسجيل والموثقين، وقد يواجه المواطن صعوبة في العثور على الوثائق المطلوبة رغم وجودها، الأمر الذي ينعكس على سير القضايا العقارية.

ويرى أن رقمنة الأرشيف العقاري وتوحيد قواعد البيانات بين مختلف الإدارات يمثلان خطوة أساسية لتسهيل الوصول إلى الوثائق، وتسريع معالجة الملفات، وتعزيز الثقة في المنظومة العقارية.

جرائم عقارية يواجهها القانون بعقوبات صارمة

وأوضح المحامي أن التشريع الجزائري يتضمن مجموعة من النصوص التي تعاقب على مختلف الاعتداءات الواقعة على العقار، وفي مقدمتها التعدي على أملاك الدولة، والبناء دون رخصة، وتغيير الطابع الفلاحي للأراضي، والتعدي على الأملاك الغابية، إلى جانب جرائم التزوير في العقود العرفية والرسمية.

وأشار إلى أن البناء دون رخصة يبقى من أكثر المخالفات انتشارا، خاصة بالنسبة للعقارات التي يمتلك أصحابها سندات ملكية لكنهم يباشرون أشغال البناء دون استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، بينما تقترن مخالفات أخرى بتغيير الطابع الفلاحي للأراضي أو البناء فوق أملاك الدولة، وهي أفعال يعاقب عليها القانون وفق طبيعة كل مخالفة.

وأضاف أن تزوير العقود، سواء العرفية أو الرسمية، يعد من أخطر الجرائم العقارية لما يترتب عنه من مساس بحقوق الملكية وإرباك للمعاملات، وهو ما يستوجب تشديد الرقابة وتعزيز وسائل التحقق من صحة الوثائق.

الأمن العقاري.. مسؤولية مشتركة بين المواطن والإدارة

ويرى الأستاذ شريفية محمد العيد أن الحد من النزاعات العقارية يمر عبر نشر الثقافة القانونية لدى المواطنين، وتشجيع توثيق جميع التصرفات العقارية بعقود رسمية، مع الحرص على تسوية الوضعيات القانونية في آجالها، وعدم الاعتماد على الاتفاقات الشفوية أو العقود غير الموثقة.

كما دعا إلى مواصلة تحديث المنظومة العقارية، ورقمنة الأرشيف، وتطوير خدمات المحافظات العقارية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، بما يضمن حماية الملكية الخاصة ويعزز استقرار المعاملات العقارية.

القانون ركيزة للاستقرار وحماية الاستثمار

وفي ختام تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أكد الأستاذ شريفية محمد العيد، المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، أن استقرار المعاملات العقارية يشكل ركيزة أساسية لحماية الحقوق الفردية وتعزيز مناخ الاستثمار، موضحا أن معالجة النزاعات العقارية تستدعي تكامل الجهود بين التشريع والإدارة والقضاء، إلى جانب ترسيخ ثقافة التوثيق واحترام الإجراءات القانونية منذ البداية.

وأضاف أن تطوير المنظومة العقارية، واستكمال رقمنة السجلات، وتحسين أداء مختلف المصالح المعنية، من شأنه أن يقلص حجم المنازعات، ويعزز الأمن العقاري، ويوفر بيئة أكثر استقرارا للأفراد والمستثمرين، بما يخدم التنمية الاقتصادية ويحافظ على الحقوق وفق أحكام القانون.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.